التألق في رواية حياة رجل فقد الذاكرة -الحمراوي- رمضان الرواشدة

رائد الحواري
2018 / 2 / 18

التألق في رواية

حياة رجل فقد الذاكرة "الحمراوي"

رمضان الرواشدة

الكتاب احدى اشكال التمرد/الثورة التي يقدم عليها الكاتب للتعبير عما يثقل كاهله، كما أنها تمثل حالة إنسانية راقية يتجه إليها الكاتب/الشاعر ليمارس دوره الإنساني في المجتمع، وفعل الكتابة يحتاج جهد استثنائي ممن يقدم عليه، فالجهد المبذول يحمل بين ثناياه شيء من الألم، لأن الكتابة في المجتمعات المضطهدة غالبا ما تكون عن الألم الذي يتعرض له الأفراد أو الجماعة، والكتابة عن الألم هو ألم أيضا، هكذا قالت "عائشة عودة في روايتها "أحلام بالحرية" لكن الألم الذي يأتي مع الكتابة هو ألم يحمل داخله الفرح، كحال المرأة الحامل، فهي تتألم بحملها وتتعذب بمخاضها، لكنها تفرح عند خروج مولودها للحياة، وهذا الأمر ينطبق تماما على الكاتب/الشاعر، ومن مارس فعل الكتابة بالتأكيد مرة بهذه الحالة، حالة الفرح بالولادة.

لكن ليس كل المواليد يأتون بالفرح لأهلهم أو للمجتمع، فمنهم من يأتي بحجم كبير وآخر يأتي بحجم صغير، ومنهم الذكر ومنهم الأنثى، منهم الهادئ ومنهم الحرك، منهم العبقري ومنهم غير ذلك، مولود "رمضان الرواشدة" "الحمراوي" جاء صغير الحجم، عبقري يصل إلى حد الجنون، وشعث لا يعرف السكون أو الثبات، لكن رغم صغر حجمه إلا أنه جميل، يجذبنا لما يقوم به من حركات، يجذبنا جمالها وتألقها، يذهب في أكثر من اتجاه وكأنه يرشدنا إلى كنز دفين، ويدعونا إلى النبش فيه لنصل إلى الكنز، وهناك اسلوب إيحاءات نادرا ما نجدها في المواليد الروائية، فالتكثيف، الفانتازيا، الأسلوب، التراث، الحاضر، الماضي، المرأة، المتمردون بالكتابة، المكان، تحريك المياه الراكدة، النهاية، أننا أمام رواية عظيمة لما فيها من جماليات ولما تقدمه من مضامين وأفكار، لهذا لا بد أن نتوقف عند العناصر الجمالية التي تحملها.

الحكاية الشعبية

يقدم لنا الراوي أكثر من حكاية، تبدأ بحكاية "العنود" التي رفضت الزواج من شيخ "قبيلة المكاوي" الذي كان يغير على قريتها، والطريقة التي استطاعت أن تأسر بها الشيخ وجيشه، ثم غيابها في النبع، مرورا بحكاية "الحمراوي" الذي ذهب للصيد وجماعة الصبايا اللواتي كن يحاولن استمالت الفتيان، والمعركة التي نشبت بيهم، وكانت نتيجتها غياب "الحمراوي"، ثم حكاية "مملكة الجندراتسو مالا وهي مملكة تقع شمالي كوكب أوران البعيد، وتحكمها النساء ويعمل الرجال فيها في صناعة المراكب الفضائية وفي خدمة النساء" ص15، ثم حكاية الأمير "عز الدين أبو حمرا" الذي حاصره الصليبيون في قلعته فأمر بتفريغ مياه البئر وسكبها من فتحات القلعة، وبهذا الفعل ضن الصليبيون أن هناك ميا وافرة وطعام يكفي المحاصرون لأشهر مما اضطرهم للتراجع وترك القلعة، بهذه الحكايات يقربنا الراوي من التراث الشعبي، ويضفي لمسة الجمالية على النص الروائي مما يجعله قريب من المتلقي.

الصراع

لكل عمل أدبي عقدة، عقدة خارجية، وعقدة داخلية، في هذا العمل نجد هناك قدر تكرر ذكره أكثر من مرة وعلى لسان أكثر من شخص، وفي أكثر من زمن، وهو "مقتلي قلبي وقلبي مقتلي" ص10، والتي نجدها في الصفحة 37 بصيغة ثانية: "مقتلك قلبك وقلبك مقتك" والتي جاءت على لسان الطبيب، ونجدها في الصفحة 49 تأتي على لسان أمه "مقتلي قلبي وقلبي مقتلي"، والتي كررتها في الصفحة 64، "مقتلك قلبك وقلبك مقتك" بخاطبها "للحمراوي" وإذا ما توقفنا عن فاتحة الفصل الأول والي جاء فيها:

"أنا من أهوى

ومن أهوى أنا

حتى إذا رأيتني ... رأيتنا" وهذا الكلام مقتبس عن الحلاج، يمكننا أن نعرف الهدف من هذا التذكير بالمقولة، فهناك حب/انتماء/عطاء/توحد بين الفكرة وصاحبها، بحيث لا يستطيع التخلي عن فكرته، لأنه بدونها يمسي بلا روح، بلا طاقة، لهذا نجد بطل الرواية شخصية منتمية للفكرة، متوحدا معها وهذا ما أظهرته لنا الأحداث.

فما هي الفكرة التي يحملها الراوي؟، هل هي فكرة/هم شخصي أم هي شيء عام يطال خيره على الجميع؟، "... وعندما كبرت أصبحت مثل تيسير السبول، أريد أن أرى وشم دولة حرة عظمى على ساعدي، هاجسي دولة حب ديمقراطية.

فاسكوا لا يحمل وشما لدولته العظمى يا تيسير، إلا أنه أفضل منا بكثير وأنا منذ أن أطلقت طلقتك الأخيرة أسير مع الوهم نحو تخوم النهاية وإن كنت أعرف أنني لست نبيا أملك الدليل والآية، وهاجسي دولة عظمى" ص37، الهم العام، هم الوطن، كرامة الإنسان هي الفكرة التي تؤرق البطل لهذا هو يعاني من حمله الثقيل، فهناك أمة/مجتمع/شعب ظمآن وبحاجة إلى نبع الماء، وعليه أن يجلبه لهم.

" كأنني كنت مع فوتشيك تحت عود المشنقة لكنها مشنقة مختلفة، مؤنس الرزاز تحدث عن ضياع الأعراب في ناطحات السحاب وأنا أعيش وهم وسراب والحقيقة تقتلني" ص48، الإرث الثقافي الذي يحمله ويؤثر على الراوي يعتمد بشكل أساسي على كتاب وكتب تدعوا لرفع الظلم عن الإنسان، ومبينة المصائب والحال الذي تعانيه الأمة/الشعب، فقدم لنا الراوي ثلاثة نماذج، "تيسير السبول"، الذي انتحر احتجاجا على الواقع العربي، تاركه خلفه مجموعة من الأعمال الأدبية إن كانت مسرحيات أم تمثيليات أم قصص وروايات، ونجده يذكرنا ب"فوتشيك" صاحب أول عمل أدبي "تحت اعواد المشانق" والذي يتناول المعتقلات والسجون التي تقيمها الأنظمة القمعية، بعدها ينقلنا إلى الروائي "مؤنس الرزاز" الذي مات قبل أوانه قهرا على الواقع العربي.

كل هؤلاء وما تركوا من أرث أدبي وفكري يحمله الراوي ويجد في نفسه القدرة على مواصلة الدرب الذي سلكوه، فهم من يسترشد بهم وبعطائهم، وهم من يعطونه الفكرة/المبدأ/الإيمان وبضرورة الاستمرار والتقدم إلى الأمام.

الشعراء

قلنا في موضع غير هذا أن المرأة والكتابة/القراءة عناصر تخفف من وطأة الضغط على الإنسان، في حالة بطلنا/الراوي حامل العبء الثقيل وإلى المكان البعيد لا بد من ايجاد من يساعده، يخفف عنه، يعطيه طاقة اضافية تساعده على الاستمرار في المسير، لهذا نجده يستعين بالشعر للتخفيف عن نفسه: " قالت عزة، هذه الخمر ستقتلك، قلت لها أنت مقتلي، وأضفت، "لأن العاصفة وعدتني بنبيذ وبأغان جديدة وبقوس قزح" 48، قصيدة "محمود درويش" "وعود من العاصفة" يستحضرها "الراوي" لتخفف عنه وأيضا لتمنحه طاقة يستطيع من خلالها أن يواصل دربه، ونجده يستحضر قصيدة "أمي": "قلت احن إلى خبز أمي وقهوة أمي" ص49.

إذا ما توقفنا عند الاستحضار الأول "فوتشيك، تيسير السبول، مؤنس الرزاز" سنجده استحضار أفكار ومبادئ، بينما جاء "درويش" استحضار هدوء وسكون، لهذا نجد المرأة/الأم كانت مرافقة للشعر، "...عندما بكت تلك الليلة احسست بأنني أملك الدنيا كلها ولا أملكها وهي القريبة مني جسدا وروحا، ضممتها إلى صدري" ص49.

ويأتي ذكر الشاعر "عرار" بين الحالتين، حالة الفكر/المبدأ وبين حالة الهدوء، " أخبرني حبيب انني إذا مت فسيكتب أجمل القصائد في، وأنه سيقف ليسكب الخمر ويقرأ لي اشعار عرار الجميلة" ص51.

الواقع

ما اصعب الحياة في ظل القمع والتخلف والهزيمة، فالمواطن العربي يعيش حالة من الانكسار، فاقد الكرامة، يركض خلف لقمة الخبز، يعاني القهر والظلم، وما يوجعه أكثر مشاهدة الأمم الأخرى تتقدم في حياتها وتحيى في رفاهية وكرامة وحقوق إنسانية تكاد أن تكون جنة الخلد، وهذا الأمر هو الأشد وقعا وأثرا على أصحاب المبادئ، ألم يقل أحد المفكرين: "أن حريات الأمم عارا عليكم أن لم تكونوا احرارا".

يقدم لنا الراوي شيء من الواقع البائس الذي يعيش، "لكنني مفلس الآن لا أرض لي، لا كرامة، لا حبيبة، فأين الوطن الذي أنشدنا له ونحن صغار" ص36، إذن ما يحتاجه الراوي هو الكرامة، وليس الطعام او الشراب، فهمومه في الاساس روحية وليست مادية، لهذا نجده يركز عليها، فهو مستعد لتحمل الضغط المادي/المعيشي إذا كان حاصل مع الكرامة، وله حقوق كمواطن، كإنسان، فهو مجبول على العطاء والتفاني فيه.

الراوي يقدم نقد لواقع السلطة/النظام، فالسلطة جزء من المشكلة التي ألمت به وبأمته، لهذا لا بد من تناول شيء من سلوكها الفاسد: "كيف تريد ان أكون ونحن نأكل السمنة غير المكررة المعبأة بصهاريج النضح ويتسمم المرضى من الأكل الفاسد في مستشفيات الجامعة... ولم أع بعد ذلك أي شيء" ص41، قضية السمنة وصهاريج النضح فضحت تركيبة النظام وبينت الفساد المستشري فيه، وبما أنها قضة عامة، تمس كل مواطن كان لا بد من أخذها كنموذج للفساد الذي يشكل طبقة متراصة وموحدة، فمثل هذا الحادثة لو حدثت في مكان غير المنطقة العربية لقام الشعب على حكومته، وحاكمها على جرائمها، لكن لعدم وجود طبقة/جهة نظيرة للنظام/للسلطة، تم التعامل معها وكأنها حادث سير ليس أكثر.

إذا كان التناول الأول متعلق بالطعام والحاجات الأساسية للمواطن، فكيف سيكون الأمر بالنسبة للنضال ومواجهة النزاعات الداخلية؟.

"ـ قال لك الضابط... اقصف. فرفضت. ثم سجنوك.

قال لك قائد القاعدة... اقصف. فرفضت . ثم سجنوك.

... وعندما خرج الجميع إلى الأحراش خرجت معهم، ورأيت العصافير تطير محلقة في سماء وطن بعيد، فتمنيت أن تكون مثلها" ص66، تناول أحداث أيلول الأسود والطريقة التي استخدمها النظام في اجتثاث الثورة، حركة التحرر التي حققت أول انتصار على قوات الاحتلال، مسألة لا يمكن أن تمر دون أن نتوقف عندها، فالشعوب الحية تراجع ذاتها لو بعد حين، لكننا في المنطقة العربية دائما نهرب إلى لأمام عندما يتعلق الأمر بحروبنا الداخلية، لهذا تجدنا إلى غاية الآن نرفض ونكفر ونحرم الخوض في الحرب التي قامت بين "علي ومعاوية".

الصورة

يقدم لنا الراوي صورة الحرب التي انهكته جسديا وفكريا، بحيث ما زال يعيش تحت ركامها، "النيران مشتعلة ورائحة البارود وحمامة تحترق، أم تموت منحنية على طفلها الصارخ في العالم، وحدك تمضي في أزقة المدينة التي لوثتها الحرب" ص66، ما يحسب لهذه الصورة الأدبية ليس جمالها فحسب، بل أيضا حملها لفكرة الألم/الصراع الذي يثقل كاهل الراوي، فرغم أن الحديث يدور عن حرب وخراب، إلا أن الراوي استخدم "الحمامة" ليس كتعبير عن قسوة الحرب فحسب بل كتعبير عما يحمله في العقل الباطن من سلام وسكينة.

النهاية

الرواية تتناول قصة مناضل في المنطقة العربية يعاني من القمع والضيق العيش وعدم الشعور بالكرامة، ومن ممارسات النظام المنتهكة لحقوق الإنسان المنع من السفر، فالمنع احدى وسائل الضغط التي مارسها النظام بحق المواطنين، لكن بعد احداث "هبة نيسان" عام 1989، يقوم النظام بإحداث انفراج عن المواطنين فيرفع منع السفر عنهم، يحدثنا الراوي عن هذا الأمر، "في المطار نظر الضابط إلى جواز سفرك ثم إليك، أعطاك الجواز وتمنى لك سفرا طيبا...

لماذا هذه المرة تسمحون لي بالسفر. قلت في نفسك. وصلت إلى باب الطائرة نظرت خلفك. ورأيت البلاد التي أحببت تبتعد قليلا.. قليلا.

لكنك عند ذلك، مزقت جواز السفر وركضت لتحضن هذه البلاد وتقبل ثغرها وتبكي بين يديها ففردت لك ذراعيها واحتضنتك. والجميع ينظرون" ص68.

الرواية بدون دار نشر، أو سنة طباعة، لكن تاريخ كتابتها تشرين ثان 89- نيسان