ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الرابع 1

دلور ميقري
2018 / 2 / 21

صباحاً، مرّت على سحنتها المتناعسة نسمةٌ لطيفة، مُلقّحة بنفح الياسمين. هذه التعريشة، كانت تتسلق على نوافذ الدور العلويّ للفيللا وصولاً إلى السقف الهَرَميّ الشكل، الملبّس الحواف بقرميدٍ ذي لونٍ منسجم مع أوراقها الخضر. في المقابل، كانت مرافقة " سوسن خانم "، المعانية من الربو ( كحال الكثير من مواطنيها )، قد عبّرت بالأمس عن عدم تحملها تلك الرائحة الليلية، الكثيفة. على أنّ تفكير الخانم، في هذا الصباح، كان متجهاً نحوَ مضيفها، متسائلةً عما إذا كان قد أفاق مبكراً حال من هم في مثله سنّه.
نهضت لتفتح نافذة غرفة النوم، فقابلتها شمس الصباح الألقة تدعوها ليومٍ من العمل الصعب. ثم ما لبثت أن وقفت على الشرفة، شامخة الرأس، مكتسيةً جلابة نوم محلية بسيطة. كون الشرفة تتسع لطاولة وكرسيين، فإنّ ذلك آزرَ من اعتقاد الضيفة بتنازل المسيو لها عن غرفة نومه: " إنه ما يفتأ محتفظاً بالكرسيّ الآخر، ليستعيد كلّ صباح ذكرى رفيقة حياته الراحلة "، قالت الخانم في سرّها. الشرفة، المستطيلة والقليلة العمق، كانت مسوّرة على الطريقة الإغريقية بأعمدة رخامية ناصعة، رقيقة وقصيرة. حديقة الفيللا الأمامية، كانت تقع تحت الشرفة مباشرةً، يفوح منها عبقُ الورود المزروعة في كلّ سنتيمتر من تربتها. حديقة أخرى، تقع هنالك في الخلف ( مثلما أُخبرتْ الخانم ليلة أمس من لدُن مُضيفها )، مخصصة لثمار وأعشاب المطبخ. المنظر المونق لحديقة الورود، مع ما يُضمّخها من العبق، شاءا حملها بعيداً نحوَ موطن جدّيها لأبيها، ثمة في ريف اللاذقية الشماليّ. هذا الموطن، المحصن بالصخور والغابات الطبيعية فضلاً عما أشاده البشر من القلاع، أخذ بالأمس جانباً من حديثها مع المُضيف العجوز.

*
" لعلكِ تقصدين قلعة القرون الوسطى الشهيرة، المسماة كراك دي شوفالييه؟ "
كان قد سألها، مُلتبساً عليه اسمُ " جبل الأكراد ". لم تفهم، بدَورها، أيّ قلعة يقصدها المسيو بلفظه الفرنسيّ. إلا أن الذاكرة سرعان ما أنجدتها، لترجع إلى معلومة أفادها بها جدّها يوماً: " قلعة حصن الأكراد، التي نمر بها في طريقنا إلى حمص، كانت من عمائر أسلافنا الأيوبيين. فلما استولى عليها الفرنجة، حرفوا اسم ‘ أكراد ‘ إلى شبيهه ‘ كراك ‘ بحَسَب نطقهم له ". المعلومة، لم تُدهش العجوز قدرَ ما أمدته بعزيمة لمواصلة السهرة مع هذه السيّدة السورية. قال لها مبتسماً: " أفأنتِ كردية، أيضاً؟ أعني بالطبع، اشتراكك بالأصل الواحد مع سكرتيرك السابق "
" نعم، وهوَ نفسه من أدخل في وعيي مفهوماً عن الأكراد، يختلف إلى حدّ بعيد عما عرفته عنهم من محيطي "، أجابته وقد سرّها أن يكون الحديث مدخلاً مناسباً إلى غرضها المعلوم. هزّ رأسه، علامة على الاهتمام. ثم عاد ليسألها مستغرباً، كيفَ جرى أنها لم تتعرف قبلاً على أشخاص من بني قومها. قالت متبسمة: " حينَ كنتُ أدرس في موسكو، لم يتسنّ لي مخالطة الزملاء الأكراد إلا بصورة عابرة. عموماً، نظروا إليّ بريبة وحذر كوني من مدينة اللاذقية ومحسوبة على بعثة الدولة. وعليّ كان أن أبادلهم مشاعرهم، طالما أنني أصلاً من أسرة شبه إقطاعية، محافظة ومعادية للشيوعية "
" لِمَ لم تختاري، والحالة تلك، بلداً غربياً للدراسة؟ "
" لم يكن من حقي الإختيار، سواء البلد أو نوع الدراسة. فإنني كنتُ أميل للأدب، ولكنني أُجبرت على دراسة الطب البشري. أنا لم أصبح إنسانة حرة سوى هنا، في المغرب. إنها حكاية طويلة، شائكة التفاصيل ". فلما قالت ذلك، شعرَ المضيفُ برنة الضجر تنثال من نبرتها. غمغمَ في تأثر: " آه، عُذراً على فضولي ". خشيةَ أن تكون نطقت شيئاً يقفل البابَ المأمول، لم تجد بداً من القول في عجالة: " علامَ تعتذر، صديقي؟ ". ثم استدركت قائلة والبسمة على شفتيها المخضبتين بأثر النبيذ: " بالمناسبة، يبدو لي أنك تعرفت عن قرب على فرهاد؟ ". ملامح العجوز، آلت إلى الرقة. الخانم، أحسنت صنعاً بسؤالها على ما يظهر. ضمّ كفيه إلى ناحية ذقنه الحليقة، متكلماً ببطء كمن ينتقي كلماته بعناية: " بلى، وقد أعجبني ما يتمتع به من خصال الكياسة والكبرياء. إلا أنني لا أراه سعيداً، وأتمنى أن يكون حدسي خاطئاً ".

*
هيَ ذي اللحظة المناسبة للصيد، ولن تتأخر " سوسن خانم " في رمي صنارتها المحمّلة بكسرة خبز إخباتها. أقتربَ وجهها الجميل من المضيف، بحركة عفوية توحي بطبعها المتسم بالتكتم والحذر: " لو سمحتَ لي، يا عزيزي، فإن لديّ ما أعرضه على صديقنا فرهاد. أعتمد عليك بإقناعه، أنّ خيراً له العودة للعمل عندي "، قالت له بصوت كالهمس. قبضَ الرجلُ على مَسنديّ الكنبة، وما عتمَ أن استوى على ساقيه الفارعتين. خطا نحوَ إحدى اللوحات المعلقة على الجدار، وكانت تمثل طفلة صغيرة ذات شعر بلون سنابل القمح الناضجة: " لعل ملامحها مألوفة لك، بالرغم من أنها تغيّرت الآن بالطبع ونضجت..؟ "، خاطب الضيفة من علو قامته وقد ارتسمت بسمة غامضة على فمه. الخانم، عرفت للفور أنه يتكلم عن مرافقتها السابقة. تمنت عندئذٍ لو تحدثه عن لوحة أخرى لهذه المرأة ( من رسم فرهاد بالذات )، تجسّدها وهيَ متجردة تماماً ـ كأفعى ناعمة الجلد.
" آه، نعم .. نعم! كيفَ لم أنتبه إلى أنها الشريفة، مع أن اللوحة لفتت نظري منذ الوهلة الأولى؟ "، أجابته وقد سطعت في شفتيها ابتسامة وإن تكن على شيء من القسوة والمرارة. عاد المسيو ليغرق في كنبته، وليخلد إلى صمتٍ يصيحُ بما في نفسه من أفكار. سحنته، كانت تتوالي عليها ضروب التعبيرات من كل لون. كانت تراقبه عن كثب، موقرةً انفعالاته ومتفهمة لها في آن: " ربما هيَ ابنته حقاً، وا أسفاه! ". لم يطل استغراقه في التفكير، فما لبثَ أن رفع وجهه الذي بدأ في الاصفرار قليلاً نتيجة الإفراط في السهر. قال لها بهدوء: " أبارك لك قرارك، لأنه سينقذ تلك الأسرة البائسة ". رشفَ ما تبقى من القدح، ثم أبعده جانباً وراح يلعق شفتيه على طريقة الأطفال مع الحلوى. استأنف القول، مضاء القسمات: " أرجو أن تتركي بطاقتك هنا، لكي يتصل بك فرهاد متى شاء ". فعلت ما طُلبَ منها. لما سحبت يدها من على سطح المكتب، كانت مرتجفة نوعاً: " لي طلب آخر عندك، صديقي. أريد أن يبقى الموضوع بيننا، نحن الثلاثة.. على الأقل في بدايته "، قالت ذلك محدقةً في عينيه. ولو حصلَ للخانم أن استدارت قليلاً، فرفعت بصرها إلى اللوحة، فإنها كانت حينئذٍ ستقرأ في عينيّ وشفتيّ صاحبتها ما ينمّ عن حسّ السخرية والتهكّم.

> مستهل الفصل الرابع من رواية " كعبةُ العَماء "