إنهم يسرقون العراق....

عباس علي العلي
2018 / 2 / 18

في نظريات المؤرخيين الأثاريين وأغلبهم مرتبطون بمقدمات نظرية وفكرية لها مساس بالعراق وتأريخه الخاص ولهم وجهة نظر لا بد أن تفرض منهجيا ويراع التكرير فيها لتثبيتها كوقائع تاريخية لا تقبل النقاش، مفاد هذه النظريات أن العراق كأقليم جغرافي وبيئوي كان خاليا من السكان أو شبيه بالخلو مع خصوبة تربته وتوفر كل أشكال الحياة المدنية فيه واللازمة لنشوء حضارة ومجتمع إنساني قادر على النبوغ، وأن كل الأقوام التي سكنوه بعد ذلك ومنهم على الخصوص السومريون إنما وفدوا له من خلف الحدود، وهم أقوام نازحة غريبة عن جنس ما موجود في العراق من تجمعات بشرية إذا وجدت وحملت معها أولى بذور الحضارة، السؤال الذي يثار هنا هل أن هؤلاء النازحون الغزاة كانوا أصحاب حضارة قبل حضارة وادي الرافدين وأين هي وما هي أثارها وشواخصها اليوم؟، أو لماذا لم ينشأوا أصلا حضارتهم في بلدانهم الأصلية التي بقيت إلى وقت متأخر غريبة عن الحضارة وغريبة عن المدنية.
فعندما يتحدثون مثلا عن الحضارة الهندية او الصينية أو الفارسية يقولون أن الهنود والفرس والصينيين هم من نجح في بناء حضارتهم الخاصة، وأنهم أي هؤلاء الأقوام بقيت سلالالتهم التأريخية تجدد ما أندثر منها ولم يفد إليها لا غزو ولا هجرة ولا حروب فبقى الصيني صيني منذ فجر التاريخ والهندي والفارسي كذلك، لإنهم شعوب نقية وأصيلة أما حين يتكلمون عن حضارة وادي الرافدين وتاريخها ونشأتها فيقولون أن الأقوام الغازية هي التي بنت الحضارة الرافدانية وليس العراقيون الأوائل، وأن العراقيون اليوم هم من سلالات وفدت من اليمن والجزيرة العربية أو من البلاد المجاورة، أما العراقيون الذين سكنوا العراق من الذين بنوا الحضارة فقد أندثروا وأنقرضوا ولم يعد لهم أثر في الوجود، مع العلم أن اللغة والعادات والسلوكيات التي يمارسها العراقيون الآن ما زالت تنبع من جذورها السومرية والأكادية والبابلية والأشورية قبل خمسة ألاف سنه قبل الميلاد مما يدلل على أصالة وحضارة ومنعة هذا الشعب العظيم الذي لم ينقطع عن جذوره رغم التلاقح والتفاعل مع الموجات القادمة والتي أستوعبها وصهرها في بوتقته العراقية.
هل هذا الموقف التأريخي إن أمكن تسميته يستند إلى أدلة علمية وحجج يمكن أن تسندها أو تبرر تلك المزاعم وتكشف عن حقيقتها، أم أن وراء هذا الموقف النظري دوافع عقائدية ودينية خاصة الهدف منها الأنتقاص من العراق والعراقيون من خلال الطعن بأصالة حضارتهم وتأريخهم، فبعد أن سرق العبرانيون مثلا التأريخ البابلي العراقي القديم والذي يمتد إلى أكثر من ثلاثة ألاف وخمسمائة سنه قب الميلاد ونسبوه بكل ما فيه من نسقية مزدوجة تجمع بين السنة الشمسية والشهر القمري، ووضعوا له عنوان التقويم العبري نسبة لبني إسرائيل الذي لم يمتد تأريخهم كشعب بهذه التسمية نسبة إلى بني يعقوب إسرائيل الله الذي ولد أبائه وأولهم إبراهيم في العراق في حدود عام 1800 قبل الميلاد، وبعده أسماعيل وأسحق ومن ثم يعقوب وسلالته حتى موسى النبي الذي جاء بالديانة اليهودية على أنقاض ديانة التوحيد العراقية الإبراهيمة الأولى.
فليس كل بني إسرائيل من اليهود قبل موسى وليس كل يهود العالم هم من بني إسرائيل بالضرورة الحتمية، وما حكاية أن بني إسرائيل هم شعب الله المختار إلا جزء من عملية السطو على التاريخ والعقيدة الدينية الإبراهمية، فالله قد جعل البركة على نوح ومن معه من أمم أخرى في رواية الطوفان التي ترويها الديانات الإبراهيمة ومنها رواية التوراة والأنجيل والقرأن كما هي في أصولها، كما حدد بالدقة مصادر التكريم في دعاء إبراهيم لربه (ومن ذريتي) قال وما ينال عهدي الظالمون، العقيدة الدينية الإبراهيمية الأولى وما تفرع منها من ديانات توحيدية مرت بمراحلها التأريخية تظهر أن معيار الرب في التفضيل معيار أعتباري معنوي يتعلق بصدق الإيمان والعمل الصالح، ولا يتعلق أبدا بالعنصر المادي المبني على السلالة والجنس وهذا ما يحرج كثيرا التلموديين ولا أقول التوراتيين الأصوليين.
العراق كان وما زال جزء من إشكالية الذاكرة اليهودية التلمودية المأزومة بالعنصرية والتفضيل الجنسي تحديدا، وليس كما يشاع على أنها من أثار السبي البابلي والأشوري لهم وتحطيم مملكتيهم الشمالية والجنوبية في أواسط الألف الأول قبل الميلاد، ولكن لأن أصل الديانة اليهودية وتفرعاتها ولدت في العراق وترعرعت في ظل حضارة عراقية قادها شعب الرافدين الموحد الذي ظل محافظا وحريصا على النهج الإبراهيمي دون أن نجد شواهد على تقديس ألهة بشرية أو نسبتها للربوبية العامة، أما من أتخذ من التحريف والتزييف طريقة لقلب الحقائق وأعادة بناء التاريخ على الصورة التي تمجد عنصرا بشريا محددا دون سواه، فكان لا بد من تشويه هذا التاريخ وتحطيم صورة الشخصية العراقية ومحاولة محو أثار الإبراهيمية الحنفية الأولى، التي دأبت ومنذ البداية على منهج التوحيد وعدم التفريق بين الأجناس البشرية بأعتبار أنهم جميعا أبناء أب واحد وعلى ملة واحدة وخير الناس من نفع الناس.
لم ينج العراق عبر تأريخه الطويل من الدس والأفتراء على الشخصية العراقية وحضارتها حتى المؤرخ الإسلامي عندما يتناول تاريخه وتحديدا في فترة صدر الأسلام والفتوحات يذكر العراق بأنه أرض قاحلة لا فيها بشر ولا مدن ولا حضارة، وأن الأعراب القادمون من مجاهل الصحراء هم من مدنوا المدن وعمروا البلاد، فيذكرون الكوفة والبصرة على أنها أول المدن المشيدة بجهود الفاتحين الجدد، ونسوا بابل وأوروك وميسان والبصرة التي كانت حاضرة المدن العراقية ومركزها التجاري الكبير ونسوا أن الكوفة وجدت قرب النجف والحيرة وبابل، ونسوا نينوى والنمرود وسيبار وغيرها من المدن العامرة، حتى كربلاء التي كانت حاضرة في التأريخ وكنائسها وحضارتها التي تمتد إلى إبراهيم بأعتبارها (كرب إيل أو كربله حسب اللغة الأكادية التي تعني بيت الله أو معبد الله، الكل أساء للعراق وسرق تأريخه ليثبت أن الشخصية العراقية الموغلة بالقدم والأصالة مجرد ذكرى أنقرضت وماتت بفعل الصراع القديم بين حضارتي روما وفارس.
العجيب أن المؤرخين العراقيين اليوم يتناولون هذه الإساءة كأنها واقع حقيقي ولم يدافع أحد منهم عن تلك الحضارة العظيمة ولا عن تلك الشخصية الأصلية التي وصفها الخليفة الثاني بأنها (جمجمة العرب وصماخها) الذي تحمل عبء الجزء الأكبر من نهضة القرون الوسطى حيث أمتد الإسلام شرقا وغربا من العراق ومن حوله بدون جدال، لقد سرقوا العراق وما زالت الكتب الصفراء والأقلام الحاقدة عليه تمتلء بالزور والتحريف والتضليل وهي تطعن بكل ما أوتيت من قوة وجد لتغييب صورة العراقي من الذاكرة الحضارية الإنسانية، وإن تنوعت الأساليب والوسائل وأختلف الأهداف العنصرية المضادة لروحية العراقي المتسامحة والتي تقهر كل الغزاة وتعيدهم في كل مرة إلى جادة الحضارة والمدنية في صراع لا ينتهي من أجل الإنسان.