برتراند راسل: دفاعاً عن الحرية الفردية

حكمت الحاج
2018 / 2 / 18

شخصيتان لفيلسوف
قال أحدهم عن "برتراند راسل"، إنّه الشخص الوحيد الذي ظفر بوسام الاستحقاق بفضل كتابة فلسفية ضعيفة بلغة انكليزية رائعة. وإذا كان القسط الأوفر الذي أسهم به "راسل" في الفلسفة يفوق ما قدّمه أيّ مفكّر بريطاني آخر منذ "هيوم"، وإذا كان قد فاق جميع معاصريه شهرة وذيوع صيت، فإنّه ليس مدينا في ذلك كله إلى ما أسهم به في المنطق الصوري والرياضيات والفلسفة أو إلى الأسلوب التحليلي في البحث والتحقيق، بل ان الأهمية الكبرى التي أولاها القطاع الأكبر من الجماهير كانت حول كتاباته الاجتماعية والسياسية، تلك الكتابات التي كان "راسل" نفسه يعتقد بأنها لا ترتبط بالضرورة بآرائه في المنطق والمعرفة، وهو يقول عن ذلك: "لم أكتب بوصفي فيلسوفا بل كتبته بوصفي إنسانا يعاني من الحالة السائدة في العالم ويتلمس طريقة ما لتحسينها، ويتلهف على التوجّه بعبارات سهلة إلى أولئك الذين يمتلكون مشاعر مماثلة".
يحدثنا "راسل" في سيرته الشخصية التي وصفها بنفسه كيف بدأ وهو بعد في الحادية عشرة عمره تساؤلاته الفلسفية التي قدّر لها أن يلحّ في متابعتها طيلة حياته الأكاديمية، إلا أنّه كان على الدوام أكثر حساسية نحو الوجه الروحي من الحياة ونحو جميع ألوان المعاناة البشرية ممّا كان يسمح بـأن يبدو عليه. لقد كان في الواقع يخفي هذه المشاعر بفضل انضباطه الشديد وقوة تفكيره وجفاف وقسوة ذكائه. كل ذلك ساعد في إعطاء فكرة خاطئة عن الرجل. وها هو يروي لنا بنفسه كيف ذهب عام 1906 إلى "نيونهام" للاستماع إلى "غلبرت موراي" وهو يقرأ ترجمته للمجموعة الشعرية "هيبوليتس" لـلشاعر المسرحي "يوربيدس"، والتي تضم الترنيمة العظيمة الموجّهة لإله الحب "ايروس"، ننقل منها ما يلي:
"يا إيروس، / يا من تعمي عيون الرجال المتعطشين دمعة فدمعة/ أيها العدو المفاجئ/ إنّك تغرس في قلوبنا الفرح كما تغرس النصل البارد/ لا تأت إليّ بالشرور باحثا عن الصيد في الرياح/ ولا محدثا صريرا لجناح الموسيقى وأنت تطير/ فليس ثمة لهب بدون نجوم شرسه/ ولكنها تقذف الخوف/ كما تقذف في يديك أشعة الشهوة/ يا إيروس! يا ابن الأعلين".
مفهوم الحرية الانسانية
دائما ما يؤكد "راسل" على إيمانه الشديد الذي لا يتزعزع بالحرية والنزعة الفردانية وتحقيق الذات عند الفرد ممّا يشكّل جزءا لا يتجزّأ من خطابه الاجتماعي. إنّ الفرد هو الذي ينبغي أن يتحقّق فيه كل ما هو "خير " وإنّ النمو والتطور الحر للفرد يجب أن يكون الهدف الأسمى لأي نظام سياسي يفترض فيه أن يعيد تنظيم العالم.
لقد وصف "راسل" نفسه بأنه آخر الأحياء من مرحلة زمنية ميتة. لقد كان "فيكتورياً" ولد متأخّرا عن عصره لا يطمح إلى حياة انعزالية ذات مشاعر جميلة ولا يرى أنّ الخير كامن في الإعجاب المتبادل بين أفراد كتلة من نخبة المجتمع. وكان شخصيا لا يزال يبدي الاهتمام البالغ بسياسة تقدّمية عمادها رفاهية الشعب، وكان عقله الانتقادي الكبير مستاءا ومنزعجا من كل ما يراه، وأصبح ناقدا مدمّرا يعبّر عن مشاعر مشبعة بالاستياء. ويقول الفيلسوف البريطاني "جون لويس" في سيرته الفلسفية المخصّصة لـ "راسل": إننا لا نستطيع إلا أن نلمح وراء هذا الاستياء الخطوط العريضة للفلسفة الفردية لحزب "الأحرار" كما كان يؤمن بها راديكاليو القرن الثامن عشر من أمثال "بنثام" و"آدم سميث" ومن قبلهم "جون لوك" و"ليبنتز ". فمن المعروف أنّه كان يرفض أي تدخّل بحرية الفرد، وإنّ "ليبنتز" كان يرى في العالم مجموعة من عناصر الكون الأولية، كل كيان منها منفصل عن الآخر ومستقل عنه (= مونادات ومفردها مونادة) ولكنّها كلّها مرتبطة في الوقت نفسه بعضها ببعض من خلال عملية تنسيق وانسجام مسبقين. وهي لاشك، فكرة مهّدت لفلسفة "راسل" القائمة على الذرية المنطقية وتعدّد الحقائق. هذا الاتجاه القوي أدّى إلى نشوء وقيام طبقات التجار والصناعيين الجديدة التي أصبحت تتمتع بالإستقلال والقوة. ولعله ليس من المصادفات أن يكون أحد الشخصيات البارزة في الخطاب القصصي لذلك العصر هو "روبنسون كروزو " الذي عاش وحده في جزيرة نائية وله إيمان مؤسس على البروتستانتية. والواقع أن المحيط الفكري الذي كانت أسرة "راسل" تعيش فيه والذي ارتوت جذوره هو منه، كان فيه قدر كبير من الفكرة القائلة ان كل إنسان يستطيع أن يجد خلاصه عبر إيمانه الشخصي وعقله الخاص ودوافعه المميزة. وكان المثل الأعلى لـ "راسل" هو "جون ستيوارت ميل" قديس العقلانية.
لقد دارت كتبه التالية عناوينها حول نفس الموضوعة: دروب الحرية 1918 كيف تكون حرا وسعيدا 1924، في التعليم 1926، الزواج والأخلاق 1929. إنّ الكثير من الأفكار الواردة في هذه الكتب تثير الفزع والتحدّي وكلّها مكتوبة بلغة مشرقة ولامعة. وفي كتاب "مقالات تشكيكية" يعالج "راسل" بأسلوب لاذع، التهديد الذي يواجهه الفرد من السلطة الاجتماعية. وهو يقول إنّ وضع القوانين شيء ضروري دون ريب، ولكن نمو الفرد الواحد أو المجتمع الواحد ينبغي أن لا يكون على حساب فرد آخر أو مجتمع آخر إلاّ ضمن أقلّ قدر ممكن. إلا أنّ كتاباته الاجتماعية والسياسية تفتقر دائما إلى شيء ما. فكما كانت أخلاقياته مشاعر خالصة قصد بها أن تكون مقطوعة الصلة بالعقل، وكانت فلسفته تقوم على الإعجاب البالغ بالتجريد الخالص ويعبّر عنها بمنطق رياضي، فإّن مقولاته الأخلاقية كانت أقرب إلى العاطفة منها إلى العلم، وأقرب إلى الجدل منها إلى المنطق. ولا يمثل أي من مؤلفاته الاجتماعية النتائج الحقيقية للتفكير العلمي، فليس هنالك في الواقع أي دليل على إنه درس أيّا من المفكّرين الاجتماعيين الذين سبقوه، وهو بالتالي لا يقدّم تعريفا واضحا لذلك المفهوم المحيّر والغامض، أقصد به مفهوم "الحرية". إن مفهوم "راسل" للحرية هو المفهوم العام المعروف والذي شرحه بجلاء "جون ستيوارت ميل" فالحرية تعني إزالة أعمال الكبح والقمع والتدخّل والضغوط المتولّدة من العادات والأعراف الاجتماعية. إن "برتراند راسل" لا يرى الحرية إلا على شكل منح الحق لأكبر عدد ممكن من الناس بأن يفعلوا ما يشاؤون ما دام ذلك لا يتعارض مع حرية الآخرين بأن يفعلوا الشيء نفسه. إنّنا نتعلم أنّنا أحرار، لا على الرغم من العلاقات الاجتماعية بل من خلال هذه العلاقات. فالإنسان العاجز عن إخضاع نفسه للآخرين والتعاون معهم وتقبل الالتزامات والمسؤوليات هو فرد فوضوي. في هذه الحالة يميل "راسل" إلى الاعتقاد بأن الإنسان لا يستطيع تجنب الآثار الشريرة لمثل هذه العلاقات الاجتماعية إلا باستبعاد هذه العلاقات جميعها والعودة إلى مجتمع أشدّ حرية وأقل تعرّضا للقيود. إنّه يعتقد بأنّ الحرية والسعادة يمكن أن توجد عبر التصرّف الفردي الخاص للإنسان. وفي الوقت الذي يعترف فيه "راسل" بالفوائد التي تمّ تحقيقها، فإنه يشجب النتائج الحتمية لحضارة متطورة، تلك النتائج التي تتلخّص في العبارة التالية: تزايد قوة الدولة مقابل الفرد. والواقع أنّه منذ اليونان القدماء والمعركة دائرة ومستمرة بين أولئك الذين يؤمنون بالتلاحم الاجتماعي وبين من يعلق قيمة كبرى على المبادرة الفردية. وهنا نجد أنّنا نتحول إلى حالة من السكون وعدم التقدمية، و"راسل" لا يجد أمامه غير العبودية والتعصب الأعمى وفقدان التسامح والمذلة التي تميز الأكثرية الساحقة من بني البشر.
آراؤه في الحرب والدين وإسرائيل
برتراند راسل ( 1872- 1970) فيلسوف وعالم منطق ومؤرخ اجتماعي بريطاني. قاد الثورة البريطانية "ضد المثالية" في أوائل القرن العشرين. ويعد أحد مؤسسي الفلسفة التحليلية، كما يعتبر من أهم علماء المنطق في القرن العشرين. ألف بالشراكة مع ألفريد نورث وايتهيد كتاب مبادئ الرياضيات في محاولة لشرح الرياضيات بالمنطق. وتعد مقالته الفلسفية الشهيرة عن التدليل (Denoting) نموذجا فكرياً باهرا في الفلسفة. كان راسل ناشطاً بارزاً في مناهضة الحرب وأحد أنصار التجارة الحرة ومناهضة الإمبريالية. سجن بسبب نشاطه الداعي للسلام خلال الحرب العالمية الأولى. قام بحملات ضد هتلر وانتقد الشمولية الستالينية وهاجم تورط الولايات المتحدة في حرب فيتنام، كما كان من أنصار نزع الأسلحة النووية. حاز عام 1950 على جائزة نوبل للأدب تقديراً لكتاباته المتنوعة والمهمة والتي يدافع فيها عن المثل الإنسانية وحرية الفكر. يصف "راسل" نفسه بأنه من "اللاأدريين"حين يتحدث إلى جمهور فلسفي بحت، ولكنه يصف نفسه بالملحد حين يتكلم إلى الرجل العادي في الشارع. لقد حافظ على وجهة نظره القائلة إن الدين هو أكثر قليلا من الخرافات، وعلى الرغم من بعض آثار إيجابية قد يقدمها الدين، فهو ضار إلى حد كبير على الناس. وأعرب عن اعتقاده بأن الدين والنظرة الدينية تعملان على إعاقة المعرفة وتعزيز الخوف والاتكالية، وهي مسؤولة عن الكثير من حروب العالم والقمع والبؤس. وكان عضوا في المجلس الاستشاري للجمعية الإنسانية البريطانية ورئيس انسانيـِّي كارديف حتى وفاته.
وفي عام 1970، قال "راسل" في معرض حديثه في مقال له عن قيام دولة إسرائيل: "إن مأساة شعب فلسطين هي إعطاء بلادهم بقوة خارجية لشعب آخر من أجل بناء دولة جديدة. إلى أي حد سيتحمل العالم رؤية هذه المشهد من القسوة الوحشية؟ إنه واضحٌ بما فيه الكفاية أن اللاجئين لهم كل الحق في أرض وطنهم من حيث تم اقتلاعهم، وإنكار هذا الحق هو جوهر الصراع الدائم. لا يوجد شعب في العالم يمكن أن يتقبل طرد الناس بكميات من بلادهم. إن التوصل لتسوية دائمة عادلة للاجئين في وطنهم عنصر أساسي لأي تسوية حقيقية في الشرق الأوسط. ما تفعله إسرائيل اليوم لا يمكن التغاضي عنه، حيث تدين إسرائيل الشعوب العربية التي خرجت حديثاً من الحكم الاستعماري لتفقرهم عن طريق المتطلبات العسكرية عوضاً عن التنمية الوطنية.