العراق وقراءة في أحداث قادمة ح2

عباس علي العلي
2018 / 2 / 26

ح2
بعد هذا العرض الموجز والمختصر للفترة التي سبقت الأستحقاق الأنتخابي والتي كانت على ما تبدو أكثر تعقيدا مما يقرأ الكثيرون من واقع، مفاده أن النظام والدولة السياسية في العراق كانت على شفا التلاشي والتقسيم والفشل برغم كل ما يقال عن دعم دولي ومحلي وقررات أممية فيما يخص الحفاظ على وحدة وسيادة العراق، وحرص الكثير من القوى الفاعلة على بقاء الحال على ما هو عليه، ليس حبا بالعراق وطمعا في أستقراره ولكن لغياب الضمانات الحقيقية والمؤكدة التي تبشرهم بحصة وافية ومجزية من الأقليم العراقي جغرافيا وأقتصاديا وأستراتيجيا دون أن تضطر لدفع ثمن أغلى منه، فتركيا وأطماعها المعلنة من شمال بغداد تقريبا إلة غربه بالكامل، وإيران لا تخفي دعواتها بالمطالبة بقضايا تاريخية وأخرى نتيجة مترتبات حرب السنين الثمان أضافة إلى سيطرتها الفعلية على المدن المقدسة العراقية والمدن الحدودية وتقريبا جزء مهم من الأقتصاد العراقي، حتى الكويت المشيخة التي ما زال العراقيون يعتبرونها القضاء السليب حصلت مغانم ولها أطماع بمساحات قد تكون ضعف ما تملكه حاليا من أراضي.
هذه الحالة لا تعبر بالضرورة عن نجاح حقيقي للنظام السياسي وحركته بقدر ما تكشف عن حالة مؤجلة بأنتظار تحولات وتبدلات دولية وأقليمة البعض منها متوقع والبعض الأخر تسعى جهات وواجهات محلية ودولية على خلقها لتكون ضمن الأطار العام المتوقع، بنفس الوقت هناك شعور وطني عام عند الكثيرين في العراق بأن البقاء في ظل هذا الوضع برغم سلبياته ونكباته أفضل من المرسوم والمخطط له، لذا فحالة الجمود والبقاء في الصورة الراهنة هي بالأساس نتاج تفاعلات المصالح الدولية بلحاظ الجو العام الشعبي وليس قرارا سياديا محضا، فحتى توقيت موعد الأنتخابات وأصرار الكثير من القوى السياسية على تحديده برغم كل المخاوف الحقيقية والهواجس المؤكدة من أن النتائج ستكون أستنساخ للتجارب الفاشلة السابقة، تبدو أكثر إلتصاقا بالنتيجة السابقة وتوكيدا لها، أما منطقيا وعقليا وسياسيا حقيقيا كان لا بد من أجراء مراجعة نقدية لكل التجربة السابقة والتركيز على أسباب الفشل وعلاته، ثم التحول بعد ذلك لإعادة صياغة ما يمكن أن يساهم فعلا في تعزيز بناء المجتمع العراقي وبنيته من خلاصة التجربة النقدية وتأطيرها برؤية وطنية خالصة.
المهم الآن نحن أمام أستحقاق فرضته الظروف وساعدت قيم السلطة ومعطيات الواقع على بلورته بما فيه وما عليه، لذا علينا أن نخرج من دائرة التنظير والبحث عن أفق من بين أطلال الركام الراهن على المستويين الأجتماعي والسياسي، وبالنظر لأن العملية السياسية القادمة قد رسمت ملامحها قبل أن تبتدئ وقبل حتى المباشرة في تكوين صور اللاعبين فيها، لكن المقدمات والمعطيات التي بين أيدينا تشير إلى حراك ترقيعي لا يسمن ولا يغني عن جوع، فالنظام السياسي مصمم وفق أليات دستورية وواقعية يراد لها أن تبقي الحال كما هو عليه دون تغيير جذري مهم، والقوى التي تتحرك بالساحة وتنشط هي ذاتها أدوات التحريف والتزيف والفساد مع قليلا من تغيير شكلي في الواجهات والعناوين، فحتى الأصوات التي تنادي بالإصلاح والمدنية الديمقراطية الحقيقية وجدت نفسها ضمن هذه الهيكلية مجبرة على لعب نفس اللعبة وبذات الشروط، فهل تكفي النوايا الحسنة أن تمنح المجتمع تغييرا حقيقيا بغياب إرادة جماهيرية عامة في ذلك.
لقد نجحت القوى المهيمنة على الواقع العراقي بمختلف أطيافه ومكوناته في أعادة أنتاج نفسها وأعادة منهجها الإقصائي المخالف لأبسط مبادئ العدالة وحقوق الإنسان، في غياب سلطة قضائية محايدة ونزيهة تحاسب وتقصي وتفرز بين ما هو عادل وبين ما هو خلاف العدالة الأجتماعية المفترضة في مرحلة التغيير والتجديد، فوجود قانون العدالة والمسائلة ومن قبله قانون أجتثاث البعث بالرغم من أنهما مشرعان دستوريا، لكن هذا لا يكفي لفرض أنهما يمتلكان المشروعية الإنسانية التي تنادي بها الديمقراطية والمدنية، فكل فكر لا يمكن تجريمه نتيجة أخطاء قادة أو نتيجة خطأ وخطيئة تجربة طالما أن المسؤولية تبقى فردية وعلى عاتق من تعاطى بها، أما أن تحرم الإنسان بسبب أفكاره ومعتقداته السياسية بدون جريرة أو جريمة يمكن أن نطبق عليها ما يعرف بالمسؤولية الجنائية تبقى عار ووصمة فشل في جبين النظام والمؤسسة التشريعية والسياسية التي تبنت وشرعت مثل هذه القوانين، من الحق الأساسي لكل من يحمل هوية المواطنة وليست متهما ولا مدانا بجريمة شخصية أرتكبها بأختيار وإرادة أن يكون جزءا من العملية السياسية وفاعلا في حق تقرير المصير، لا سيما أن عناصر السلطة اليوم فيهم الكثير من يقع تحت وصف الإلات من القانون والمحاسبة وهم من يروج للإقصاء الوطني عن شريحة مهمة من الشعب حرمها الدستور والقانون من حق المواطنة الأساسي.
لقد مر العراق بوضع أستثنائي ومربك ولا خلاف في ذلك نتيجة عملية التغيير بالقوة التي مارستها قوى الأحتلال الأمريكي، وكان في البعض من القرارات التي طرحت وطبقت في حينها شيء من المشروعية الدستورية والوطنية نتيجة الخوف من التداخلات والتسلل إلى بناء العملية السياسية الجديدة في ظل ما يعرف بالعدالة الأنتقالية، أما أن تصبح قاعدة دستورية وقانونية مقدسة لا يمكن تجاوزها أو حتى التفكير في تطبيق قواعد العدالة الطبيعية بعد مرور خمسة عشر عاما على التجربة الجديدة، وتصفية معظم ركائز وقوى النظام القديم وتلاشي خطر عودة النهج الديكتاتوري الفردي، فإنها تكشف عن حالة معوجة ولا إنسانية طالما أن التجربة والوعي والخيار الديمقراطي هو الذي يجب أن يفرز الواقع بكل شفافية وإرادة حرة، ولكن فشل المرحلة برمتها وعدم قدرتها على معالجة الواقع وفقا لما يجب أن يكون العمل الديمقراطي، دفع القوى المهيمنة والتي لا تملك لليوم مشروعا وطنيا جامعا وناجحا في أعادة بناء العراق دولة ومجتمع هي التي تدفع إلى التشبت بمثل هذه التشريعات والقوانين الجائرة.
إن المضي في النهج الإقصائي المطبق حاليا ومنهج الفرادة والديكتاتورية الطائفية والعرقية لا يمكن أبدا أن ينتج لنا واقع مستقر وأمين يستطيع من خلاله الفرد والمجتمع في المضي بعملة البناء وأعادة الأعمار وتجديد قواعد العمل السياسي، ولا حتى يمكن أن نتأمل على المدى المنظر أن تبرز قوى وطنية ديمقراطية حرة تعبر عن روح المجتمع ووحدته الشاملة ونبقى في دوامة أثار الماضي المتراكم وحصيلة العنف والعنف المتبادل مع ضعف السلطة الحاكمة وعدم قدرتها على التصدي لأهم وأخطر الأستحقاقات الوطنية ألا وهي أعادة الأعتبار للشعور الوطني الجامع ومنع التدخلات الإقليمية والدولية في الشأن العراقي، وما يجر ذلك إلى تهميش معاني السيادة والأستقلال الوطني.
وقبل الدخول في ما يمكن أن نتصوره ونستقرئه من نتائج العملية الأنتخابية وما نتوقعه لها لا بد لنا أن نقرأ الواقع العراقي بإشكالياته الراهنة والمتراكمة بكل دقة، حتى ننجح في أستحضار الصورة القادمة وتداعياتها على الواقع القادم، وهنا لا بد لي أن أسجل نقطة شديدة الحساسية في هذا الموضوع وهي أن الوعي الجمعي وبرغم تكرار التجربة الأنتخابية مرات، ما زال أسير الطروحات القديمة ولم يتغير ولم يتبدل ويتحرك خطوة للأمام في أتجاه تبني خيارات الأصلح والأكثر قربا لمصالح الجماهير لأسباب عديدة، أهمها تحالف السلطة الراهنة بكل سلبياتها وفشلها الدائم مع المؤسسة التي جذرت من وجودها بين الناس مستغلة التناقضات الوطنية ومنهج الإقصاء لتكون صاحبة الكلمة الفصل في توجيه إرادة الناخب، والغريب أنها فعلا قادرة على التجييش والسيطرة على الوعي العام مع أنها لم تقدم أي شيء يذكر في تعزيز الأنتماء الوطني أو العمل على إصلاح أجتماعي شامل منتظرا منها نتيجة موقعها ووظيفتها في البنيان الأجتماعي العراقي.