ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الرابع 5

دلور ميقري
2018 / 2 / 26

" بحق سيدي ربي، إلا أعلمتِني ماذا تريدين من زوجي؟ "
هذا السؤال، المطروح عليها من لدُن مرافقتها السابقة بصيغة محلية طريفة، بقيَ دونما جواب. عليها كان أن تعودَ بخفّي حنين من سَعيها، هنالك في الضاحية. والسبب، كان اللقاء المنحوس مع " الشريفة ". ألم تكن متهيئة، سلفاً، لاحتمال هكذا لقاء: " فلِمَ إذاً أفسدتُ التدبيرَ بجرّ الحديث إلى ماضٍ مغروسٍ، كالحربة، في أعماق تلك المرأة الماكرة؟ "، كانت الخانم تفكّرُ مقرّعةً ذاتها وهيَ في جلستها الأثيرة بمقر الإقامة الفندقية. لم تشعر بحلول الظلام، قبلَ إطلالة سكرتير المكتب. كان منتصباً أمام مدخل الصالة، يتهيأ للمغادرة إلى منزله، حينَ طلبت منه أن يمكثَ بعضَ الوقت. انزلقَ الشابُ إلى الكرسيّ المقابل لمجلسها، وكان على ملامحه الجميلة أثرُ الجهد والإرهاق بعدَ ساعاتٍ عشر من العمل.
" لم يتصل أخيراً ذلك الشخص، المدعو فرهاد؟ "، وجهت إليه سؤالها وكانت ما تني ساهمة. ثم استدركت قائلة، وكأنما أفاقت فجأة من غفوة أفكارها: " آه نعم، ليسَ الأمر بذي بال! ". لقد تذكّرت أنها منذ نحو نصف ساعة، استفهمت من الشاب عن المكالمة المرجوة. هذا، رمقها بنظرةٍ تنمّ عن حيرةٍ لما شهدَهُ اليومَ من لجاجة وإلحاح بشأن صاحب الاسم الغريب. على أنه لم يجد بداً من التعليق، بالقول: " قد يتصل اليوم، أو غداً؛ أليسَ هذا ما أخبرك به الرسامُ الفرنسيّ؟ ". هزّت رأسها، مفترَّة الثغر. دأبت على التبسم له بعفوية، كلّ مرةٍ يَطرقُ فيها سمعها جرسُ حرف الراء، الفرنسيّ. إلى ذلك، كانت تشعر بمتعة لا تفسير لها آنَ اجتماعها مع مَن أضحى مذ مدة يسيرة، مديرَ مكتبها. كانت تعدّ نفسها كما لو أنها حاميته، أو أنه ربيبها. هذا على الرغم من حقيقةٍ واضحة، لا يُمكن أن تغفلها " سوسن خانم " بحال: مغربيته الأصيلة، أباً عن جدّ، كما جرى القول.. فضلاً عن كونه، تقريباً، من نفس جيلها.

*
أكانت تتلهى بانتظار المكالمة؛ تُشغل وقتها، المنذور للفراغ والضجر والسأم..؟
ربما الأمر كذلك، خصوصاً إذا علمنا حالتها النفسية في الآونة الأخيرة. ابتعاد أكثر الأصدقاء وتفرقهم في كلّ مهب، كأنما كان من تبعات " لعنة شيرين ". فيما الخانم، من ناحية ثانية، تعزو ما تلقاهُ من تجاهل وجوه المجتمع الراقي إلى امرأة بعينها؛ إلى الأميرة، التي أوغرت صدرَ هذه وتلك بمختلف الأقاويل المختلقة. وهوَ ذا " آلان " يشكو لها، المرة تلوَ المرة، صعوبةَ التعامل مع بعض الجهات إن كانت رسمية أو خاصّة. إنها متوجّسة من أنّ يوماً، ليسَ بالبعيد، قد يأتي عليها، فتتلقى اتصالاً من أحد " الأشراف " ليُطالبها المشاركة بأرباح شركتها.. تماماً كما الحال في سورية مع أفراد العائلة المقدسة، ممن يُعرفون في الوسط التجاري بكونهم " رجال أعمال ولكنهم لا يعملون شيئاً! ".
منذ هذا اليوم، المعقّب عودتها من الضاحية، أخذت تخطّ ما يُشبه اليوميات في دفتر خاص. ولكن لم يخطر لها آنذاك، أن الأمر ممكن أن يتحوّل إلى هوس بتسجيل ذكريات إقامتها في المدينة الحمراء، على غرار ما فعلته " شيرين " ورجلها الفرنسيّ.. هوس، دعته لاحقاً في رسالة إلى صديقها المقيم في موسكو ب " حمّى مراكش ". فيما مضى، مثلما علمنا في مكان آخر، اعتادت الخانم على شغل أوقات فراغها بكتابة القصائد. كانت تبث للورق الأبيض أحاسيسها، موقنة بأنّ ثمة من سيقرؤها ويُبدي رأيه فيها قولاً وكتابة على حدّ سواء. في بداية تعرفها على عصبة الرواق، كان الأستاذ الشاعر، " المهدي البغدادي "، هوَ من يتعهّد تنقيحَ قصائدها بحسّه السليم، المرهف. لاحقاً، حينَ جلبت " فرهاد " لمكتبها بصفة مديره، لم يكن في الواقع يدير شيئاً خارجَ نطاق أوراقها تلك.. بلى، أعتبرها هوَ لا أكثر من أوراق بيض خُطّ عليها ترّهات مما يقال عنها " خواطر "، مجاملةً أو مداهنة. صراحته لم تتجاسر على إعلان نفسها، إنما شفّ عنها صمته المريب آنَ كان المطلوب إبداء الرأي في أشعارها. مع مرور الوقت تناست إساءته، ولم يعُد في نظرها شاباً مغروراً أخرقَ ( وربما أحمقَ أيضاً ) منتفخَ الأعماق بشتى العُقَد: موهبته الفنية، كرسام، لعلها كانت المعين المتدفق منه إبداعه بصورة أوضح مما تفعله أشعاره. لقد شجعته " سوسن خانم "، من جهتها، في تنمية ذلك الهاجس كي يصبح حرفة يأكل منها خبزه. حتى أنها خصصت له محترفاً في ترّاس إقامتها، حرصت على أن يقضي فيه وقته كيفما شاءَ وبكل حرية.

*
" ولكنها الشريفة، مَن شاءت أن تدخل على الخط لتخريب كلّ آمالها بالشاب الموهوب "
فكّرت الخانم، فيما داخلها يستعرّ بالمزيد من حَطب الحنق. أجل، أنسلت المرأة الماكرة ذات مساء إلى التراس كالحيّة الداهية، لتعرض عريها على الشاب قليل التجربة: " كنتُ لفترة مديدة نموذجاً لفنان كَاوري معروف "، قلت له يومئذٍ المرأة المنحلّة في إشارة إلى " مسيو جاك "؛ إلى من تعتبره علناً أباها البيولوجيّ. كانَ إيروتيكياً فاضحاً، كسيرتها الشخصية، موضوعُ اللوحة تلك، التي وقفت خلالها كموديل أمام " فرهاد ". ليسَ ذلك حَسْب، فيما لو فكّر المرءُ بسبب آخر يجعل " فرهاد " يخفي اللوحة ضمن إطار بورتريه يمثّلها هيَ؛ " سوسن خانم ". لم تُشعره بالغيرة، حينَ واجهته بالرسم السريّ. بيْدَ أنها لحظت بلبلته وارتباكه، لما برر الأمرَ بكونه استعمل مرافقتها كنموذج مثلما يفعل غالب الفنانين. ولم يخدعها أيضاً، العنوان الأسطوريّ البريء للوحة؛ " خَجي وسِيامند ".
" أمن الممكن أنّ مسيو جاك، بدَوره، يُخفي عُريَ ربيبته خلفَ إطار اللوحة، التي سبقَ ورسمها لها لما كانت بعدُ صبية صغيرة؟ "، تساءلت الخانم في سرّها. وتابعَت ربط الأمور بعضها ببعض كما حلقات سلسلة حديدية: " قد يكون هوَ المقصود بقول الشريفة يوم امس، أنّ مخطوطة مذكرات مسيو غوستاف موجودة بيَد شخصٍ يحرص عليها كأنها حياته نفسها؟ من المرجح، والحالة تلك، أنّ المذكرات تتضمن حقاً تفاصيلَ تكشف العلاقة الآثمة بين الرسام الفرنسيّ وعشيقته، التي كانت الشريفة ثمرتها! ". لما أنحدرَ بها الفكرُ هذا المنحدر الوعر، لوّحت " سوسن خانم " بيدها دونما شعور وكأنما تطرد طيفَ تلك المرأة. كان قد مضى وقتٌ طويل مذ مغادرة " آلان " إلى منزلٍ في غيليز، يقيم فيه مع شقيقته. الوحدة، ولا غرو، أسهمت بتأجيج نار بطلة قصتنا. ولو أنها أقلّ ضجراً وملالة، لتحتم عليها اليقين بأنها تشغل نفسها بشتى الأفكار، هرباً من طيفٍ امرأة أخرى؛ طيف، وَضَحَ لها ملامحه عقب سهرة عيد ميلادها الأخير.