المسيح الفلسطيني ورواية -وارث الشواهد- وليد الشرفا

رائد الحواري
2018 / 2 / 21


يعد هذا العمل مسار جديد في الرواية الفلسطينية، إن كان على مستوى الفكرة وما يمكننا أن نحملها من أحداث واقعية، أم من خلال الشخصيات التي يمكننا أن نربطها بالسيد المسيح وتلاميذه، أم من خلال الاحداث التي تلتقى في أكثر من موضع مع التاريخ، تاريخ السيد المسيح، والأهم تناولها للاحتلال والطريقة التي يفكر بها المحتل، إن كان على مستوى المؤسسات الرسمة أم على مستوى الأفراد، وإذا ما أضفنا الطريقة التي قدم بها الراوي أحداث روايته يمكننا القول أننا عمل روائي مميز يستحق أن نعتز به في فلسطين وفي المنطقة العربية.
النبي
"الوحيد" يتماثل مع السيد المسيح، فهو لم يرى أبيه أو يشاهده، لكنه يعرفه ويعرف كل شيء عنه، ومن رباه أمه وجده الذي يأخذ دور خال السيد المسيح "يوسف"، وهو يعرف الحقيقة/الحكمة وهو طفل، وقد تعرض للمحاكمة من قبل اليهود كما تعرض السيد المسيح، وكلاهما تلقى الوحي، وعلما بالألم الذي سيلازم دعوتهما، وبشرا بانتصار دعوتهما حتى بعد الموت/الغياب.
يصف لنا الراوي صورة الوحي/الفكرة التي نزلت على "الوحيد" بهذا المشهد "سترث آلامك، وستبلغها في وحي جديد ولو بعد حين، وسترث معرفة الغيب، وستكون لك الكرامات. أصبر. أصبر" ص35، نحن هنا أمام نبي يتلاقى وحي سماوي يعرفه بما سيكون عليه مستقبل دعوته، فسيأتي من يكمل الدعوة من بعده، وستكون بيده "كرامات" تكون حجة له ولصدق دعوته، ويدعوه الوحي للصبر، لأن مواصلة الدعوة ستستمر حتى ينتصر ويحق الحق.
بعد الوحي نجد "الوحيد" يبدأ في العمل بالدعوة الجديدة، "...أشم بقايا عرق الحياة في جدي، وأشم طعم الموت المنبعث من برودة جسده، ورائحة الأدوية، "أنت وأنا وأمي متنا لتاريخ الله، وثمنا لهلوسة متحجرة لما رأى حام عورة والده نوح جدهم الطاهر! سأطلب من بشارة المسير إلى نابلس: "ستعود يوما يكون فيه نهار"" ص65، نجد في هذا المقطع اشارات على تحقيق الفكرة/النبوءة التي جاء بها الوحي، ف"بشارة" يطيع ويلبي ما يطلبه "الوحيد" وسيكون هو من ينطبق عليه قول الوحي: "وستبلغها في وحي جديد".
وإذا ما توقفنا عند قول: "ثمنا ... لما رأى حام عورة والده نوح" التي تتكرر أكثر من مرة وفي أكثر من موضع في الراوية، يتأكد لنا أن هذه هي فكر الكفر/الشرك/الخطيئة التي اقترفها الغرب الامبريالي والصهاينة بحق عدالة الله وبحق الفلسطيني، والنبي الجديد جاء ليحارب هذه الفكرة، مبينا أن الله اكبر من أن يكون بهذا الشكل، وأنه اعظم من أن يظلم شعب/قوم لمجرد أن جدهم قبل آلاف السنين اقترف خطيئة بحق "نوح".
وعندما يتم محاكمة "الوحيد/المسيح" من قبل اليهود نجد هذا الموقف: "...الشيء الملفت هو اعتذار القاضي بعد جلسة من جلسات المحكمة، ... بأن السبب في الاعتذار هو معاناة القضاة وبعض المحققين من بعض المشاكل النفسية جراء هذه المحاكمة، ذلك أن الدكتور الفلسطيني يملك قدرة عجيبة على قراءة تاريخهم وواقعهم، حتى أنه علم ألوان ملابسهم الداخلية وليالي سهرهم وحتى شذوذ بعضهم، ... ويتم تناقل بعض الأخبار عن محاولة قتل أحد القضاة لنفسه عندما أخبره الوحيد بأنه لا ينجب بعد تعرضه لحادث سري ذكره له باليوم والساعة" ص128، " معجزة/كرامة "الوحيد/المسيح" قدمها الراوي بعين الفكرة التي جاءت به الكتب المقدسة، فالوحيد يعلم الغيب ويخبر الآخرين بما فيهم وما هو داخل نفوسهم، فهل هناك من يريد معجزة اكبر من هذه ليتأكد بأننا امام نبي جديد؟.
وهناك الأثر الذي تركه "الوحيد" المسيح الجديد على "بشارة" الذي يخبرنا باننا فعلا أمام رسول/نبي: "...كأنه رسول جاء من الأرض الغامضة، التي لم أفهمها إلا عندما التقيته، كيف حولتنا نحن إلى مسيحيين، دون أن تفطن إلى أن المسيح كان واحدا منهم، ونحن لم نكن إلا عابرين؟ كنت وقتها أحسه مسيحيا جديدا وهو مسلم" ص131، الأثر/الهيبة، قوة الاقناع كلها صفات اساسي في الانبياء، وهذا ما اكده لنا "بشارة" عندما قابل النبي الجيد "الوحيد"
اليهودي
اليهود وقفوا ضد السيد المسيح، وهنا نجدهم يقفوا ضد النبي "الوحيد" وضد ورسوله "بشارة" وهم يعتمدون على فكر خرافي مقدس، "وأنا كنا ضحية رؤية حام لعورة والده نوح منذ أيام الطوفان العظيم، وأن رواية الأنبياء ستتحول إلى رواية للشواذ وتجار النساء، وصانعي العجول الذهبية، والمتلذذين بطعم الدم" ص37، إذا ما توقفنا عن الفكرة التي يقسم فيها اليهود الناس سنجدها فكرة متخلفة وعنصرية وغير منطقية، لكن مصالح الرأسمالية والدول الغربية الامبريالية جعلهم يلبسون ثوب الدين ويمارس اقسى أنواع القهر بحق الفلسطيني.
من اشكل البطش والقهر الذي يمارس بحق الفلسطيني هذا الأمر "عين حوض التي ورثت اسمها منذ قرون طويلة تصبح الآن قرية للفنانين، للمرة الأولى تنتصر اللوحة على الشجرة، ويصادر الطارئ الأصل، وسيسمونها "عين هود" ص53، جريمة سلب المكان وتهجيره من سكانه واعطاءه اسما جديدا، يعد من مسلسل الجرائم التي لا تنتهي بحق الفلسطيني.
اليهود لم يكتفي بما سبق بل نجدهم يحولوا الاماكن المقدسة إلى خمارات، "وصور المشروبات والوجبات معلقة على جدار المسجد، لوحة لامرأة عارية من نصفها الأعلى" ص68، اليهودي المحتل يعمل على تشويه كل ما هو فلسطيني، إما من خلال تغير اسمة أو استخدمه بطريقة تشوه الأصل الذي كان عليه.
الرب يهوه
الفكرة الدينية التي استند إليها المحتل لطرد الفلسطيني وسرقة ارضه تخلصها لنا "ريبكا جونسون" بهذا الشكل: "قال الي ذات مرة ليفهمني بأنه هو ووطنه فلسطين دفعا ثمن هذه الفكرة، لم افهم بشكل واضح/ قال: "لو طلبت منك أن تهبني جسدك معزة لصديق"، قبل أن يكمل رفعت يدي لأصفعه، مسك يدي وحدق بي قائلا "هكذا فعل بنا رب اليهود" نحن ـ الفلسطينيين ـ هل هناك رب يفعل ذلك؟!" ص135و 136.
نتوقف هنا لنؤكد أن الراوي يركز على نقد الفكر الديني اليهودي، فهو (كنبي جديد/كمسيح جديد) لا بد له أن يفكك الدين القديم ويوضح الهفوات والأخطاء والسطحية التي يتعامل بها، "فأنا وجدي وأمي ووالدي وابنتي وزوجتي، لكنا، كلنا دفعنا ثمن تاريخ الله، دفعت ثمن رواية أن يرى حام عورة نوح، وأن يعتذر الله ليعقوب عن تغلبه عليه، وأن يحاصر اليهود في خيبر!" ص42 من هنا نجده ينسف الأفكار البالية والمشوهة، لكي يقدم البديل، يقدم ما هو جديد، يناسب العصر والزمن والمجتمع، فلا يعقل أن يتبع افكار بالية وقديمة وضعت قبل أكثر من ثلاثة الاف عام وتطبق الآن، وإذا ما توقفنا عند الطريقة التي تعامل بها "الوحيد" لتوضيح أفكاره سنجدها متماثلة مع تلك التي استخدمها السيد المسيح عندما أرد أن يبين الخطأ الذي اقترفه من أحضروا له الزانية للرجم، وخطأ فهمهم وأن الشريعة التي يعتمدون عليها تدينهم قبل أن تدين الزانية.
الفلسطيني
دور أي نبي يكمن في رفع الظلم عن المظلمين، وتبيان عقم الأفكار والسلوك الذي يمارسه الأسياد بحقهم، فالمسيح هنا فلسطيني كما كان سلفه، لهذا هو ينحاز للمظلومين الفلسطينيين ويفضح واقع ظالمين اليهود لهم.
من اشكال معاناة الفلسطيني هذا الأمر: "نفسي أشوف الرسائل قبل ما أموت يا خالي، وأمشي على حصى البحر" ص84، ما يتمناه "خال بشارة" الذي يعيش في الغربة، هذه الأمنية، أليس من حقه أن يشاهد وطنه الذي اجبر على تركه للمتحل؟، فالوطن يبقى حاضرا وحيا حتى أخر نفس في الحياة.
وهذا ما يؤكد أن الفلسطيني أجبر على ترك وطنه مكرها وغصبا ومهددا، فلو كان خروجه طواعية لما وجدناه بهذا الحنين للوطن، لكنه اجبره على تركه في السابق ويمنع عنه الآن، فأي ظلما هذا؟.
ومن الشواهد الأخرى التي تؤكد على أن الفلسطيني اكره وأجبر هذا المشهد الذي جاء على لسان "الوحيد"، "كانت المقبرة محطمة الشواهد ... سور المقبرة متهالكة ومتآكلة، أتحسس السور وتراب المقبرة في الظل، بالكاد نصل إليها أشعة الشمس جراء العمارات، كأني أسمع صوت الموتى المخنوق، وبكائهم من الوحدة والهجران، عيونهم مغلقة بالطين تماما مثلما أغلقت أبواب المحلات والدكاكين والمنازل التي هجر أصحابها منها بالإسمنت...وأتساءل للمرة الأولى عن أصحاب هذا المنزل الفخم،.. أين أصحابه الآن؟، وأين أحلام مراهقاته وألعاب أطفاله؟... وأين ملابس العذراوات الفلسطينيات؟...أين رواد شرفته المتمايلة نحو البحر؟ " ص87 و88، المشهد يتناول حالة المكان وحالة الإنسان معا، وهذا ما يجعل الجرم مزدوج بحق الفلسطيني، جرم يتعلق بأرضه، وجرم يتعلق به.
الحديث السابق جاء عن الفلسطيني الذي اجبر على ترك فلسطين ال48، لكن كيف هو حال الفلسطيني الذي بقى في وطنه ولم يتركه؟، هل عاش في وطن الحقيقي؟، أو وطن مشوه/مزور/ممسوخ/وهمي؟ يجيبنا "بشارة" عن هذا السؤال من خلال: "...الطبيب الذي اكتشف أنه كان فلسطينيا معطلا، ومسيحيا مرتبكا" ص93، هذا ما اكتشفه "بشارة" بعد أن آمن بدعوة "الوحيد" المسيح الجديد، لقد وجد نفسه في ضلال، لهذا سيعمل على اللحاق بالنبي ويحمل دعوته بعد أن كان يمارس دور الجلاد، "...بعد ذلك سأتيقن أن هؤلاء (المخربين) مهجرون من هنا من أرضهم وبيوتهم في عكا وحيفا ويافا وصفد والجليل، طردوا وتركوا فراشهم الدافئ وراءهم حتى الآن، ويحاربون أملا بالعودة إليه، ...سأقوم بعملية غريبة بعدها... وهي معرض للصور، للشهداء الذين هجروا واغتالتهم (إسرائيل) في المنافي، مدينة بمدينة، غسان كنفاني من عكا، أبو إياد من يافا، وهكذا" ص94، "بشارة" هنا يحمل ويكمل رسالة "الوحيد" المسيح الجديد، وسيتحمل الأذية والضغط من زوجته قبل أن يأتي من المحتل، فهو هنا مكمل للرسالة الجديدة، وسيكفر عن ذنبه السابق باتباع النبي "الوحيد" .
لهذا يبدأ بنشر أفكار "الوحيد" الفلسطيني فيقول: "..والدها يا ماري صاحب أول مطبعة ومكتبة في حيفا، موجودة قبل وجود (إسرائيل) بأكثر من ثلاثين عاما" ص105و106، دور أتباع ورسل المسيح يكمن في نشر دعوته في اماكن جديدة لم يستطع السيد المسيح أن يصلها، وهذا ما فعله "بشارة" فهو يأخذ دور رسل المسيج، ويبدأ بنشر دعوة "الوحيد".
"بشارة" مؤمن بالدعوة الجديدة، لهذا نجده يعي حقيقة الواقع الذي يعيشه كصاحب رسالة، وإذا ما تعرض للتهديد أو الترغيب من قبل المحتلين يعرف كيف يرد عليهم، "...فهو جواب والدي للقاضي عندما هدده بسحب (الجنسية الإسرائيلية) منه عندما قال: ماذا سأخر؟ سأعود فلسطينيا نقيا" ص158، بهذه الخاتمة يبدأ "بشارة" بنشر رسالة "الوحيد" وغير عابئ بأي اجراءات أو تهديدات يقدم عليها المحتل، فقد تعمد بالفكرة الجديد، وهي قادرة على امداده بكل عناصر القوة والثبات والاستمرار حتى يحقق العدل الذي جاءت به رسالة المسيح الجديد "الوحيد".
"بشارة"
"بشارة" بمثابة الرسل الذين أكملوا رسالة المسيح، لكن قبل أن يؤمن برسالة/دعوة "الوحيد" كان من الكافرين/الجاهلين، ويحمل أفكارا غير سوية، افكار خاطئة، من هذا الأفكار: "أيماني بالمحبة يجعلني أسامحك وأعود إليك" ص78، يريد عليه النبي "الوحيد": "إن سؤال العدالة أهم من سؤال المحبة يا بشارة" ص79، وهنا يضع "الوحيد" "بشارة" في حالة من الشك، الشك الفكري الذي يهز أركان ما يعتقد أنه صحيح وسليم، من هنا نجده بعد أن فكر بما قاله "الوحيد" يستنتج: "مرة أخرى أقر وأعترف بأن المحبة كانت نهدا مزورا، كانت تلقيحا كاذبا" ص96، من هنا يبدأ بشارة بإكمال طريق المسيح "الوحيد".

الأفكار
لكل نبي طريقته في نقد الواقع، وبما أنه جاء برسالة ليرفع الظلم عن المقهورين ويعري الظالمين، فهو سيتعرض بالنقد لكل ما يره من كفر/ظلم، إن كان متعلق بالأفكار أو السلوك، أول مواجهة كانت فكرية: "يحق لهؤلاء والرواة والمتخلفين اختيار آلهتهم وشياطينهم وأنبيائهم وتجارهم، لكن لا يحق لهم اختيار ضحاياهم وقرابينهم، لذلك فالعالم لم يتحضر، وأن الله "الأرضي" حمل أعباء وآثاما وروايات لم تعد يطيقها" ص42، أهم ما جاء به النبي "الوحيد" حرية المعتقد والفكر لأي فرد/جماعة لكن لا يحق لها أن تظلم/تؤذي الآخرين، وهو يطبق قول "تنتهي حريتك عندما تمس/تنتهك حرية الآخرين".
افكار اليهود والطريقة التي يتبعونها لتحقيق أهدافهم ومصالحهم تعرض الأخرين للظلم وللألم، "الوحيد" يعريها ويهاجمها: "هل تصنع الأسماء الجديدة الحالات القديمة، منذ بابل حتى الآن وهم يسرقون الأسماء بعد الأمكنة وقبلها" ص53.
ونجده يتقدم اكثر نحو الحقيقة، حقيقة أن الله لا يفضل عباده على أساس عرقي، فيفند مقوله "شعب الله المختار" من خلال: "وللمرة الأولى سأعايش الأمراض التي تنتج عن التاريخ، وعن العلاقة بين تلقيح الجنين في رحم امرأة وتلقيح الأسطورة من روايات الرب في عقول البشر، إذ كيف للأسطورة أن تصبح عرقا؟!" ص76، يركز "بشارة" رسول "الوحيد" على مواصلة الطريق وكشف زيف الأفكار التي يعتنقها ويمارسها اليهود، فهم عادوا المسيح، واستطاعوا أن يحجبوه، لكن رسله أكملوا الطريق، وها هو "بشارة" يكمل طريق "الوحيد"، ولا بد من تعرية عقيدتهم ومعتقدهم: "...تلقيح الرواية التاريخية تلقيح مخيالي جماعي أداته اللغة، وهي أداة هلامية رخوة لا يمكن وضعها في قلب ثابت" ص103.
المكان يتعرض للسلب وللتهويد والتشويه كما يتعرض الإنسان للتهجير أو التغيب، لهذا لا بد من تناوله والتطرق إليه في عقيدة "الوحيد/بشارة: "...رواية الإسراء والمعراج التي كان الوحيد مغرما بتحليلها، فهو يرى أن الله أراد أن يقتل البعد المكاني والزماني للأنبياء، ويجعلهم وحدة واحدة، وأختار فلسطين لأنها أرض المعجزة والسحر، ... لقد توحد الأنبياء مع الله في السماء، وتجمعوا هنا ضده" ص105، "الوحيد" يؤكد على وحدة الرسالة السماوية التي تعدو لتحقيق العدالة، لكن المحتل عمل على النقيض من الفكرة/العدالة السماوية فجعل النزال والصراع على هذه الأرض موقعا الظلم والآلام بالفلسطيني.
الغرب ساهم بدور حيوي وأساسي في إلحاق الظلم بالفلسطيني، وبدونه ما كان للحركة الصهيونية أن تنتج (دولة إسرائيل) من هنا كان لا بد أن يكشف "الوحيد" الدور الذي مارسه الغرب الذي يدعي العلم المستند على العقل: "كيف لحضارة تقول أنها ختمت التاريخ وتدعي فلسفة العلم والتقدم والاشتراكية بغض النظر عن صراعاتها أن تدعي تشريد شعب آخر وقتله وإقامة دولة دينية استجابة لوعد الرب بعد أن صرعة نبي حسب الروايات التوراتية قبل آلاف السنين" ص141، وهذا الدور الذي يمارس الآن في فلسطين مارسه الغرب في العالم الجديد عندما (طهر) امريكيا من الهنود الحمر) وباسم الرب المسيح: "لم نغادر صكوك الغفران وإنما نقلتها جغرافيا مرتين، مرة عندما أفنى المهاجرون الإسبان السكان الأصلين الذين أطلقوا عليهم (الهنود الحمر) باسم الرب المسيح الذي تحول إلى آلية قتل في جغرافيا جديدة وهو الفلسطيني المنشأ ـ الولادة ـ ومرة عندما سمح لليهود بإلغاء تاريخ الفلسطينيين وطردهم وتقتيلهم استجابة لأمر لما قبل المسيح" ص141، الربط بين الجرائم التي ارتكبها ادعياء الدين في السابق وحاضر يؤكد أن "الوحيد" يدعوا إلى التوقف عن هذه الجرائم التي ترتكب باسم الرب وتعرض الإنسان ـ غاية الله وشريعته ـ للقتل أو التشريد أو الإلغاء، اعتقد بأن هذا الربط بين حالة الهنود الحمر والفلسطينيين يعطي عالمية لرسالة "الوحيد/بشارة" فرغم وجود الرسالة الجديد على أرض فلسطين، إلا أن غايتها أبعد وأوسع بكثير، وهنا نجد التماثل بين دعوة المسيح الأول والمسيح الثاني، فهما انطلقا من فلسطين إلى العالم أجمع.
هناك حوار يتم بين "بشارة والوحيد" وهذا الحوار يتماثل مع تلك الحوارات التي جاءت في العهد الجديد، لأنها توضح الأفكار/العقيدة الأسس العقلية للرسالة الجديدة:
"...إن الأفكار التي دافعت عن الإنسان هي التي قتلته، وما الأيدولوجيات إلا نتيجة للأمراض والحاجات.
...ـ ماذا تطمح إذن؟
ـ الانتصار للضحايا وضحايا شعبي، والدفاع عن ليلى ابنتي" ص142و143، الانبياء دائما يتألمون لتألم الآخرين ويشعرون بحالتهم، لهذا نجد النبي "الوحيد" يتألم للآلام الناس قبل أن يتألم لشعبه أو لأسرته، وهذا ما يعطي دلالة إلى أنه نبي يحمل رسالة جديدة تتجاوز جغرافية فلسطين لتصل إلى بقية انحاء العالم.
بعد أن يتعرض "الوحيد" للضرب وللاعتقال والمحاكمة، نجد "ليلى" ابنه "الوحيد" تقف بوجه المحتل وتعري مفاهيمه التي تبدو حضارة، وتكشف سلوكه تجاه الفلسطيني: "إن قواكم المتوحشة وسلوككم الرهيب وتناقضكم هو من أيقظ الكبرياء الأخير في روح الوحيد، الذي تريدون منه أن يكون كريما حد التكرم بذكرياته وبيته وشواهد قبور أجداده، لقد دفع ثمن توحش الجميع، توحش الفنان الذي يتقوقع في تحجر الله ويعيد إنتاج دين الأنانية، فكيف لفنان مهاجر أن يقيم مجده على تعب وعرق فنان مقيم وإن كان لا يدعي رساما؟ وكيف للعالم ان ينتصر لذكريات منقطعة منذ ثلاثة آلاف عام، وكيف تطالبون من الوحيد أن يدفن قبور أجداده لتبحثوا أنتم عن قبور أجدادكم؟ وما هو الأهم أيها العالم، اللوحة الأزلية أم الفنان الطارئ؟" ص147و148، صرخة المظلوم تدوي أمام الطغاة، لكنها ليست صرخة انفعال، بل صرخة العقل، المنطق، صرخة الضمير الإنساني الذي يدعي التمدن والتمسك بحقوق الإنسان، صرخة على عقم العقل الحديث وتخلفه، صرخة العدالة التي تنتهك باسم (ديمقراطية إسرائيل)، فعندما عادت "ليلى" إلى التاريخ القديم، التاريخ الذي يقدسه من يدعون التمسك بالعلم والعقل أرادت أن تقول بأن كل ما نشاهده من حضارة هو زائف وغير حقيقي، لأنه مبني على أجساد وحياة الآخرين، الذي قتلوا أو تشردوا أو ذابوا/تغيبوا باسم الحضارة الأوربية.
إذا ما توقفنا عند اسم "الوحيد" المعرف وبين الحالة والكيفية التي ولد بها السيد المسيح نجد تماثل بينهما ما يعطينا اشارة اضافية إلى أن هناك حالة من اللقاء بين الوحيد والمسيح، كما أن دورهما يكاد أن يكون متشابه، فكلهما تعرضا للهجوم والمحاكمة من اليهود، وكلاهما ساهم "الرومان/الغرب" في الحاق الأذية بهما، من خلال خضوعهما لإرادة اليهود، وكلاهما ترك/خلف/أوجد اتباع يعملون على نشر العقيدة الجديد.




العدالة
النبي لم يأتي لينتقد الأفكار الحالة فقط، بل جاء بحل، جاء بالبديل، فهو كرسول لا بد أن يكون في حوزته أفكار تنهي عذاب الظلوميين وفي ذات الوقت تضع الظالمين في المسار الصحيح، بعيدا عن الخطيئة، وبعيدا عن أذيته الآخرين: "إذا أرادوا أن يعيشوا فليعيشوا جيرانا لا أسيادا، شركاء لا أوصياء فوقيين، كما عاشوا آلاف السنين قبل أن تلقحهم لعنة رواية النيابة الربانية هذه" ص149، وهنا يكتمل دور النبي، فهو ليس بناقد سلبي، بل ناقد وواضع للحلول، لكي لا يكون هناك حجة لمن تسول له نفسه العند والاستمرار في الخطيئة.

الرواية من منشورات الأهلية للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الأولى 2017