العراق وقراءة في أحداث قادمة ح1

عباس علي العلي
2018 / 2 / 25

لعل من المفيد دوما التطلع إلى أمام وبروح عملية يسودها نوعا من الأمل بأن في النهاية سيجلس الجميع للبحث عن مصير مشترك في ظل عراق واحد معافى من جروح الماضي التي تتركز على عنصري الإرهاب والتخلف، ولا بد أيضا أن لا نستغرق كثيرا في الأحلام والأمال حتى لا نضيع وسط تقديرات غير موضوعية قد تزيدمن حالة التشويش والضبابية الني عليها الغالب ممن عملوا في السياسة أو من عامة الناس، المهم بالأمر أن نعمل وفق رؤى حيادية ذات معطيات حقيقية ومنهج علمي يأخذ الحالة في عموميتها وخصوصيتها ويضعها موضع البحث والدراسة ومحاولة أستنطاق ما يقوله المستقبل وفقا لما بين أيدينا والمتأمل وأحتمالات الحركة العامة من حولنا تأثيرا وتأثرا.
العراق وتحديدا منذ أشهر وخاصة بعد هزيمة داعش يواجه سلسلة من التحديات المصيرية منها ما يتعلق بالمحتمات التي خلفتها مرحلة داعش مث أعادة بناء المدن المدمرة وأعادة المهجرين ومعالجة مشكلة التناشز المجتمعي داخل المناطق التي أحتضنت وأوت داعش، فضلا عن المشاكل النفسية والفكرية التي خلفها المنهج التكفيري على فئات محددة من المجتمع وخاصة الأطفال والنساء وما تعرضوا له من عوامل التجريد والتخريب النفسي والخوف والقلق من المستقبل، هذا وحده يعد حملا ثقيلا على نظام سياسي مستقر فكيف والحال بنظام يتصارع فيه الكل ضد الكل دون أهداف عليا تجمع العاملين فيه على مشتركات وأولويات محددة، في وسط هذا التخبط والحيرة جاءت مبادرة إقليم كردستان في أجراء الأستفتاء الخاص بالإستقلال وفي تحديد موعده وافصرار عليه حتى خارج ما هو دستوري ومناسب على الأقل مناقشته في ظروف الطوارئ، وما أعقب ذلك من تدخل السلطة الأتحادية في فرض واقع مخالف للتوجهات الكردية مما أحدث إرباكا أضافيا في المشهد السياسي العام، ما زال الجميع يعاني من أثاره وتداعياته خاصة على مستوى الطبقات الشعبية والفقيرة في العراق.
العامل الثالث الذي ألقى بظلاله على المشهد هو الأستحقاقات الأنتخابية سواء المحلية منها أو البرلمانية في هذا الوقت الذي يحتاج فيه المواطن إلى شيء من الوضوح وبيان الرؤية قبل الإقرار في المشاركة وتوجيهها نحو خيار التغيير والتجديد وأعادة البناء والتصحيح في أسس العملية السياسية بمتها، فهناك أصوات جادة وحقيقية كانت تركز في مطالبتها على تأجيل الأنتخابات ولو بقرار تشريعي يعدل من الأس الدستورية لفسح المجال أولا لعودة النازحين والمشردين إلى قراهم ومدنهم أولا من داخل وخارج العراق، وثانيا الأتفاق على أسس جديدة للعملية السياسية التي قادت هي بنفسها إلى واقع لا يشعر فيه العراقيون أنهم أصحاب إرادة وقرار في تحديد مصيرهم، لذا فكان المطلوب أن يكون هناك أجماع أو شبه أجماع على رؤية وطنية حقيقية تعيد النظر بكل شكلية وجوهر النظام السياسي بما فيه ما يعرف بالمصالحة الوطنية وقانون أنتخاب عصري وتحييد المفوضية العليا للأنتخابات عن الميول والأتجاهات السياسية والحزبية وما يعرف بالمحاصصة.
أضف إلى ذلك أن هناك عامل حاسم ومؤثر شارك في تشكيل المشهد السياسي العراقي من ضمن مشهد إقليمي ودولي عام لكنه ألقى بثقله وبظلاله على الواقع العراقي نتيجة تراكم عوامل سلبية ومضرة وهدامه عليه، وهو أنخفاض أسعار النفط العالمية مع بدء عمليات التصدي للإرهاب وخوضها على الأرض وما تحتاجه المعركة من تكاليف ودعم وأسناد أساسي يتمثل في القدرة المالية على تلبية متطلبات حرب ستستمر على أقل تقدير من ثلاثة إلى خمسة سنوات مع ما يرافقها من خسائر في البنية التحتية وفي المشاءات والأسلحة والرواتب وعمليات دعم وأنقاذ الهاربين والمهجرين من ساحة العمل القتالي، كان هذا العامل ضاغطا ومؤثرا وترك القيادة العسكرية والسياسية في مجال مناورة ضيق الأفق والتحرك مما قلل من فرصة تحقيق الأنتصار العسكري الحاسم في أسرع وقت وأقل تكلفة.
وأيضا هناك عامل مهم وأساسي رافق المعركة مع داعش وما أرتبط بها من جهد دولي وأقليمي معلن بعنوان مكافحة الإرهاب، بين أطراف دولية لها رؤية وأساسيات تعمل على تحقيقها وبين قوى أقليمية تعمل وفق مصالحها وأستراتيجياتها الخاصة وحفاظا على أمنها القومي، وفي ذات الوقت الطرفان يقودان صراعا حادا بينهما وعلى ملعب المنطقة ومن ضمنها العراق، هذا التناقض وصل حد المواجهة أحيانا وأحيانا وصل إلى مرحلة عض الأصابع مما قلل من قدرة كل الجهود الدولية والإقليمية في أن تنجح في أخلاء الساحة من الإرهابيين وأطفاء الحرائق في الأرض العراقية، من الطبيعي أن كل عنصر من هذه العناصر كان له أمتدادات وتأثيرات واقعية في الساحة العراقية التي خاضت فيما بينها صراعا بالنيابة، مما عرقل وشتت الجهد الوطني لأنجاز عمليات التحرير وأعادة توحيد الموقف العراقي الداخلي أولا معتمدا على المصلحة القومية العراقية الكبرى.
مع كل هذا كان على النظام السياسي أن يعالج مشكلة مزمنة تراكمت على مدى سنوات وعقود من عدم أستقرار ووضوح في علاقاته المحلية والأقليمية والدولية، وفي ظل نزاع وصراع وتنافس شديد بين قوى ترتبط وبالنظام السياسي بعلاقات متعددة برغم تناقضاتها المعلنة، هذا الواقع أضاف مهمة صعبة وحاسسة ودقيقية على الحكومة والنظام الساسي فهي لا تستطيع الوقوف في الحياد في هذا الصراع لأرتباطتها الواقعية والجذورية أصلا، ولا يمكنها حسم الأنحياز لجهة معينة لأنها ستدفع الثمن مضاعفا وهي تعرف أن وجودها هو مجرد نتيجة توازنات وقرارات أستثنائية دارت في الخفاء بين المتصارعين، وليست وليدة قرار عراقي حر ومستقبل، هذا الموقف المحرج كان سببا مباشرا في تدخل أطراف وقوى خارجية فيالشأن العراقي والعبث بمصالحه وأمنه القومي وهي تعلم أنها سوف لن تجد ما يمنعها أو يعيقها من فعل ذلك.
بين مجموع تلك المشاكل والإشكاليات جرت الأمور في العراق بسلسلة من التعقيدات والمراهنات والحلول الترقيعية أفضت أخيرا إلى سوداوية الواقع الراهن، وما يحمله من أفتراض نتائج ومخارج حقيقية كلها تشير إلى أستمرار التعثر والتخبط بغياب رسم أستراتيجية وطنية موحدة تقود البلد والنظام السياسي فيه إلى شاطي الأمان والأستقرار، وأصبح للصوت المعارض الشعبي وخاصة المدني الذي يشعر أن العراق يتجه سريعا نحو أحتمالات أقلها ضررا أن سيكون تحت رحمة الفاسدين والمفسدين مرة أخرى ولفترة قد تمتد إلى حين غير منظور، كان على النظام السياسي الحالي والذي أنخرط في العمل الديمقراطي نتيجة تداعيات الأحتلال الأمريكي ونتائجه أن لا يعيد أنتاج نفسه مرة أخرى مستعينا بكل الأصوات المعارضة والمنتقده له، بل كان الواجب أن يخوض غمار تجربة التجديد والتحديث وبناء شكل أخر للجوهرية السياسية التي تحكمه، وخاصة أن كل أطراف العملية السياسية برمتها تنادي ولو علنا بمحاربة الفساد والمحاصصة وضرورة الأحتكام للدستور وبناء عراق جديد.