المثقف أمام تحديات الواقع والمسؤولية الفكرية

عباس علي العلي
2018 / 2 / 26


عندما يتم تداول الحديث عن دور المثقف النخبوي أو حتى المثقف العادي ومسؤوليته الأجتماعية المفترضة في التغيير وقيادة المجتمع، الكل يحمل هذا المثقف ما ألت إليه الأوضاع من تدهور وأنحطاط ويتهمه بالتقصير والعجز والجبن أحيانا دون أن يمنح حق الدفاع عن نفسه أو عن تلك الأسباب والعلل التي تحبط عمله ومشروعه الفكري والحضاري، وأظن أن هذا المتحدث نفسه لم يفعل شيئا ملموسا ومحددا تجاه دوره الأساسي في الحياة وكأنه غير معني بكل ما يدور فهو ينتظر من الأخر ولا يمكنه المبادرة أو الفعل الذاتي، فهو في الغالب يعيش حياته الخاصة بكل أريحية متجنبا المخاطر والإشكاليات التي يعانيها المثقف المدان من قبله في مواجهة المجتمع والسلطة، وحتى دون أن يقدم أي مساندة حقيقية للمثقف المتهم من قبله أو يقف معه في تلك المواجهة والصراع، وكأن الأخير يملك القوة والقدرة والطاقة التي لا يملكها هو.
حقيقة أن المثقف الحقيقي ليس أكثر من مجرد عقل فاعل وتفكير لا بد أن يؤثر ويتأثر بما حوله ويعاني بحساسية من كل ما يدور من حوله ليجيب أو ليجترح أجوبة وحلول تتفق مع معطيات تفكيره ونشئته وما يفرضه الواقع عليه من ألتزامات أو حدود مسموحة أو ممنوعة، التفكير والعقل وهما بحاجة دوما إلى المزيد من الأسباب الساندة والأسباب تضمن لهما البقاء في المواجهة حتى يكون قادرا على أن يعطي ويمنح خلاصة تجربته أو ما يمكنه أن يصنع وعيا عاما لدى الجمهور المجتمعي، فهو لا يحتاج إلى إدانات تذكره بالمسؤولية ولا يحتاج إلى تذكير بالواجب والمفترض فيه كحامل للوعي وخالق له وصانع لفرصة التغيير، الكثير من المثقفين الذين تصدوا للواقع نراهم اليوم في الدرك الأسفل من العوز والحاجة والمعاناة نتيجة الصراع ونتيجة عدم وجود الداعم الأجتماعي له، وهم أيضا أكثر الفئات تضررا من واقع تفرض فيه قوانين منحرفة وتهميشية حادة كي يغيب الوعي الجمعي عن الفعل الخلاق وتنتصر إرادة السلطوي بكل ما تحمل من أبعاد قسرية محبطة لعمل ولفكره ودوره الإنساني ما عدا ما يعرف بمثقفي السلطة وأبواقها الرخيصة.
من التجربة ومن قراءة الواقع المحلي أو الإنساني عموما وفي حالات كثيرة تحدث في المجتمعات التي تشهد تحولات وتغيرات جذرية محكومة بالحتمية الفعلية وقوانين الصراع الأجتماعي نجد تغيبا حقيقيا للمثقف ولدوره بالرغم مما أسسه وصنعه بنضاله الخاص، وقد يكون هذا الفعل النضالي هو الأساس والمحور في التغيير، الضحية دوما هو دور الطبقة المثقفة ورموزها من كل العناوين في ظل الخلط والتشويش الذي يحدث في مرحلة التحول والقراءات المتسرعة والسطحية لما جرى وما يجري، النخبة الثقافية والتي دفعت عمرها وجهدها على مدى سنين بل وأجيال من أجل خلق نهضة أجتماعية حقيقية تتحقق في لحظتها التاريخية أول المسحوقين وأول من تنسى جهودهم الفكرية في صنع التحولات الكبرى لصالح فرسان وأمراء اللحظة.
في مثل هذه الحالات هناك شواهد وأمثلة عديدة حين يستبدل الوعي الثوري للجماهير والمجتمع عموما المؤسس الحقيقي لمرحلة التغير لصالح واجهات وأفراد وقوى أفرزتها الأحداث أو نتائج المواجهة التي خاضها المثقف منذ زمن طويل، متناسين أن الفعل التغييري ليس وليد لحظة إنفعالية غالبا بل هي تراكم وأمتداد وبناء متواصل، أما النتائج فهي أما أن تون حتمية تأريخية أو نتيجة إنسداد لمرحلة وموتها بحيث لا يمكن لأحد إنعاشها أو مد الحياة فيها، هنا يقفز للواجهة حدث أو شخص يركب فعل موجة الأحداث وتجير ما بعدها له أو لها على أنها فعل شخصي ملتصق به أو أنه الضرورة التي كان ينتظرها المجتمع والزمن ليعلن ولادة حقيقية لمرحلة مستجدة، فيكون هو المفتاح الرمزي الذي أرتبط وجوده بتلك اللحظة التأريخية وله أن يحيل كل نتائج الصراع الداخلي في المجتمع والمواجهات التي قادتها النخب الفكرية والثقافية إلى رصيده الشخصي وأعتبارها أمرا هامشيا ليس بالقدر الموازي لحضوره الذاتي المشخصن، فينسب له كل ما حدث وكل ما جرى وكأنه الصانع والخالق لهذه التحولات الأجتماعية العميقة لأنه ضروريا أو لأنه الفاعل الحقيقي لها.
هذه المفارقة لم تكن نتيجة واقع بقدر ما هي نتيجة ظروف لم ينجح المجتمع فيها بالتفريق بين الفعل الحضاري الثقافي الفكري وبين نتائجه التي أفرزت واقع حرج قد ينجح أخرون في إشعال لهيب تفجره في لحظة ما، فيذهب دور المفكرين والمثقفين وصناع التغيير في ظل هذا الحدث أو الشخص تغييبا وتجاوزا على الواقع كما هو واقع، ومن الأمثلة العملية والقريبة هو ما حدث فعلا في إيران أبان سقوط الشاه الذي كانت مرحلته قد أدركت عجزها وشيخوخيتها الحتمية بفعل نضالات وأفكار طبقة من المثقفين والمفكرين والأكاديمين الذي خاضوا نضالا طويلا وصراعا مع مع نظام مستبد وديكتاتوري مهمين على المقدرات ومتحالف مع قوى يخدمها وتخدمة في عملية تخادم أنتهت ولا بد من التغيير، هذا النضال الطويل غطته شخصية رجل الدين الذي تواجد في ذات اللحظة التأريخية ليعلن ولادة ثورة بعنوان ما والحقيقة أن الثورة كانت وليدة واقع وحتم فكري وأجتماعي سابق، فولدت هذه اللحظة التأريخية بداية مرحلة قد لا تخلف من حيث جوهرها وأسسها عند المثقف الإيراني عن سابقتها بل تعد أكثر مدعاة للنضال والجهد والإبداع الفكري، مرحلة تاريخية أنتهى بها عصر الجنرالات والعسكرياتية القمعية إلى عصر العمامة المقصية والمتفردة في صنع رؤيتها المتزمتة والأحادية وهي تملك من التقديس والعظمة التي صنعها كهنوتها ومفكريها باسم الجلالة والدين والعامل الروحي الفردي والجمعي، ليعلن المثقف والمفكر الأجتماعي عن عودته ثانية للنضال والعمل من أجل أعادة تصحيح مسارات تم سرقتها أو نسبتها لغير فاعلها الحقيقي.
حتى في المجتمعات الأوربية الشرقية وأيضا في دول الأتحاد السوفيتي سابقا والتي تفكك نتيجة عوامل صراع داخلي وخارجي أدت إلى إنهيار منظمات حكومية شمولية قاسية وبروز ظاهرة القادة المتمردين مثل ليش فالسيا وغيره، لم يكن التغيير مرتبطا أساسا بهذه الشخصيات وأمثالها بقدر ما هو مرتبط بنضالات المفكرين والمثقفين عبر عقود من الزمن وصراع داخلي أمتد من المفاصل الدقيقة وصولا إلى القضايا العامة، والتي شكلت لاحقا ما يعرف بالتناقض والتناشز المجتمعي بين السلطة والمجتمع، هنا برز قادة التحول وغاب صناعه عن الواجهة وجيرت النتيجة لصالح الأول ويبقى المثقف الحقيق هو الجندي المجهول دوما في عمليات التغيير والتحول، وتغيب الحقيقة في ظل سرد بطولات شخصية وفردية طغت بحضورها على أساس التغيير والتحول.
المثقف كان دوما الضحية وكان دوما هو الفاعل المجهول الذي يصنع الفرصة التاريخية للمحظوظ الذي تضعه الأقدار أمامها وفي لحظتها الحرجة، ليكون الواجهة وفي الواجهة ليتبوأ مكانة البطل القومي والأجتماعي المعلن، دون أن يتحمل عبء النضال والمعاناة اليومية التي تحملها بمسؤولية المثقف وهو ينحت في صخرة الوعي وليشعل صراعا بين الفكر والسلطة، صراع من أجل الرقي والتطور حق الإنسان أن يكون صانعا وخالقا للحياة التي يختارها بحرية وعدل وسلام، إن ركوب الموجة والأستيلاء على المنجز الحضاري للمثقف والنخبة الفكرية هو أيضا شكلا من أشكال الأدانة التي يساهم فيها البعض ضد المثقف وضد الثقافة والفكر عموما لغياب الرؤية الحقيقية لديه، ومحاولة قراءة السطح دون الولوج في أساسيات التغير وأسبابة وضرورات التحول وعلاته، ويبقة المثقف وخاصة في المجتمعات الغير مدركة لقيمة العقل والفكر هو الضحية التي تجلد يوميا لصالح السلطة ولصالح أشخاص وأهداف ثانوية فرضتها الظروف ولم تنتجها أصلا عملية التحول والتجديد الذاتي المجتمعي.