أنطولوجيا الحب: هل نحتفل بالسر؟!

سامي عبد العال
2018 / 2 / 19

إحدى مفارقات الحب أنَّه يتيح لمن يلامسه بُعداً رومانسياً وحلماً يضعانَّه ضمن الحياة بشكل مغاير. فلا يوجد حب ميت، أو حب يحيل إلى الموت. لكن قد يكون الموت بالنسبة إليه تجريةً تشبه آثاره. أي أن خلوص الحب لذاته ولطرفيه أمر باتٌ ولا رجعة فيه. وإلاَّ لما سُمي باسمه ولما أبدى دلالاته كأنَّها أسرار لا تحتمل انكشافاً. كلُّ حب حقيقي ينطوي على غموضه الخاص أو لا يكون. وهو غموض شامل كلما حاولنا معرفته ازداد بعداً وروغاناً. حيث يأخذ أبنية الإيمان والتوهم والتخيل والقلق واللا يقين.

ربما يتضح هذا من عبارات مثل: " الحب حتى الموت... أو العشق موتاً ... أو مصارع العشاق" كما لدى المتصوفة وأصحاب الروحانيات. لأن بنية الحب بمثابة التأجيل المتواصل لكل الحدود والفواصل. إنَّه وحدُّه نسيج من اللا زمن، من اللا مكان إذ يتطلع طرفاه لأحواله معاً. وذلك يثير قضايا تقصده مباشرة: هل الحب قابل للاحتفاء به؟ ماذا لوكان تجربة خاصة يتعذر تعميمها بسهولة؟ أيستطيع من هو خارج تجربته أن يدرك آثاره؟ كيف يتحدث عنه من لا يشعر به ولا يصعد إلى مستواه ؟

في الحقيقة أنَّ تلك النقطة تضع الحب تحت التهديد من الأغيار. تجعله كموضوع أمام من يتربص به سواء أكان إنساناً أو كائنا مفارقاً أو حالات تلاحقه. وحتى إذا اختلط بدلالات مغايرة له، فإنَّه يبقى هادفاً إلى غاية أخرى. كالحب بفعل الـ" نحن " لا الأنا- أنت ضمن طقوس اجتماعية قائمة على علاقات قرابة أو مصاهرة أو نسب. وأيضاً كالحب اللاهوتي أو المؤسس على قاعدته. فيتم اللجوء إليه لنيل الرضا من الرب، ويصبح طريقاً لتجنب غضبه وجني ثوابه بالآخرة.

والحب هنا بذرة داخل تجربة انسانية اسمها التجربة الدينية. وبالتالي يُحال إلى قوام ومقصد سواه. وتلك أخطر حالات الحب: أنْ يكون هدفه غير ذاته تحديداً. فمالم يجد اشباعه في الآثار التي هي كل حضوره سيكون فارغاً من قواه. ولا سيما أنَّ الحب ينشط مع دوافعه وقدراته وقوامه الجواني. إنه يتبلور من جوانية بلا خارج، بلا باعث واضح يشدَّه إلى غيره. كالنباتات الليلية التي تنمو في الظلام أكثر من الظهور نهاراً. وعلى هذا الغرار يتخلق الحب في إضمار التجربة وتكوينها النوعي دون تدخل.

وبالتالي فإن كل حب إنساني يحمل – بذات الوقت – انفتاحه الخاص. بمعنى أنه مطلق ولا نهائي في مستواه. ويكاد العاشقان لا يلامسان الأشياء، ليس من فرط بعدهما عنها، لكن بفضل أنهما موجودان في واحد. الكل في واحد من أقصى نقطة إلى أدناها. بكلمات تالية هما على وعدٍّ دائم بكونهما كذلك. ولن يكون الواحد منهما أحادياً تبعاً لقانون الهوية الأرسطي، بل الواحد اختلافاً وقرباً وبعداً وتبايناً حتى الاستحالة.

الحب لا يعطيك فرصة للإمساك به متلبساً. إنه يراوغك، لأنه ليس أنت، وليس هو، وليس نحن، وليس هما، وليس هؤلاء. إنه جميع ذلك في علاقة معقدة لا تنفصم بسهولة ولا تنفرط. والإشارة إليه بضمير الغائب لاتعد صحيحة شعورياً. لأنه في تلك الواقعة حالة حية سائلة أنت جزء منها. إذ لا يغيب حتى يكون، ولا يحضر حتى يأتي، ولا ينتظر حتى يغدو مستقبلاً.

والمحب لا يريد سوى شعوره بهذا الامتلاء المختلف. بالأحرى لا يود أن يرى غير المحبوب. فالعاشق هو المعشوق، لأنَّ العلاقة أكبر من أن توصف بأبجديات غريبة. ومشكلة من هم خارج التجربة أنَّهم لا يرونها ويقعون في محظورها باستمرار. فالخارج في تلك اللحظة لا قيمة له أنطولوجيا، حيث يقف بالمكان الزلق، ويراقب الأوضاع من بعيد مهما أوتي من قدرات الإبصار والمتابعة. هو خارج الخارج... ولا أمل هنالك في عودته إلى الداخل.

والخطأ كل الخطأ أنَّ كل حب أما أن يصل إلى درجة الكفاية من موضوعه أو يزبل. والكفاية هنا لا تكون حداً، بل شغفاً وطاقة على الانفتاح المستحيل. ولذلك لا يرتوي المحب مهما حاول، ولا يتوقف عند أسوار وجوده. بل يشعر كأنَّ العالم كله قد تقلص في تجربته كما أن ذات العالم قد طاله بعضٌ مما يشعر به. ولذلك يشكل الحب موضوعاً لذاته في تلويناته وتقلباته وإيقاعه وانتظاره الزمني. والأخير لا يعني بالضرورة تحقيباً لفترات، فدفق التجربة ينهي الوعي بالتحديد. أي هو كل الزمان بأطرافه وتفاصيله لدرجة أن إمكانية الانتساب إلى وضع معين تصبح عصية على التحقق.

بدليل أن المحب لا يكف عن التوحد بموضوعه، بالطرف الآخر( خيالاً، شعوراً، حساً). لكن الوضع هنا ضد حركة الأشياء التي نقابلها. فالحلم يزيل كل الغلظة والخشونة والمزاحمة تجاه العالم. إن أي حب هو احساس بأطياف الواقع وقد تخلصت من أوزانها تماماً. فتأتي كما لو كانت ظلالاً لا تُلمس ولا ترى ولكنها تقتحمنا في صورة " كياننا " الآتي بعبق الآخر، بماهيته، بحاجتنا الضرورية إلى معيَّته. والإدراك سيكون بالكيان جميعاً، المحب ينظر بجميع حواسه، يدرك بأدق تفاصيله( أي تفاصيل كيانه) وأبعدها عن المعرفة.

ولعل الأسئلة السابقة تبحث بصدق عن قدرة الإنسان تجاه موضوعه( الحب). لأن الحب لا يخضع للاحتفال بمعناه الزمني ولا الطقوسي ولا المادي. فهو بالاحتفال ربما يأتي عرضاً وقد يتسرب من التمثيل به في شكل صنم أو موعد أو مناسبة أو يوم ضمن التاريخ. ولاسيما إذا كان عيده يوثق شعاراً وتمنياً واحتفاء بموضوع غير قابل للتحديد. في الحقيقية إننا لا نستطيع إلا الاندفاع وراء أطيافه وأشباحه. هل نفتش في أجندة الزمن بحثاً عن مسرات بينما الواقع يسقط من قدرتنا على تغييره بنفس الوسيلة؟

دوما مع كل عيد للحب، ليس المقصود الاحتفال بالحب ذاته، بل بماذا يمثل هذا الحب؟ وكيف كان وسيكون تكراراً؟ لأنك لو احتفلت به حصراً سيدخل الحب في وضع افتعال. وهو ايقاف الوقت حتى ننتبه، كأنَّ الاحتفال يقول: هاهنا موضوع مهم عليكم جميعاً تأكيده في أذهانكم، عليكم تكراره، عليكم الاهتمام بمن تحبون. بينما المفترض أن يكون الأمر هكذا تلقائياً وأكثر من ذلك بحكم الاتساق مع الحب!!

وإذا جاء الحب تكراراً فقط، لسقط في فخ التعادل بين طرفيه بموجب حالة ثالثة( المشهد العام). فالحالة التي يجسدها توجد بين طرفين كلاهما ينظر بعين الحب( المشترك ) إلى الآخر. وحين يتسرب إلى صميم الحميمية نزوع التعميم تتشوه العلاقة. ولذلك هناك دوما في الحس الشعبي فكرة العزول ( الحاسد، الكاره، المتحين لفشل العلاقة، العامل على افساد الخصوصية وإفشاء الأسرار).

وعلى افتراض الظهور بالنسبة للحب، فليس الأمر وضوحاً ولا تعيناً بل تجلٍّ. فقط الحب يتجلى إلى الآخرين بطريقته غير المبررة. والاحتفال يحتاج إلى سبب كاف لتجليه، وهو في هذا أشبه ببعض النباتات التي لكي تخرج عصارتها المتميزة يجب إدماؤها( سلخها) حتى تخرج ما تحت لحائها. فأشجار الصمغ العربي لا تنتج صمغها دون الجروح والتسلخات والحزوز والقطوع. عندئذ يسيل الصمغ كسوائل تغطي مناطق التعرية والظهور. الحب كذلك حتى من جانب الوعي البراني لحقيقته وتراكمه. لأن جذوره تضرب بعيداً في إحالة إلى عالمها السري. وهو فضاء لإيمان لزلق بلا ديانة ولا اعتقاد ولا آلهة.

إن ظهور الحب كإعلان اجتماعي نوع من الإدماء لجسد العلاقة الخاصة. بحيث يكون طرفاه قادرين على الانكشاف أمام الآخرين. وبهذا غالباً ما يكون عرضة للقيل والقال. وطوال تاريخ الثقافة العربية فإن سير المحبين والعشاق تتلقفها الألسن والحكايات والأساطير السردية دون توقف. والحب في الوقت نفسه يبرر ظهوره بنوع من التحدي وإدامة العلاقة. لأنه تجربة أيضاً في تحدي السقوط من أعلى. أعلى الفكرة، أعلى الشعور، أعلى العاطفة، أعلى الحياة المرغوبة. والأعلى هنا ليس ميتافيزيقياً لكنه بشري مشبع بالأهواء والإحساسات والرغبات. ومن ثم فإن أي احتفال بالحب( أو عيد الحب) شيء آخر بعيون أخرى.