الفاتحة البيضاء في قصيدة -سأسلم التاريخ للأجدادِ- يوسف خليف

رائد الحواري
2018 / 2 / 21

الفاتحة البيضاء في قصيدة
"سأسلم التاريخ للأجدادِ"
يوسف خليفة
الفاتحة تشير إلى حقيقة الكاتب/الشاعر، إلى ما فيه، إلى ما يحمله في العقل الباطن، فعندما تكون الفاتحة بيضاء فهذا يعني أن الشاعر/الكاتب يحمل داخله الفرح وتمتلئ روحه بالحياة وما فيها من جمال، "يوسف خليفة" يتجه إلى الطبيعة التي ستمنحه فضاء رحب يستطيع من خلاله أن يعبر عما يحمله من فرح:
"فلتكتب الأمجاد عن أمجادي
***عن قلبي المشتاق حضن بلادي
عن زهرة الليمون تتقن عزفها
***للريح تطرب من قصيد سعادِ
الشام أمٌّ للبلاد قصيدتي
***واللوز والزيتون بوح فؤادي" نص مطلق البياض، فإذا ما استثنينا لفظ "للريح" نكون أمام نص مطلق البياض تندمج فيه الفكرة مع اللفظ ليعطي لوحة تنسجم فيها الألوان مع الفكرة، وهذا ما يجعلنا نستمتع بالقصيدة ونتماهى معها، فهي تمنحنا الفرح وتأخذنا إلى عالم من الجمال الأخاذ فيخلصنا/يبعدنا عن واقعنا المؤلم.
وإذا ما عرفنا أن كاتب هذه القصيدة هو شاب، يتأكد لنا أننا أمام شاعر يحمل داخلة الفرح ويسعى نحو الحياة بآفاق واسعة وبروح الانفتاح.
الانتماء والتوحد مع "أجدادي، بلادي، قصيدتي" يشير إلى أن الشاعر ينتمي للإنسان وللأرض وللفعل الحضاري (كتابة القصيدة) وهذا الانتماء يشير إلى التوحد يحمل بين ثناياه حقيقة الشاعر، حقيقة ما يحمله ـ في العقل الباطن ـ من انصهار كامل مع الإنسان والبلاد والكتابة.
والمذهل أكثر ان الشاعر يقدم مقاطع كاملة بيضاء، متحررا من الواقع، ومتجاوزا وقع الحال الذي يعيشه، فهو هو خارج الزمن والمكان؟ أم أن "يوسف خليفة" شاعر يستطيع أن يتوحد مع ذاته كشاعر يمتلك المشاعر المرهفة والاحساس الهادئ، بحيث يستطيع أن يكون ذاته، وذاته فقط، بعيدا عن تلوث الواقع وتشويهات المحيط؟:
"كم كنت أسعى نحوها أدعو لها
***بالخير والأفراح دون حدادِ
كانت تمدُّ إليَّ كفَّ قداسةٍ
***لأشمَّ مسك عبيرها الأخاذِ
وأقبل الكف الطهورةَ مُقبِلًا
***وكأنني أمشي إلى ميلادي
والقهوة السمراء أعشق لثمها
***صبحًا مساءً دون أي بعادِ
عربية هذي المنابر قبلتي
***في كلّ مئذنةٍ أرى أجدادي
كنعان ينحت ظلَّنا بشموسهِ
***بحروف مجدٍ نورُهُ الوقادِ
كم من ممالكَ ثبَّتت عمرانها
***بالخيل والآداب والأجنادِ"
تعمدت أن اضع المقاطع كاملة مرة واحدة لنتأكد بأننا أمام شاعر استثنائي، شاعر يستطيع أن يتحرر ويتجاوز الواقع، فيتماهى مع ما يريد، ويكتب ذاته، بالطريقة والشكل الذي يريد، واعتقد بأن هذا البياض والذي جاء بهذا الحجم وهذا الصفاء لا يصدر إلا ممن يكتب بروح الأمل، وما يدهشنا أننا أمام روح الشباب، الشباب الذي من المفترض أن يتأثر بالواقع أكثر منا نحن الشيوخ، فيكون أثر الواقع عليهم أشد مما يجعلهم يستخدمون لغة القسوة والغضب وبالصوت العالي، لهذا نقول أن "يوسف خليفة" قدم شيء استثنائي بالنسبة لعمره وبالنسبة للواقع.
بعد هذه المقاطع، يبدأ أثر الواقع على الشاعر يأخذ مجراه، فنجده يسقط الفاظ غير التي وجدناها فيما سبق، وهذا أمر طبيعي، فأي شاعر لا بد أن يترك واقعه اثرا عليه:
"مصر الحبيبة نيل موسى عينِيَ
***دمعي يسيل غمامةٌ بوسادي
شريان قلبي من فرات عراقه
***يجري يعانق دجلة الأكبادِ
ويمامةٌ فوق الصليب حزينة
***تبكي المسيح بليلة الآحادِ
تبكي جنودًا يُتَّمًا من قوة
***وسلاحهم صمتٌ من الأصفادِ
حملوا قنابل بؤسهم فتفتحت
***بوجوههم نارا من الأحقادِ
كم رايةٍ رفعت بغير أوانها
***كرصاصةٍ خرجت بغيرِ زنادي
فلتكتب الأحزان عن طفلٍ هوى
***جسدا قتيلًا دعوة لجهادِ
هم من يَحيكُ سرابنا بنبوءةٍ
***تطغى على الألباب والأجسادِ
كانوا صغارًا والدموع رغيفهم
***من أثقل الأوطانَ بالأوغادِ
طيرٌ على كتف المسافة متعبٌ
***يرنو ليقطف نجمةَ الآمادِ
إبليس ما عاد الذي متربصٌ
***بالنور يعلو جبهةَ العُبّادِ
إبليس أخرج أمَّتي من حجرهِ
***أعطى وصايا الشرّ للأحفادِ
ودمُ الخلافة دسَّ في عرق الخنا
***عرقٌ خبيثٌ من دم القوادِ
والشيخ صار كبائعٍ مُتَجوِّلٍ
***يخفي نذير الشؤمِ بالأغمادِ
وطني يباع جريدةً يوميةً
***خبرٌ كذوبٌ عن مصير بلادي
وحروبنا فتنٌ تكدر عيشنا
***قتل تعدى قدرة التعدادِ
سأرتُّل البيت الاخير بركعة
***وأسلِّم التاريخ للأجدادِ
وببسمةٍ تخفي مصائرَ خيبتي
***ألقي القصيدة قاتلًا أنشادي"
إذا ما توقفنا عند الالفاظ السوداء والمضامين القاسية والمؤلمة نجدها تبدأ بالتدريج، وكأن الشاعر يراعي مشاعر القارئ، فلا يريد أن يرهقه بتقديم الواقع الأسود مرة واحدة، وهذا يعد ذكاء من الشاعر الذي يراعي مشاعر واحساس المتلقي.
اعتقد بأن مثل هذه القصيدة تستحق القراءة لما تمنحه من متعة إن كان على مستوى المضمون أم الألفاظ، وحتى أننا نجد المقاطع الأخيرة القاتمة والتي جاءت على دفعات ولم تقدم دفعة واحة تجعل القارئ يشعر بأن الشاعر يحترم مشاعره، وهذا الشعور يخفف من حدة السواد والقتامة التي جاءت في الألفاظ والمضمون.