رابطة المَنَاجِذ الشيوعية -7-

علي دريوسي
2018 / 2 / 22

اِستيقظتُ مُبَكِّراً صباح هذا اليوم، يوم الإثنين الواقع في 28.09.1987، حتى أني اِستمعتُ إلى الاِفتتاحية الصباحية لإذاعة الجمهورية العربية السورية من دمشق، إلى معزوفة أمير البزق محمد عبد الكريم، اِستمعتُ إلى برنامج "مرحباً يا صباح"، إلى الدفء في صوت مخلص الورّار وزميلته فريال أحمد، وإلى صوت فيروز "بقطفلك بس هالمرة، ع بكرة بس شي زهرة"، في نشرات أخبار لاحقة سأستمع اليوم إلى وزير الدفاع الأمريكي كاسبار واينبرغر، في عهد الرئيس رونالد ريغان، وهو يدعو الأمم المتحدة إلى إجبار طهران على وقف إطلاق النار في حرب الخليج مع العراق، سأستمع أيضاً إلى العقوبات الشديدة التي فرضتها المحكمة العليا في تونس بحق تسعين شخصاً من الأصوليين بسبب خططهم التخريبية، لكني اِستمعتُ قبل كل شيء إلى أبي وهو يتنخع كالسَّحاب من بقايا سكرة الأمس في خمَّارة دليلة والزئبق، قبل ذهابه إلى عمله في مؤسسة العمران - مركز القطاعة، حيث يتم تقطيع لفافات الحديد وتحويلها الى قضبان حديدية للبيع.
*****
في الساعة العاشرة إلا دقيقة وقفتُ أمام مدخل بناية المهندسين أرقب العابرين في الشارع، كنت أرتدي بنطال جينز وبلوزة سماوية ولبست في قدميّ حذاء جلديّاً أسود اللون، حملت بيدي جريدة الثورة التي كنت قد وجدتها منسية في مقعد الباص، وفي جيبي هويتي الشخصية وخمس وثلاثين ليرة، تناولت سيجارة من جرابي الأبيض، رطّبتها بريقي ثم أشعلتها ورحت أنتظرها.
*****
كنا ندخِّن في تلك الأيام حتى الإرهاق، كنا نعتقد أنَّ التَّغَنِّي بكؤوس العرق والسجائر والتَّغَزُّل فيها مقياساً للوعي السياسي وللثقافة وللإلحاد، لم نكن نعلم أنَّها ليست إلا مؤشراً لفقرنا وضياعنا وسذاجتنا وجهلنا الصحيّ، كنا ندخِّن في تلك السنين مثلما تدخِّن فُوهات البراكين، كنا ندخِّن بشراهةٍ منقطعة النظير وكأنَّنا سنلتقي الله قريباً وكأنَّ الفرج والفجر قادمان لا محالة، كنا ندخِّن مثل طفل أضاع أمه لسنوات عدة وفجأة وجدها ليلتصق بفستانها خوفاً أن تفارقه من جديد، كنا ندخِّن مثل أي مدمن على الكوكايين أو على الخمور، ندخِّن إذا فرحنا، إذا حزنا، إذا استيقظنا في الصباح الباكر، إذا نمنا، إذا حلمنا، إذا أفقنا من النوم في منتصف الليل، إذا أحببنا، إذا بكينا، إذا تألمنا، إذا طبخنا، إذا شربنا، إذا أكلنا، إذا رأينا منظراً خلاباً، إذا سمعنا أغنية تحاكينا، إذا لامست أيادينا غصن شجرة زيتون، إذا استنشقنا هواء عليلاً، إذا غنينا المواويل والعتابا، إذا مشينا، إذا جلسنا في تاكسي، إذا ناقشنا في السياسة، إذا تكلمنا عن العالم والله والحياة، إذا قرأنا قصة، إذا كتبنا خاطرة، إذا حضَّرنا للامتحان، إذا أنهينا الامتحان بنجاحٍ أو فشلٍ، إذا بكت السماء، إذا أشرقت الشمس، إذا فكرنا بمصروفنا الشهري، إذا مات أحد معارفنا، إذا اِعتُقِلَ أحد الأصدقاء، كنا ندخِّن إذا تخاصمنا مع أحدهم، إذا خطب أو تزوج أحدهم، إذا فارق أو انفصل أحدهم عمن يحب، كنا ندخِّن حين نركب في السرفيس جانب السائق، حين نصطاد السمك، حين نسبح، حين نحضر مباراة كرة قدم، كنا ندخِّن في الاستراحة بين شوطين عندما نلعب كرة قدم ، كنا ندخِّن مع فنجان قهوة الصباح، في الحمَّام، في المرحاض، حتى عندما كنا لا نفعل أي شيء كنا ندخِّن حتى إذا وقعنا في المرض لأنَّنا عشقنا اللفافة، كانت صديقتنا الوحيدة، نتعمَّد نسيان علبة الكبريت حتى نشعل السيجارة من مؤخرة السيجارة، كنا ندخِّن دون اِستخدام فرشاة ومعجون الأسنان، دون زيارة الطبيب، دون ممارسة الرياضة، كان كل شيء مُخربَطاً وتافهاً في تلك الأيام، لكننا لم نشعر بالخربطة والاضطراب والتفاهة لأنَّنا كنا نعيش في رحمها، كنا نجد في التدخين باباً آخر نلج منه إلى عوالمٍ أخرى مختلفة، نشعر معها أن صدورنا سعيدة، منفتحة على العالم، كان يؤلمنا ما نسمعه عن أمراض الآخرين بسبب تعاطيهم للسيجارة، لم نهتم للأمر حقيقة لأنّنا كنا مازلنا في ريعان شبابنا، كنا نشعر أحياناً، في ظل الضغوط النفسية التي عشناها، أنَّ السيجارة هي الوحيدة القادرة على إخراجنا من مستنقعنا، على إنقاذنا حتى من آلام صدورنا التي كانت على وشك الانفجار بفعل الأزمات الاِجتماعية والمالية والإنسانية والوطنية، كانت السيجارة بالنسبة لنا كسمكة الكهل سانتياغو في رواية الشيخ والبحر لأرنست همينغواي، كنا نغازلها في سهراتنا ونخاف أن نسحبها بعمقٍ كي لا تنتهي، كما يغازل العجوز سمكته التي تبتعد عنه ويخاف أن يشدها كي لا ينقطع الحبل وتهرب منه، كنا في تلك الأيام على استعدادٍ لتدخين أوراق الشجر أوالعشب الملفوف بالورق العادي، كنا ندخِّن غالباً روث الحيوانات دون أن ندري.
*****
في الساعة العاشرة ودقيقة لمحت شابة تخرج من مبنى المهندسين باتجاه الشارع، كانت طَلْقة المُحَيّا، طويلة القَدّ، شعرها أسود مُتموِّج قصير، عيناها سوداوان واسعتان، ارتدت بلوزة ليلكية فوق بنطال جينز أسود وانتعَلت حذاء رياضياً من ماركة "نايك" وقد علَّقت في كتفها الأيسر حقيبة جلدية سوداء كبيرة نوعاً ما. ما أن رأيتها تنزل الدرجات القليلة المؤدية إلى مخرج البناية مسرعةً حتى حدست بأنَّها لا بد وأن تكون فاتن. نظرتْ الشابة باتجاهي، مرت بي، فاحت رائحة عطرها الصيفي الخفيف، تمتمت لي شيئاً لم أفهمه أو بالأحرى لم أرغب أن أفهمه، أظنها قالت: "مرحبا أحمد، إلحقني". وحين لاحظتْ تردُّدي أومأت لي برأسها الجميل كي أتبعها، مشيت خلفها ونظراتي معلَّقة بمشيتها الواثقة، مشت أمامي لمدة أربع دقائق أو أكثر وما أن اِقتربتْ من مقهى البستان حتى توقفتْ تنتظرني، وقفتُ إلى جانبها مدهوشاً بها، سمعتها تقول: "سنذهب إلى محطة القطار، ومن هناك سنسافر إلى حلب". ودون أن تسمع موافقتي أو اِعتراضي على مخططها أوقفتْ سيارة أجرة صفراء، صعدتْ فاتن إلى المقعد الخلفي وأغلقت الباب، فما كان مني إلا أن صعدتُ إلى المقعد الأمامي بجوار السائق وما أن أغلقت الباب حتى قالت للسائق: "إلى محطة القطار من فضلك".
*****
يتبع