اللوثرية وتجديد الإسلام تنويرا

عباس علي العلي
2018 / 2 / 20

قرأت قبل يوم حوارا دار بين بعض المتشاركين حول مفهوم اللوثرية والإصلاح الديني وعلاقة ذلك في التجديد والتنوير الإسلامي، وما لفت نظري الطروحات التي قدمها أحدهم بأن لوثر قد أطاح بكل ما أضافه رجال الدين المسيحي على أصل الأنجيل ككتاب منزل من الله وهو الخامة الأساسية التي يمكن البناء عليها من جديد، وبالتالي فهو نجح بفصل الدين كعطاء سماوي عن الفكر الديني كقراءة بشرية متغيرة ومتبدلة قد لا تتطابق مع الأنجيل ولا تماهيه بالضرورة وهذا هو سر نجاح دعوته، وخلص إلى نتيجة أن اللوثرية لا يمكنها أن تنجح مع الإسلام كحل لأن الأصل الديني وهو القرآن بذاته مجردا من الفكر الإسلامي اللاحق بيئة فكرية مليء بالكراهية ودعوة القتل وتجريد المرأة من حقوقها الإنسانية، وعليه أما أن نرفض القرآن وما فيه جملة وتفصيلا بأعتباره حالة ميئوس منها ولا تقبل الإصلاح أصلا، أو نتبنى حلولا ترقيعية لا يمكنها في أي حال أن تنجح في أصلاح الدين والفكر الديني على أي حال.
الغريب في مثل هذه الدعوات أنها تصدر من عقول وأفكار لم تدرس الدين ولم تفرق بين ما هو قراءة له وبين ما هو أصل فكري فيه، وبالتالي مجرد أن قرأ كلمة القتل أو نظر إلى نص (للذكر مثل حظ الأنثيين) جزم قاطعا أن الإسلام يدعو للقتل ويجرد المرأة مثلا من كينونتها الإنسانية، وبالتالي فوجود هذه الكلمات والنصوص خارج النظرية العامة لها تعني له أن كل ما في القرآن أو في جوهرة الفكرة الدينية هو تطبيق لا بد أن يعمم ويكون الصورة التي لا بد أن نظهرها كأنها حقائق لا جدال فيها، والغريب أيضا في تلك الحورات أنها تركز على قضايا تفصيلية في نسق متكامل يجب أن ينظر لها بالعمومية وبموجب قواعد حاكمة لا لمجرد أنها وردت في الكتاب المقدس، وحتى أكثر الدساتير التي يعتز بها هؤلاء وبفخرون بها على أنها راعت حقوق الإنسان نجد أن هناك قواعد وأخلاقيات نظامية تحمي المجتمع والإنسان من فعل الإنسان حينما يخرج عن أسسها وفلسفتها.
لو عدنا على النغمة المتكررة دائما في مثل هذه الحورات وهو أن الدين الإسلامي وتحديدا القرآن كنص مليء بعبارات القتل والحرب ورفض الأخر المختلف دينيا، وحاولنا أن نفهم القاعدة التي يقوم عليها قانون الحرب والقتال قبل أن نطلق لأقلامنا أعتة الكتابة والتسطير وبروح حيادية ليس دفاعا عن القتل ومشروعيته أو دفاعا عن موقف ورد في جملة سياق عام، سنجد أن الرؤية الإسلامية تتركز على ثلاث محاور أساسية تشكل القاعدة التي يجب أن نتكلم فيها ونفهمها قبل أن نهاجم النص مجتزأ، هذه القواعد هي:
• دعوة الإسلام الأساسية هي السلام وأحترام حق الحياة وأشاعة مبدأ أن الوجود الإنساني في الحياة هو عبارة عن فسحة لأثبات القاعدة الأولى (وأدخلوا في السلم كافة)، الخطاب هنا موجه للإنسان مجردا وليس للمتدين حصرا، مصطلح الكافة يعني دعوى عالمية للسلام وحق الحياة لجميع أفراد المنظومة البشرية بغض النظر عن كون المخاطب مؤمن بالدين أو كافر، فالقاعدة أذا أدخلو في السلم والأستثناء هو خلاف ما يدعو للسلم من كراهية أو رفض أو أنتماء (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر).
• تحريم قتل النفس الإنسانية أيا كان الدافع وأيا كان الفاعل إلا من خلال ما هو ضد المبدأ ذاته (لا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق) والحق هنا هو الملتبس عند من لا يفهم حدود المعنى، فمثلا لو عدنا لبعض النصوص التي يذكرها البعض (قاتلوا الذين يقاتلونكم) أو (أقتلوهم حيث ثقفتموهم) أو (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ) وغيرها من النصوص، فهذه كلها مرتبطة بعلة واحدة هي الدفاع عن النفس أو الدفاع عن المجتمع في وجه من يريد له التخريب أو يريد له الظلم، فالحق هنا مبني على حماية الحق الأصلي وهو حياة الإنسان وحماية السلم والسلام، وهذا المبدأ إنساني بالتمام والكمال ولا عاقل يمكنه أن يقبل بالظلم أو الأعتداء ويمنح الظالم والمعتدي عصمة من التصدي له أو مواجهته، فالحق أذن يتمحور حول مفهوم البقاء تحت خط حق الجميع في الحياة.
• قاعدة الضرورات تقدر بأمثالها ولا يجوز تجاوز الضرورة أو حتى أفتراضها ما لم يكون الفعل حادثا، فلا قتل على النية ولا قتل على التفسير الأعتباطي ولا قتل على ما يخالف القواعد الأساسية على أفتراض أن النتائج ستكون ضد الحق، هذا المبدأ لم تصل له كل العقول البشرية لليوم، ونحن نشهد الكثير من تطبيقات الظن والأفتراض وما يسمى الآن بالحروب الأستباقية وأعطائها المشروعية، النص الديني يقول (ولا تزر وازرة وزر أخرى) فلا يمكن تشريع القتل أو القول والعمل به ما لم تتحقق أولا الفعل المخالف للحق وأظهاره بما يشكل خطر حقيقي لا يمكن تلافيه، العقل الإنساني يقول ويقر هذا المبدأ أما خلافه ومنها دعوة الكراهية ورفض الأخر والأقصاء الفردي والجمعي للأشخاص والأفكار لأنها ستمثل خطر محرم في الإسلام ومنهي عنه.
هذه القواعد الثلاث تشكل نظرية القتل أو مواجهة الخارج عن السلم والسلام وحق الإنسان في الوجود، والتي لم نجد نظيرا لها اليوم في كل الشرائع الدينية أو الوظعية أو حتى في الفلسفات المثالية التي دأبت على طرح قضية التناقض بين الإنسان والدين، نعود أذا إلى موضوع اللوثرية وعلاقته بالإصلاح الدينب وإمكانية تطبيق المنهج في محاولة التجديد والتنوير، ولا بد لنا في هذه المقالة القصيرة أن نشير إلى مسألتين مهمتين وأساسيتين في الدعوى اللوثرية وهما:
1. أن الدعوى اللوثرية برغم نجاحها في فصل الدين كفكرة عامة عن الفكر الديني كقراءات ومحاولة العودة للجذر الأول، إنما عاد لوثر إلى واحد من أشهر أربعة أناجيل مطروحة على أنها الأصل وبالتالي فهو أنتصر لقراءته الخاصة التي أختارت واحدا من هذه الأناجيل، فهو منحاز من جهة أخرى لصورة مسبقة ومقدمة يحرص على أعطائها مصداق الكلية، أما لو تهيأ للإسلام شخص يمتلك ذات الروح فهو سيجد أمامه نسخه واحدة من القرآن لا خلاف عليها وبالتالي فهو يعود لأصل كامل وليس لأحتمال واحد من أربعة أحتمالات.
2. إن تطبيق المنهجية اللوثرية سيكون سهلا ويسيرا مع القرآن الكريم نظرا للبناء النظمي والفكري فيه وسهولة أن نستخرج القواعد العامة النسقية التي تتحكم بالقواعد العامة إذا ما تركنا خلفنا كل ما تراكم من الفكر الإسلامي اللاحق بنقائضة وتشعبه والتحريف الأعتباطي والمراد أختيارا وتعمدا، فالمنهج اللوثري هنا ناجح تماما في إمكانية فصل الدين عن الفكر الديني بشرط التجرد التام عن المذهبية والخلاف السياسي والفئوي الذي عصف أصلا بكل ما تم تبنية من قراءات بعد القرآن.
لا أظن أن هناك معرفة تملك من الإنسانية وتقدير الذات الإنسانية بقدر ما يملكه القرآن نصوصا وأفكارا إذا تعاملنا معها بروح أكتشاف المعرفة وليس بروح الأنتصار لفكرة خارجه عنه أو مفترضة سلفا عنه، نصوص مثل (ومن أحيا نفسا كأنما أحيا النس جميعا) و (أدعوا إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة وجادلهم بالتي هي أحسن) وأعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) ونص (كل نفس بما كسبت رهين) و (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ) والعشرات بل المئات من النصوص التي تمجد الإنسان فردا وتعتبر الدين وسيلة للإصلاح والتعمير وأسناد المجتمع لسلوك طريق الخيرية والأحسنية، قادرة لوحدها أن تبعث الأمل في أعادة نمذجة الفكر الإنساني نحو الفضيلة والسلام والحرية بعيدا عن الأهواء والميول الحسية والقراءات الأيديولوجية التي ترى في كل ما هو ديني وحتى لو كان إنسانيا مجرد طوق وحد للحرية خارج منظومة النظام الشمولي الكوني المبني على التكامل والسعي إلى الكمال البشري المنشود.