ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثالث 5

دلور ميقري
2018 / 2 / 19

سألها الرجل العجوز، لما وجدا نفسيهما في خلوة المكتب، إذا كانت ترغبُ بالشراب. ثم ما لبثَ، دون انتظار جوابها، أن تناول زجاجة نبيذ من خزانة فترينا تذخر بأخوات لها. منظره، وهوَ يتولى شؤونَ الضيافة دونَ معونة من أحد، أوحى للضيفة بكبرياء نفسه أكثرَ منه حيوية جسده.. حيوية، كان ما يفتأ محتفظاً بها، ولا شك، على الرغم من تجاوزه السبعين. لقد جعلها تدرك مدى عجزها عن تدبير هكذا أمور، على سهولتها وبساطتها، طالما أن ثمة من يخدمها آناء النهار والليل: المرافقة الجديدة، التي خلفت الأولى مذ بعض الوقت، كانت عندئذٍ تنتظرُ خارجَ المكتب أيّ إشارة من سيّدتها كي تهرع سريعاً لتقديم ما تطلبه. ولكنها المرافقة تلك، الأولى، مَن عادت الآنَ لتشغل بال " سوسن خانم " مع كلّ ما يثيره شخصيتها الثعلبية من نفور يصلُ حدّ الاشمئزاز. لقد تجشمت الخانم مشقةَ تجاهل تلك المشاعر، سبيلاً إلى استرداد مَن كان سكرتير مكتبها السابق. بعد ذلك، سيكون بإمكانها تقديم العرضَ المأمول لكليهما؛ " فرهاد " الطيّب وامرأته الماكرة.
" يُدهشني شعورك بالأمان في هذه الضاحية، وأنتَ بلا مدبّر منزل أو حتى مجرد خادم؟ "
استهلت نغمةَ المُداورة، المعتادة، حينَ تودّ الإفضاءَ بما يشغلها حقاً. قبل قليل، أنهت مع مُضيفها مساومةً سريعة تتعلق بشراء عدد من لوحاته. الأميرة، كما ألمعنا في مكان آخر، كانت هيَ واسطة الصفقة بينهما. " سوسن خانم "، بدت لفترة كأنها سَلَت الموضوعَ. على أنها بادرت منذ يومين للاتصال بالمسيو، آنَ رأت في ذلك فرصة سانحة لتحقيق مأربها، المعلوم. وهوَ ذا يجلس الآن في مقابل ضيفته، مُكتسٍ سترةَ سهرة بيضاء اللون، متهيئاً لإجابة تساؤلها. قال لها بصوته الفرنسيّ، الأصيل: " شعورُ الخطر، غير لائقٍ بمن هم في مثل سنّي. لما كنتُ شاباً، وأكثر إقبالاً على هذه الحياة الفانية، فإنني لم أستغنِ يوماً عن مدبرة منزل حتى مع وجود امرأتي "
" أظنك تعني والدة مرافقتي السابقة، أليسَ كذلك؟ لقد حدثتني الشريفة فيما مضى عنك، وأنها كانت تعتبرك في صغرها بمثابة الأب.. "، عادت الخانم، دونما وعي، لتنكأ جراح الماضي. على أنها انتبهت للأمر، لتستدرك حالاً: " وإنني أعتبرها مصادفة أخرى، فيما لو فكّرنا بقائمة الأصدقاء المشتركين ".

*
لاحظت أنّ وجه هذا العجوز، الطفل، قد اصطبغ باحمرار خفيف، حال المرة الأولى حينَ لمّحت فيها إلى صلته بتلك المرأة. ولم يكن استدراكها القول، سوى محاولة متأخرة منها كي تجنّب الرجل العجوز مغبّةَ الحرَج. على أنّ مرافقتها خففت عنه نوعاً، عندما أجازت لنفسها اختراق خلوتهما. تمايلت بجرمها الضخم عند مدخل الحجرة، لتخاطب سيّدتها بكياسة وليسَ بدون ارتباك: " كأني بك تطلبينني، يا سيدّتي..؟ ". فقاطعتها الخانم من فورها، قائلة مع ضحكة متكلّفة: " بل إنّ ذلك، يا عزيزتي، أضغاث حلم ثقيل سبَّبه إفراطك بنهش الطرائد المشوية! ".
على أثر انسحاب المرافقة، كان المضيف ما ينفكّ متجهّمَ الوجه. المرحُ فارقها أيضاً، مُخْلياً المكانَ لنوعٍ من تأنيب الذات. فلئن تفوهت مجدداً بأشياءَ تمسّ مشاعرَ الرجل، فإنّ ذلك سيؤدي إلى صبّ مياه آسنة في بركة مهمتها. راقبته وهوَ يرشف شرابه بين فينة وأخرى. ما عتمَ أن أعتدل قليلاً في مجلسه، ليتكلم بنبرة غائمة: " قلتِ لي، أنها لمصادفة سعيدة أن نعرف نفسَ الأصدقاء؟ وإنني أعدّها كذلك، بغض الطرف عما تثيره فيّ من حزن، ذكرى العزيز غوستاف ". لم يخفَ عليها، ولا مِراء، تجاهله إشارتها لوالدة " الشريفة ". ثم استأنفَ العجوز كلامه، ملقياً عليها نظرة ثابتة: " لم أعرف الكثير عنه خلال سنواته الأخيرة، وذلك بسبب تنقلي غالباً بين هذه الضاحية ومدينة الصويرة. أيضاً لم تسنح لي فرصة لقاء امرأته تلك، القاتلة. ولكنني أظنها، كشقيقها فرهاد سواءً بسواء، ضحية ضغوط الحياة القاهرة "
" لقد دفعت المسكينةُ الثمنَ، على أيّ حال. فيما أنّ الجاني الحقيقي ( رجل الشريفة الأول )، ينتظرُ أيّ عفوٍ ملكيّ قريب لينعم بحريته "
" آه، إنك تقصدين سيمو..؟ "، هتفَ المضيفُ ماطّاً اسمَ المعنيّ كما لو أنه ذكرى مثيرة للمرح. ولكنه عادَ ليقول بلهجته الجدية: " لقد عرفته جيداً، كونه خدم هنا في الضاحية كموظف في بلديتها. ثم ما لبثَ أن انتقل، بعيدَ اقترانه من الشريفة، إلى منزلٍ في المدينة لا يعلم إلا الله كيفَ اشتراهُ براتب موظفٍ صغير..! ". عقّبت ضحكةُ الخانم على جملة العجوز الأخيرة، المتدفقة بغير تروٍ. ذلك، كان على غير مألوف طبعه المتحفّظ؛ هوَ المتمسك بمسلك الرجل الأوروبيّ، وبصرف النظر عن إصراره على تقمّص الروح الشرقية.

*
عاودَ المضيفُ التفرسَ في ملامح الخانم، قبل أن ينتبه لكونه قد أطلق فعلاً تعبيراً طريفاً. عند ذلك، ابتسمَ عن أسنانٍ ما تفتأ قوية نضيدة وبيضاء. ثم استطردَ في الحديث عن " سيمو "، بعدما أفرغ بقية القدح في جوفه: " كان منذ البدء شاباً شديدَ النشاط، يدفعه طموحٌ جامح للارتقاء إلى مصافي أهل الثروة والجاه. إنّ الاستقامة والطموح لا يلتقيان في هذا الشرق، مثلهما في ذلك مثل قضيبَيّ سكة القطار. أقول ذلك، مع أنني تعلمت هنا في المغرب درساً مهماً لكل أجنبيّ مقيم: عدم دسّ الأنف في شؤون السياسة والدين "
" ولكنك على حدّ ما أعلم، تعدّ مواطناً بحملك جنسية البلد علاوة على إعلانك إسلامك؟ "
" أجل، إلى حدّ ما. إنني إلى ذلك، مسجّلٌ في بطاقتي الوطنية باسمٍ عربيّ. ولكنني بقيت أعتبرُ نفسي إنساناً حراً، شأني حينما كنتُ لم أزل فرنسياً كاثوليكياً. فأراني بمنأى عن طقوس الإسلام، أو أفكاره كدين له حق السيطرة على أمور المجتمع والدولة. أعجبتُ بالإسلام، وما زلتُ، كعامل إيجابي لاستمرار التنوع الثقافي والتعدد الإثني. مع أنّ كثيرين لا يرون الأمرَ كذلك في الآونة الأخيرة، الشاهدة على نمو نزعة التزمت والتطرف إن كان في الدول الإسلامية أو جالياتها المتوطنة في الغرب ". فلما انتهى المضيف من كلامه، فإنه نهضَ إلى جلب زجاجة أخرى كي يُترع الأقداحَ بالمزيد من النبيذ المعتق، الموصّى عليه خصيصاً من معاصر موطنه الأول. شاءت الخانم عندئذٍ تنميةَ حديثِ الذكريات، وصولاً إلى الثمرة المطلوبة. جوّ الحجرة، كان قد غدا ولا غرو أكثر دفئاً بفضل هذا الحديث الحميم المحوّط ببركة الشراب. قالت لمضيفها وهيَ تحملق عبرَ نافذة الحجرة في شبح الليل، المهيمن على كل شيء خارجاً: " لقد تأخرَ الوقتُ كثيراً، وحان موعد العودة إلى المدينة ". جواب العجوز اللبق، لم يتأخر كما توقعت ذلك سلفاً: " ستبقون الليلة في ضيافتنا، كيلا يفوتكم مناظر الضاحية الرائعة في ضوء النهار. كما أنني أرغب أن نؤجل إلى الغد تسليمَ اللوحات المطلوبة، وأن نستمر في سهرتنا إلى أن يحلّ الغلسُ المبشّر بالفجر "، قالها مستخدماً لأول مرة صيغة المخاطبة بالجمع في فرنسيته الأصيلة.