الهروب 3

ابراهيم الحريري
2018 / 2 / 23

كنت التقيت حكمت كوتاني و محي عبد الرحمن خلال عملي في ورشة القره غولي للنجارة الواقعة في زقاق خلف شارع الأمين، ضارب (كاغد سمباده- ورق مزجج، اي منعم للخشب الذي سيجري تشبيعه ب( السبيرتو دملوك),
تقلبت بين اعمال رثة عديدة في صيف عام1952( كنت التحقت بالحزب قبل ذلك باشهر)،صبي في مكتب للطباعة على الآلة الكاتبة قرب بناية المحاكم، مساعد فراش! في مكتب التاجر- الملاك الموصلي صديق الجادر في شارع البنوك، سرعان ما هججني منه استادي الفراش خوفا على مركزه.
كنت مستعجلا لان استقل، انفصل عن اهلي و طبقتي و انضم الى صفوف العمال و الكادحين، اليس الحزب حزب العمال والفلاحين وسائر الكادحين؟
سيسال ألبعض: كيف سمح لك اهلك بذلك و انت في تلك السن؟
لم يكن بامكان احد ان يقف في طريقي. جرب ذلك اهلي اكثر من مرة، ثم رفعوا الراية البيضاء!
كانت ورشة القرغولي ملتقى، خصوصا في الظهيرة، وقت الغداء، للناشطين الشيوعيين و النقابيين( كان اصحابها، انفسهم من اصول تقدمية، يسارية( حزب الشعب)
و هكذا التقيت حكمت و محي في ورشة النجارة ثم...
فوق سطيجة الفرن في سجن الموقف!
كنا نخفي توترنا بتبادل النكات و الاحاديث العابرة، منتظرين ان يهبط جبريل الشيوعي! ليبلغنا الرسالة: مهمتنا!
كان وقت المواجهلة اوشك على الأنتهاء. " يلله رفاق ننزل ونروح لهلنا" قال محي بين الجد و المزاح مضيفا " يبين صادر علينا امر القاء قبض من الحزب!"
لم يطل انتظارنا كثيرا. اطل علينا رجل وسيم فارع، وسيع العينين بشكل ملقت( ساعرف فيما بعد، في سحن بعقوبة انه الراحل عزيز الشيخ)
فال بنبرة هادئة، و البسمة تفترش وجهه( اي خلصنا من ابو وش العابس، عبالك مداين الله فلوس!) قلت، في داخلي، طبعا!
رفاق! قال الرفيق عزيزمضيفا: انتو هنا بضيافتنا لبضعة ايام. سياتي السجان لأحراء التعداد, لا تدعوه يرى وجوهكم. واحد ينام. واحد يقرا جريدة، واحد يلزم كتاب!"منا الى ان يخرج المواجهين"
بانت سعاد! نحن اذن كمالة عدد!
ستصلكم الوجبات مع لحم زيادة، قي اوقاتها" اكد مبتسما
اضرب ابو الخل" قلت في نفسي" ستشبع اخيرا، و شنو؟ لحم! على حساب الحكومة!" كان اجري، بالكاد يقيم اودي. كنت ما ازال متدربا،
احوك فوطه او فوطتين باليوم. يعني 100 فلس!. كنت و اكثر عمال النسيج اليدوي نتسقط اخبار العزيات و الفواتح لنحظى بماعون قيمة او باجة " مكاسير"
اما قضاء الحاجة، فبعد منتصف الليل"!
هاي شلو رح ندبرها؟" تساءل حكمت.
اقترب منه ابو عطا، همس في اذنه. دفعه حكمت و هو لا يكتم الضحكة قائلا: ما تجوزابو عطا من شقاك الماصخ!"
اضاف الرفيق عزيز قبل ان يغيبه السلم: انتبهوا الى الختم على ذراعكم،حاذروا ان يزول! و الا ستقضون عمركم في السجن اواو... تنقذكم الثورة!"
عقب ابو عطا بصوت خافت ممازحا حكمت: موت ياحكمت..." زحره هذا الأخير. " هو هذا وكت شقا!"
ادرك ابو عطا الرفيق قبل ان يغيب مستفسرا: رفيق شوكت رح تطلقون سراحنا؟"
رد الرفيق مازحا: من يصدر الحزب عفو عنكم!"
استدار ابوعطا الى الجدار و اخذ يشخر، متظاهرا بالنوم، حتى قبل ان يصل السجان!
تناول حكمت صحيفة فرشها على وجهه حتى كادت تغطيه..
اما انا فانزلت الجزية الصفراء بحيث تكادت تغطي القسم الأكبر من وجهي تناولت كتابا كان في متناولي حشترته تحت الجزية...كان بالصدفة كتاب" الأقتصاد السياسي" لمكسيم ليونتيف...

بغداد
2018 - 2- 23