الإغراق في رواية -العين المعتمة- زكريا محمد

رائد الحواري
2018 / 2 / 25

الإغراق في رواية
"العين المعتمة"
زكريا محمد
قبل حاولي عشرين عاما قرأنا هذه الرواية في ملتقى بلاطة الثقافي، وما أذكره: ولا أحدا منا استطاع أن يدخل إلى عمق الرواية باستثناء "عباس دويكات" الذي تحدث عن رمزية رقم ثلاث والذي يشير إلى نجمة داود، والآن حاولت أن اتقدم من الرواية مرة أخرى، فوجدتها غارقة في الرمز والفانتازيا، فمن المشاهد المغلقة هذا المشهد:
"حول نفسه إلى ظل، مشى كظل وصار يراقب جسده الذي يتبعه، ...قال أن الجسد والظل أخوان من دون رحم واحد، وقال إننا ننقسم إلى أثنين، والثاني أشد صلابة من الأول" ص27و28، هذا ما حدث مع إبراهيم المؤذن، فنجد حدث مقفل تماما ويحتاج إلى أشعة ليزر لنستطيع أن نفهم أو نستوعب هذا الحدث.
وهناك مشهد أخر غارق في الفانتازيا "صار يحلم في الليل أن له ثديين كثديي زوجته، وأن أبنته ترضع منهما باسمة" ص34، وهذا ما كان "وفيما بعد تبين أن الحلم لم يكن حلما، فقد عمل جسده بالرغبة الهائلة التي بثها على التحول إلى جسد أنثى...أن الإنسان قادر على التحول من ذكر ومن أنثى إلى ذكر بالرغبة وحدها" ص35، مشهد لا يمكن أن ندخل إليه من أي منطق أو نجد له تفسير، لا بالعقل وإلى بما هو ما فوق العقل، خاصة إذا علمنا أن هذا الرجل المتحول ترك زوجته وكأنها نعجة ولدت له فتركها دون أي إحساس بالذنب أو شعور بالإثم "لم يكن لأم بلقيس من دور، كان وجودها زائد عن الحاجة، وقد فهمت هي ذلك فرحلت ذات صباح دون أن يحس بها أحد" ص36، وإذا ما أخذنا مكانة الأم وحضورها في وجدان الراوي أو الشخصية الروائية فلن نجد لهذا الحدث أي منطق أو تحليل يدخلنا بشكل سليم إلى الفكرة التي أرادها الراوي.
وعندما يستخدم الرقم الثلاثة والذي تكرر بشكل كبير في الرواية:
"قطقط ماو
قطقط ماو
قطقط ماو
صرخة ثلاث صرخات مفاجئة" ص23، لن نستطيع أن نربطها بأي شيء، ورغم علمنا الرقم ثلاثة مقدس مع الرقم سبعة، ومع هذا يفلت من بين أيدينا ولا نستطيع أن نربطه بشيء، وإن ربطناه بالضباع أو البومة فهو ربط شكلي، بمعنى لا يفيدنا في الدخول إلى الرواية.
"وفي الليل حملت وردة الأباريق وذهبت إلى العين النزازة، ذهبت وعادت ثلاث مرات" ص81، كانت هذه تماثيل بشير الأعور الذي اغتصبته الغولة عنوة وأخذته إلى الأعماق ليعود بعد ثلاث سنين" ص82، وهناك العديد من النماذج على هذه الشاكلة، لكنها أيضا كانت مقفلة وكأن تكرار رقم ثلاث شيء من المتعة عند الراوي، ولا يوجد شيء فيه أو يوحي إلى شيء، فهو يستخدم في أحداث الشر وأحداث الخير ودون أن يترك للمتلقي أي فجوة يستطيع ان يفهم أو يدخل إلى الهدف/الفكرة التي قصد.
من هنا نقول من حق أي كاتب أن يكتب ما يريد، لكن من حقنا عليه أن يكون هنا شيء/اشارة تمكن القارئ من أخذ أي شيء مما يقرأ، المتعة، الفكرة، لكننا لم نأخذ من الرواية إلا قتامة سوداء وطلاسم أشبه بتلك التي يكتبها (السحرة)، وإذا ما استثنينا اللغة الجميلة التي جاءت في الرواية نكون أمام نص غارق في السواد والعتمة والطلاسم ويزيدنا كآبة.
الرواية من منشورات وزارة الثقافة، عمان، الأردن، الطبعة الأولى 1996