قراءة جديدة في القضية الفلسطينية(2) دعوة لإعادة و (إحياء ) القضية الفلسطينية

فتحي علي رشيد
2018 / 2 / 24

من المؤكد أنه عندما تلوك الألسن سمعة ليلى (فلسطين ) كما يحب ان يسميها محمود عباس وهويردح :الكل كان يدعي حب ليلى ووصل ليلى ,ولهذا فإن كل من ادعى "وهم كثر" حبه لها ووصلها قد أساء إليها ولطخ سمعتها.
لكنه نسي كما جاء على لسان ليلى في الأشعار التي كتبها أحمد شوقي وهي تعاتب قيس ( محمود وكل من أدعى حبه لها (1) ) أن أشعاره التي جاوزت البيد إلى الحضر هي التي أساءت ليلى ولطخت سمعتها ومرغتها بالوحل .
وهو ما يجعلنا نؤكد على أن من أساء إلى ليلى (فلسطين ) وأبعد الناس عنها كان عاشقها نفسه , وكل من أدعى أنه الممثل الشرعي والوحيد (الحبيب الوحيد ليلى وصاحب ليلى ) والذي يحق له وحده (كما قال محمود) أن يبيع ويشتري ويتاجر بليلى كما يشاء " بعدأن خرجنا من الجغرافيا السياسية أصبح بإمكاننا اتخاذ القرارات المصيرية ( أي ان نبيع ونشتري بليلى ) ولاأحدغيرنا .ونحن وحدنا كفلسطينيين كلنا فلسطين ونحن من يقرر كل مايتعلق بفلسطين , ولانأخذ تعليماتنا من أحد" .ولهذا نذكرالقيسيين ونسألهم : إذا كنتم تحبون فلسطين وتتعلقون بفلسطين إلى تلك الدرجة فلماذا تركتم منذ عام 1968 إلى عام 1971 الأغوار ( أغوار نهر الأردن المحاذية لفلسطين ) واستقريتم بعيدا عن ليلى في عمان ؟ ولماذا تركتم جنوب لبنان واستقريتم في بيروت ؟ ولماذا قاتلتم الأردنيين واللبنانيين والسوريين وأخوانكم الفلسطينيين الذين يدعون حب فلسطين بقدر ما قاتلتم من اغتصب ليلى ؟ لماذا تركتم كل الأراضي المحيطة بفلسطين وذهبتم بعيدا إلى اليمن والجزائر وتونس ؟ ألم تكونوا بتصرفاتكم وسياستكم تلك قد أسأتم إلى من تدعون حبها ووصلها ؟ (2)
من المؤكد أن أية قضية عندما تتلاعب بها قوى وأيدي عديدة ,وعندما تلوكها وتتآمر عليها القوى والألسن القريبة والبعيدة , الصديقة والعدوة ومابينهما ,و لمدة طويلة فإن قوتها وفعاليتها سوف تضعف ورونقها لابد أن يخفت, بل يمكن أن تلفظ وتعد موضع إزعاج وضيق بل . وهذا للأسف ما ألم بالقضية الفلسطينية خلال السبعين عاما الماضية .
حيث بات كثيرين يعتبرونها عبئاً عليهم , حتى بات بعضهم يرفض سماع أي ذكر لها أو كلمة عنها . لكثرة من تاجروا وتغنوا بها واستغلوها واستعملوها لتمرير أهدافهم ومشاريعهم الخاصة , وبسبب كثرة الجرائم التي ارتكبت باسمها بسبب تصرفات قيادتهم الخاطئة في لبنان والاردن وسوريا والعراق ومصر والكويت ـ حتى باتت ممجوجة ( 3) .
ونحن هنا عندما ندعو لاحيائها , لا نقصد به وكـأننا نسعى لإحياء ميتا بل ندعو للعمل أولا على رفع الأيدي الغاشمة التي كانت وماتزال تمسك بخناقه بما يتيح له أن يتنفس ويعود لنشاطه وفعاليته .وبالطبع فإن مهمة كهذه عملت قوى عديدة سابقا ,وماتزال تعمل وستعمل على خنقها وتمويتها , لن تجد طريقها بسهولة لا للناس ولا لوسائل الإعلام .
لذلك يتوجب علينا بداية أن نعرف
ماهي القضية الفلسطينيية ؟
لاأبالغ إذا قلت استنادا لقراءاتي المتواضعة (4) : أن ما كتب ودار حول القضية الفلسطينية هو أكثر وأعقد مما نتصور . ولعلها القضية الوحيدة التي شغلت الإنسانية والعالم كله.
وبما أن للقضية كما سنبين ,عدة أبعاد منها ماهو تاريخي وماهو اقتصادي سياسي وعسكري , ومنها ماهو فكري ديني (لاهوتي وغيبي ) ,وماهو انساني حياتي عام .وبما أن لكل بعد جوانب عدة , قديمة و راهنة وحديثة ,يتضمن كل جانب من جوانبها بعدا محليا (وطنيا ) متداخلا مع بعد قومي يقع ضمن بعد إقليمي وعالمي .
وإن كنا سنتناول في هذا البحث البعد الوطني للقضية كونه يشكل أساسا للأبعاد الأخرى , فإننا نؤكد على أن كل من يسعى إلى التركيزعلى هذا البعد الوطني ويعزلة عن أبعاده الأخرى , و كل من يسعى إلى فرض أو تمريرأي حل وطني لقضية قومية ودينية وإنسانية . بالقول والادعاء أننا نحن أصحاب القضية , ونحن أدرى بها وبشعابها , أو بأننا كفلسطينيين أو كقيادة فلسطينية , كون العالم كله أعترف بها وبنا ـ وبشكل خاص أعداءنا ـ من خلال اعترافهم بالمنظمة كممثل للشعب الفلسطيني , وبالتالي فإنه يحق لهذه القيادة التي حققت ذلك الانجاز الهام ,أن تقرر لوحدها ماتراه مناسبا لحل عقدها الكثيرة .
ونقول لهؤلاء : إنكم بذلك تضحكون على انفسكم لا على غيركم . فالحل النهائي لن يكون لابيدكم ولابيد هذه القيادة ولابيد غيرها ولاحتى بيد هذا الجيل .وونسألكم لماذا سلمت رقبتكم للإدارة الأمريكية منذ عام 2005 , ولماذ اضطر محمود عباس كناطق وكممثل للمنظمة وللشعب الفلسطيني بعد أن صفعه ترامب إلى عقد عدة لقاءات مع كل من الملك عبد الله والسيسي , ولقاءات أخرى مع ممثلي جامعة الدول العربية والمؤتمر الإسلامي ؟ ولماذا دار على أوروبا وروسيا والصين وربما سيدور على الهند وفنزويلا والأمم المتحدة ؟ لو لم يكن لهذه التجمعات والدول دورفي إيجاد ووضع حل لهذه القضية ؟ ولو لم يكن أي حل لها سوف يمس تلك الدول بشكل ودرجة ما ؟
ومن هنا نستطيع أن نؤكد على عدة أمور .
أولا: إن كل من يتخذ من هذا الاعتراف الدولي بالمنظمة , وكل من يعتبره انتصارا عظيما له (يجب أن لانفرط به ) ,إنما يسعى لأن يتخذ من هذا الانتصار مبررا لكي ينفرد وحده بفرض أو طرح القرارات أو الحلول التي يرتئيها هو ومن حوله في اللجنة التنفيذية الموضوعة والمفروضة ( قلة محدودة ) بعيدا عن المجلس الوطني المغيب منذ حوالي ثلاثين عاما , أو عن المجلس التشريعي المنتهية صلاحيته وفعاليته ,وبعيدا عن القوى الفلسطينية الأخرى التي جرى تغييبها . و يسعى من وراء هذا التغييب والإنفراد إلى الالتفاف على القضية الأساسية ( الحقوق الثابتة وغير القابلة للتصرف للشعب العربي الفلسطيني ) ظانا أنه بعد أن نجح ومن معه من قطع جذورالقضية (صلتها بشعبها العربي الفلسطيني والشعوب العربية والإسلامية وشعوب العالم المتطلعة إلى الحرية كما سنبين ) .سيقدر على نسفها وتمويتها .
ونقول للسيد محمود عباس ( مهندس اتفاق أوسلو ) الذي قال في كلمة ألقاها أمام المجلس المركزي يوم 15/1 2018 , أنه حقق من وراء إتفاق أوسلوا ( الخياني كما همس هو نفسه ) إعتراف إسرائيل والعالم لأول مرة بوجود شعب اسمه شعب فلسطين من حيث أنه ان اعترف بالمنظمة ممثلة له ضمنا فأنه يتناسى عمدا أن العالم كله اعترف بهذا الشعب منذ أن صدر القرار 181 كونه أقر بإقامة دولتين واحدة لليهود وثانية لشعب اسمه الشعب العربي الفلسطيني . ونذكره بأن الاعتراف بفلسطين وشعبها موجود في وعد بلفور ( سيئ الذكر ) وفي صك الانتداب وفي وثائق ومكاتبات عصبة الأمم منذ عام 1922 .إلخ كما هو متجسد ماديا في القطع النقدية والمكاتبات المتصلة بالقضبة الفلسطينيية قبل وبعد قيام ماتسمى دولة إسرائيل . وهنا نؤكد له بأنه بقدر ما كان هذا الاعتراف مهما , فإن الأهم منه هو تجسيد هذا الاعتراف بالشعب , ماديا وفعليا على الأرض من خلال الاعتراف بحقوقه الثابتة وغير القابلة للتصرف , وفي مقدمتها حقه في العودة وتقرير المصيرعلى أرضه , وفي أن يكون له دولة مستقلة على أرضه التاريخية ,كباقي شعوب العالم . أما أن يتخذ السيد عباس من هذا الاعتراف بالمنظمة وبه قائدا لها , ذريعة لتجميل أو تثبيت اتفاق أوسلوا كي يستمر في مسيرة التسوية ( التصفية ) التي يظن أنه بها سوف ينهي القضية . فإننا كقوى فلسطينيية وعربية متمسكة بحقها لن نسمح له بذلك ونؤكد له بأن ذلك لن يحدث .
ثانيا : نذكر السيد محمود عباس ومن حوله أن التخفى خلف شعار الاستقلالية , والنضج والخروج من تحت الوصاية , بعد الخروج من الجغرافيا السياسية ( كما قال في كلمته أمام المجلس المركزي ) لن تمكنه من أن يخرح من التاريخ والأهم أن الاستقلالية لن تمكنه من الاستقلال والخروج والتملص من وعن الثوابت والروابط ولا على التجرد منها . ف "وحدانية التمثيل " لا تعني الانفراد كما فهم السيد عباس ولاتعني أنه بات حرا في اتخاذ القرارات المصيرية التي ستمس بالحقوق الأساسية وبحياة ومستقبل عشرة ملايين فلسطيني( اللاجئين ) مازالوا بدون هوية وبدون وطن دون سواهم من شعوب العالم . ولأن قضية هذا الشعب ترتبط ارتباطا وثيقا بالوضع العام للشعوب العربية والإسلامية الساعية للتحرر من الاستعمار والاستبداد , كذلك بشعوب العالم الأخرى المناضلة ضد الصهيونية والعنصرية .لذلك نقول له أنك ومن معك لاتضحكون بذلك علينا بل على أنفسكم . لأن الفلسطينيين الذين تسعى لأن تهدر حقوقهم ( عشرة ملايين لاجئ ) مهما طال الزمن سوف يستفيقوا وسوف يصحون ولن يقبلوا أن يظلوا مشردين وعالة على غيرهم , ولن يقبلوا التنازل عن حقوقهم , ولا بما تم فرضه عليهم وهم مغيبون .وكونهم يشكلون الأغلبية فسوف يسقطون كل ماسعيت أنت ومن خلفك على تمريره عليهم وهم غافلون . كما أن كثيرا من الشعوب والنخب العربية والإسلامية وشعوب العالم الحرة , لن تقبل بحل ـ تفرضه أنت وقلة من حولك ـ سوف يؤثر سلبا على حياتهم ومستقبلهم واستقلالهم وتطورأجيالهم القادمة .
ثالثا : لذلك نقول لكل من يسعى لأن يحصرحل هذه القضية الوطنية والعربية والإسلامية والعالمية بهذه القيادة فقط ,أو بفئة من الشعب الفلسطيني أو حتى به كله , لن يحقق أي نجاح فالتخاذل والتفريط بالحقوق الذي فرضته ظروف معينة لن تدوم والتخاذل والتفريط لن ينجح إلا لفترة قصيرة .لأن القضية ليست قضية فئة من الشعب الفلسطيني ولاقضية الجيل الحالي كله بل قضية جميع الأجيال القادمة وحتى الاجيال السابقة التي سوف تحيا مواقفها الأبية من جديد .
عودة لأساسيات وبديهيات البعد الوطني للقضية :
نتيجة لحرب عام 1948 جرت عملية تهجير واسعة لحوالي مليون فلسطيني كانوا يعيشون على أرض فلسطين التي رسمت حدودها عام 1923 في اتفاقية "بولية نوكامب " والتي يروق للبعض إطلاق مصطلح فلسطين التاريخيةعليها .وعلى إثر تلك الحرب قام على 78% من تلك البقعة من سوريا الجنوبية ( سوريا الطبيعية والتاريخية ) كيان عنصري يهودي أطلق عليه إسم دولة "إسرائيل " .
بما يعني أن القضية الفلسطينية في بعدها الوطني الضيق نتجت عنها مشكلتين الأولى : تجلت في تلك الكتلة الكبيرة من اللاجئين الفلسطيننين المشردين بعد أن طردوا أو هجروا أونزحوا من قراهم وبيوتهم وأقاموا في مناطق جديدة (بعد حربي عام 1948 أو 1967).إما في فلسطين المحتلة (إسرائيل ){حوالي 170 ألف أصبحوا حاليا مليونان ونيف },أو في الضفة الغربية وغزة ( كانوا حوالي نصف مليون أصبحوا اليوم ثلاثة ملايين في الضفة الغربية ,وحوالي مليونان في غزة ) والباقي هاجروا واستقروا في شرق الأردن ( حوالي 400ألف , الآن حوالي مليونان ) أوفي لبنان وسوريا ,( حوالي مليون وربع ) وقسم قليل منهم ذهب بعيدا إلى العراق ومصر وبقيةالبلدان العربية والأوروبية ( حاليا حوالي مليون) .
والثانية تجلت ب قيام كيان عنصري غريب عن فلسطين وعن المنطقة العربية ,سمي "إسرائيل " .وبما أن هذا الكيان مرتبط ارتباطا وثيقا بالأمبريالية والاستعمار والتسلط والعنصرية والعدوان وداعم للإستبداد . لذلك بات يشكل خطرا ليس على الشعب الفلسطيني وحده , بل على جميع الشعوب العربية وشعوب العالم كله .
بما يفهم منه أن أي حل جذري وشامل يجب أن يكون عادلا, وبصورة خاصة لجهة الشعب الذي طرد من أرضه وشرد في جميع أنحاء العالم وبات بلاجنسية أو هوية وطن .أي يتطلب إعادة الأمور إلى ماكانت عليه قبل النكبة أوعلى الأقل ـ إلى ماكانت عليه قبل صدور القرار 181 . أي يتطلب في أقل تقدير ( حسب الأعراف والقوانين الدولية وحقوق الإنسان ولما ينجم عن الحروب ) وعلى الأقل تقرير وتثبيت حق إعادة وعودة اللاجئين الفلسطينيين وأولادهم ووأحفادهم , الذين هجروا من قراهم وبيوتهم . إلى مناطق إقامتهم الأساسي, مع التعويض عليهم ماديا ,(أي ضرر مادي لحق بهم أو بأجسادهم وممتلكاتهم ) أو معنويا لحق بهم وأبنائهم وأحفادهم .استنادا لميثاق وقرارات الأمم المتحدة ,وميثاق ووثائق حقوق الانسان .فالحل الجذري والصحيح يتطلب إذن حل المشكلتين معا, وأي حل لواحدة دون الأخرى لن يكون إلا حلا مؤقتا لأنه سيكون على حساب طرف , مهما كان ضعيفا سيقوى مع الزمن , لذلك سيكون قابلا للإنفجار, وسيؤدي إلى نشوب حروب جديدة كما حصل سابقا .حروب سوف تؤثر على جميع شعوب العالم لذلك فلقد بات العالم كله معني بإيجاد حل صحيح وجذري لها . وهذاماعبر عنه كلا من محمد حسنين هيكل في كتابه الدي عنونه ب "سلام الأوهام " . ودينيس روس في كتابه "السلام المفقود " .
من إزالة إسرائيل إلى إزالة أثار العدوان :
لإزالة هذا الكيان طرح كثيرين شعار تحرير فلسطين من البحر إلى النهر . أما من وجدوا في التحرير والإزالة أمرا غير واقعي وغير ممكن في تلك الظروف ,فلقد رفعوا شعار العودة إلى فلسطين وتمسكوا به ؛الأمر الذي إذا ما تحقق أدى على المدى الطويل ( حسب رأيهم ) إلى إزالة هذا الكيان دون حرب .استنادا لفكرة " أن هدفنا هو استعادة حقوقنا المسلوبة (أكل العنب ,أو استعادة الكرم وليس قتل الناطور ) .وبما أن العودة كانت حسب رأي الطرف الآخر غير ممكنة دون التحريرلذلك ظلوا متمسكين بالتحريركطريق للعودة .وبما أن شقي العملية هما وجهان لمسألة واحدة ( وكما يقال لعملة واحدة ) .وكانا نتيجة لعمل واحد وحصلتا في وقت واحد , لذلك نقول وعلينا أن نعترف بذلك علنا , أن الحديث عن إمكانية تنفيذ أو تحقيق أي شق منهما بمعزل عن الآخر سيكون حديثا خياليا أو ضربا في الهواء .لذلك كان لابد للقوى المتآمرة من القيام بأعمال جديدة تضوع وتغيب المشكلة الأساسية , الناجمة عن كتلة هائلة من اللاجئين .من هنا كانت حرب وهزيمة حزيران , وطرح فكرة إزالة آثار العدوان .كخطوة التفافية واسعة لتضويع القضية الأساسية الأقدم .
وهنا لابد من التأكيد على أن من تخلى عن فكرة التحرير لم تكن القيادة الفلسطينية بل القيادات العربية ـ خاصة التي سمت نفسها تقدمية (في كل من مصر وسوريا بدعم من الاتحاد السوفيتي كونه كان يدعم تلك الأنظمة ) . فهم الذين طرحوا شعار إزالة أثار العدوان ,لتغييب أو طمس شعار الإزالة والتحرير , ومع ذلك لم يتخلى الكثيرون عن فكرة التحرير,كون إزالة آثار العدوان تتطلب تحرير تلك الأراضي التي جرى احتلالها, لكن تحريرها غيب فكرة تحرير فلسطين . وبعد حرب تشرين عام 1973 التي قالت الأنظمة العربية أنها قامت بها لتحرير تلك الأراضي المحتلة عام 1967, تبين أن فكرة الإزالة والتحرير غير ممكنة وغير مقبولة ـ على الأقل في الظروف العربية والدولية القائمة يومها .( مع أن امبراطوريات ودول أُزيلت من خارطة العالم في ظروف أخرى ) . لذلك فلقد طغت فكرة العودة واسترجاع الأرض من خلال المفاوضات على فكرة تحريرالأرض بما فيها تحرير فلسطين . وبما أن العودة إن تمت ستؤدي إلى إزالة إسرائيل من دون حرب , لذلك كان لابد للصهاينة وحماتهم وأدواتهم من عمليات أخرى , ليتم من خلالها ونتيجة لها طمس وتغييب فكرة حق العودة كما جرى بالنسبة لشعار الإزالة والتحرير .
وهنا جاء عدوان 1982 على لبنان, وحصل كنتيجة له , إخراج الكتلة الكبيرة من فصائل المنظمات الفدائية من لبنان بعيدا إلى اليمن وتونس ..إلخ , وخلال ست سنوات رعت أطراف عربية ودولية عديدة بقيادة الولايات المتحدة ,( راجع كتاب دينسس روس حول السلام المفقود , وكتاب محمد حسنين هيكل " سلام الأوهام " ) سلسلة من الاتصالات كانت نتيجتها إبرام صفقة تم بموجبها الاعتراف بمنظمة التحرير ممثلا للشعب الفلسطيني , مقابل اعتراف المنظمة بحق إسرائيل في الوجود على الأراضي التي احتلتها عام 1948 والتفاوض على إقامة دولة للفلسطينيين على ماتبقى من فلسطين (22% ) أي على أراض تقع ضمن الضفة الغربية وغزة , حيث رحلت من يومها مسألة عودة الالاجئين إلى مفاوضات الحل النهائي .الذي ماتزال حتى اليوم بعد أكثر من ربع قرن تراوح عند مرحلتها الأولى التي تمت عام 1994 .ولذلك ماتزال القضية متفجرة حتى اليوم ,وستظل تبحث عن حل صحيح لها .
معنى الاعتراف بإسرائيل :
وهنا حصلت الضربة (المفاجأة الكبرى )القاسمة للقضية من حيث لايتوقع أحد . من قبل أصحاب القضية أنفسهم أو ممن ممن نصبوا أنفسهم أو نصبتهم الأنظمة العربية المتأمركة قيادة لهذا الشعب المنكوب . حيث تم الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود على ما احتل من أرض فلسطين عام 1948 .مقابل اعتراف إسرائيل بالمنظمة ممثلا للشعب الفلسطيني . وعلى إثرها فورا تم استدعاء حوالي 500 شخص فلسطيني وعقد المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر عام 1988للإحتفال بهذه الصفقة المريبة , ووللرقص على أوهام دولة فلسطينية ستقوم في المستقبل ( وبعد ذلك ا حل المجلس ولم يعد هناك حاجة لجمعه من جديد لأنه حقق ماقاله رابين مالم يكن بن غوريون يحلم به .
فالاعتراف بحق إسرائيل في الوجود على 78% مما احتل من أرض قلسطين عام 1948 , لايعني كما فهم البعض . التخلي عن فكرة تحرير فلسطين ولا عن فكرة إزالة إسرائيل , بل تعني في الوقت نفسه التخلي عن مبدأ حق عودة اللاجئين الفلسطنيين الذين طردوا من الأراضي التي احتلها اليهود الصهاينة عام 1948 . فأنت وأنا كفلسطيني وكل صاحب حق في فلسطين , عندما نعترف بحق هذا الكيان المسمى إسرائيل في الوجود على أرضنا التي طردنا منها , يعني أننا نعترف بحق اليهود الصهاينة بالعيش والسيادة على تلك الأرض . وفي الوقت ذاته وضمنا , حقهم في رفض إعادتي وإعادتك وأبنائك وأحفادك , ورفض إعادة أي لاجئ فلسطيني إلى تلك الأراضي . ( واعترافا بأن قياداتك السابقة ونضال آبائك وأجدادك كان خطأً ,قد يستدعي مطالبتنا بالتعويض عليهم ايضا ) . وبهذا تكون تلك القيادة بوعي أو بغير وعي قد وضعت أسس إنهاء وتصفية القضية الفلسطينيية . لذلك كان لابد من الوقوف ضد هذه الخطوة بحزم . من هنا كان لابد أن تنشأ وتتقوى تنظيمات فلسطينية وعربية معارضة لهذا التنازل المرعب عن الحقوق ,مثل حماس والجهاد والاخوان المسلمين والمجاهدين الجدد في سوريا ولبنان وإيران وأفغانستان واليمن ومصر ,, إلخ باعتبار أنه إذا كان لليهود الصهاينة حق في فلسطين استنادا لفكرة وجودها فيها منذ ثلاثة آلاف عام ,فهذا يتيح لهم المطالبة غدا بحقوقهم المسلوبة كما يعتقدون في مكة والمدينة وأور الكلدانيين ,وخيبرأفغانستان وفي أهرامات مصر التي بناها أجدادهم على حد زعمهم .
وأضيف لأقول أنه إذا كنا قد أقرينا واعترفنا بحقهم في الوجود على أرض فلسطين , فإن من حقهم الحصول على الأمن والأمان والسلام , الذي يتطلب التطبيع والهيمنة , وقد يتطلب قتل وسجن كل من يقف ضد الهيمنة الإسرائيلية حتى لوكان في موزامبيق وتشيلي. وهكذا ماجعل الأمور والقضية تعود إلى المربع الأول .ومن هنا وجدنا أن أسس إعادة إحياء القضية الفلسطينيية , وإمكانية نقد تجربة المقاومة والمنظمة ,باتت من الناحية الموضوعية مناسبة لتجاوز أخطائها .
وهذا ما يؤكد أيضا ,على أن أي تخلي عن الحقوق الثابتة للشعب العربي الفلسطيني يعني في الوقت ذاته تخليا بصورة غير مباشرة عن حقوق العرب والمسلمين والمسيحيين المؤمنين وغير المؤمنين والروس والشيشان والطليان في زيارة اللأماكن المقدسة والتاريخية في فلسطين . ويشكل في ذات الوقت تجاوزا وتعديا على العرب والمسلمين وشعوب المنطقة كلها بل والعالم . كونه يشرع ويتيح المجال لتلك القوة العدوانية الغاشمة البقاء , ولتمارس كل أنواع الغطرسة والعدوان والتسلط ..إلخ .مما يؤكد أيضا على عمق الترابط بين البعد الوطني للقضية و البعد ين العربي والإقليمي .الديني (الإسلامي والمسيحي ) والسياسي للقضية .ويؤكد على أننا حتى لو أردنا التخلي عن حقوقنا فإن الآخرين سيقفوا ضدنا ولن يسمحوا لنا بذلك .
وهذا مايجعلنا نقرر بعيدا عن الجدل الذي لن ينتهي حول ترابط القضية الوطنية المحلية بغيرها : بأن أي حل لايتضمن على الأقل وفي الظروف الراهنة من الناحية الوطنية البحتة : فسح المجال لإعادة أو عودة من يرغب من جميع اللاجئين الفلسطينيين الحاليين إلى قراهم وبيوتهم وأملاكهم التي طردوامنها ,أوفي استعادتها ـ على أقل تقدير . حتى لو تجاهلنا مسألة التعويض عن الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت بهم وأحفادهم , والتي تضمنها البند 11 من القرار 194 . فإن إقرار وتثبيت حق عودة جميع من طردوا أوهجروا أو نزحوا (ملايين من لحم ودم ومشاعر , مشردين في أكثر من مئة دولة ) وإعطائهم الحق المطلق في تقرير مصيرهم بعد عودتهم بشكل حركبقية بني البشر . يجب أو يفترض أن يشكل الحد الأدنى أو السقف الأدنى لأي حل عادل لهذه القضية ( حسب القانون الدولي وحقوق الإنسان ) . وأي حل لايتم فيه إقرار هذا الحق والتمسك به ,والعمل على تنفيذه , أو يتم فيه التخلي عن هذا الحق ,أو من يقلل من شأنه أو يقوم بطمسه أو تغييبه , لن يكون لاحلا وطنيا ولاقوميا ولاإنسانيا ولا عادلا ,بل حلا لمصلحة إسرائيل وبقائها وتمددها يبقي الصراع قائما وملتهبا . عدى عن أن ما سوف يحصل نتيجة لشطبه , ولما سيقع من ظلم فادح على شعب فلسطين نتيجة لشطبه , لن يشكل حلاعادلا لقضية إنسانية , وبالتالي لن يحقق الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة والعالم .
وهنا نكون قد عدنا إلى نقطة الصفر .لنعود للبحث عن مخرج أوعن حل آخر مختلف .وعن بديل لهذه القيادة ولهذا الحل .
فتحي رشيد
20/ 2/ 2018
.(1) : كل من زعم أنه الممثل الشرعي والوحيد لفلسطين وللفلسطينيين , وكل من أمسك بيده وحده كل السلطات وعين نفسه أو عينه الأخرون رئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية , ورئيسا للسلطة الفلسطينية ورئيسا للمجلس المركزي ورئيسا للجنة التنفيذية وقائدا عاما للشرطة والجيش وأمينا على أموال المنظمة والسلطة , وكل مايتعلق بالقرارات المصيرية المتعلقة بفلسطين .
(2) لقد سعيت عام 1974 إلى نشر كتاب ينقد تجربة المقاومة الفلسطينيية في الأردن بهدف تجاوز الأخطاء التي ارتكبت في الأردن وكانت سببا في إخراج وطرد وذبح المقاومة في الأردن عام 1971 وكيلا تتكر في لبنان . لكن للأسف لم اتمكن من نشره لأنه على ماتبين أن أطرافا عديدة لم تكن يومها تريد ولاتزال حتى الآن لاتريد أن تصلح لاالعمل الفلسطيني ولا الفدائي ولا المنظمة .بدليل أن الأمر ذاته وبطريقة أسوأ تكرر في لبنان . وهذا مادفعني عام 1984 إلى كتابة كتاب آخر تناولت فيه تجربة المقاومة الفلسطينيية في لبنان , لكنه منع من النشر , وعلمت يومها أن كتبا أخرى وكتابات أخرى كثيرة للعشرات من الكتاب (امثال الياس مرقص , وجودج حاوي وصادق جلال العظم وعبد القادر ياسين ومنير شفبق , ورشاد ابو شاور ,إلخ ) منعت من النشر . لأن أطرافا عديدة لم تكن تريد ولاتسعى إلى الإصلاح وتجاوزالأخطاء والسياسات الخاطئة كي توصل الأمور إلى ماوصلت إليه اليوم من تردي , ولأن تلك الأطراف ماتزال حتى اليوم تسعى بكل جهودها لأن يبقى الشعب الفلسطيني ويظل غارقا في الأوحال ومتعلقا بالأوهام .
(3) من المؤسف أن أذكر ابناء شعبنا بالكوارث الكثيرة التي لحقت بهم بسببب سياسات قيادتهم الخاطئة في كل من سوريا والأردن ولبنان والكويت والعراق , وبأنه تقع على تلك القيادة مسؤولية كبيرة عن المجازر التي لحقت بالفلسطينيين في كل من عمان وعجلون والسلط وصيدا وطرابلس وزغرتا ,و تل الزعتر (حيث كانت القيادة الفلسطينيية على بعدخمس كيلو مترات تسمع القصف والتدمير اللمنهج وصرخات الاستغاثة لمدة اسبوع كامل لكنها لم تتحرك لإنقاذ شعبها ) وصبرا وشاتيلا (حيث خرجت وتركت اللاجئين الفلسطيننيين في تلك المخيمات دون حماية ) . وبمناسبة ذكر تلك الأحداث أرد على السيد محمود عباس الذي قال في كلمته أما م المجلس المركزي يوم 15/1 / 2018 "إننا لم نتدخل ولانريد أن نتدخل في شؤون الدول العربية , لذلك نرجوكم أن لا تتدخلوا في شؤوننا الداخلية ." وأذكره فقط بما هو أعرف مني به وأسأله وأتحداه أن يجيب على الأسئلة التالية : من طرح عام 1969 و1970 شعار السلطة كل السلطة للمقاومة ,وليسقط الملك العميل , ونعم لإقامةالمناطق المحررة الحمراء في الأردن ؟ . ومن طرح شعار تحرير فلسطين يمر من عمان ومن بيروت ومن دمشق ؟ و من شكل دولة الفاكهاني وتدخل في كل كبيرة وصغيرة في الشأن اللبناني ؟ من جعل غالبية اللبنانيين يضيقون ذرعا بالمسلحين الفلسطينيين ويتقبلون دخول إسرائيل لتطردهم ولتوافق حكومتهم على طردكم من لبنان ؟ الستم أنتم ؟ من وقف مع صدام عندما غزى جيشه الكويت ؟ .من يتحمل مسؤولية مالحق بالفلسطينيين العاملين في الكويت من دمار , بعد خروج صدام منها ؟ ومالحق بفلسطينيي العراق بعد إسقاط نظامه عام 2003 ؟ أليست سياساتكم الخاطئة انتم ؟ الستم انتم من تدعون وحدكم تمثيل الشعب الفلسطيني وتحتكرون كل مؤسسات المنظمة والسلطة وتمنعون غيركم من التعبير حتى عن رأيه وتتخذون وحدكم القرارات .تتحملون وحدكم المسؤولية الكاملة عن كل النتائج السلبية التي توصلتم إليها وأوصلتومنا معكم إليها ؟ ؟ .
القصة ليست في تدخلهم في شؤننا أوتدخلنا في شؤونهم أو في عدم ومنع تدخلهم ,فشؤوننا من حيث المبدأ في مواجهة العدوان الإسرائيلي وعدونا المشترك هي واحدة .والحقوق والواجبات متداخلة لايمكن فصلها مطلقا .فالتنازل عن حقوق العرب والمسلمين في فلسطين لايمكن إلا أن تمس الشعوب والحكومات العربية , والتنازل عن حق عودة اللاجئين لابد أن يمس جميع الدول التي تستقبلهم . لذلك لايمكن لهم أن يسكتوا عن تنازلات ستلحق بهم الأذى . بل القصة هي في أن محمود عباس ومن معه لايريدون من العرب والفلسطينيين المتمسكين بحقوقهم أن يقولوا له ولمن حوله من المفرطين لا , أو لايحق لك ولالغيرك الإنفراد بحل قضية تهمنا كما تهمك .
(4) مقارنة بقراءات صديقي وقريبي الاستاذ " أحمد سعيد نجم "الذي حول بيته الواقع قبالة معمل البسكويت في مخيم اليرموك إلى مكتبة ( بعد أن ورث بيتا في المزة ) ومع أنه كان يصغرني بخمس سنوات إلا أنه كان يمتلك عشرة أضعاف ماأملك من كتب ومجلات تتعلق بالقضية الفلسطينية . حيث أنه تفرغ لتجميع الكتب وقراءتها وتصنيفها (أكثر من ألف كتاب يدور حول القضية الفلسطينية ) والمجلات والنشرات المتعلقة بها ( أكثر من عشرة آلاف مجلة ونشرة ودورية ) وللبحث والكتابة أيضا , حيث كان يقضي يوميا على الأقل ست ساعات بين الكتب يقرأ ويقلب ويرتب , لهذا سميته جاحظ القرن العشرين . حيث كان من أبرزكتاب ومحرري صحيفة "عائدون " التي كان يصدرها التنظيم الفلسطيني للحزب الشيوعي السوري . ومن ثم عمل مدققا لغويا ثم محررا في مجلة "الهدف " التي كانت تصدرها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين . كما أصدر قبل ذلك مجموعة قصصية كما كتب عدد من المقالات حول القضية الفلسطينية في مجلات وصحف عربية عديدة وأصبح عضوا في اتحاد الكتاب العرب وفي اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين منذ بداية تأسيسهما .