لماذا تخلف المسلمون -- الحلقة الأولى

محمد علي العامري
2018 / 2 / 18

قال الشاعر الحكيم جميل صدقي الزهاوي قبل أكثر من مائة عام :
الشرق مازال يحبو وهو مغتمض والغرب يركض وثباً وهـو يقظـان
والغرب أبناؤه بالعلم قـد سعـدوا والشرق أهلوه في جهل كما كانوا
ولماذا لم يلحق المسلمون بالركب الذي يسير به المجتمع البشري ؟ ولماذا أصبحوا بالدرك السفلـي قياسـاً للشعوب الأخرى ؟ وهناك الكثير من الأسئلة والتساؤلات التي تُطرح يومياً على المسلم ، ولكن لن يتجرّأ هذا المسلم أن يعترف بأنه متخلف عن الآخر ، والسبب هو أن المسلميـن كلمـا واجهـوا أزمـة أو إنحسـار فبدلاً من أن يقفزوا عليها ويتجاوزوها نراهم يهربون الى الوراء لينبشـوا بالماضـي ويبحثـوا بالنصـوص الدينية عساهم أن يجدوا حلاّ أو سبيلاً ليقابل مـا توصـل اليـه الغـرب الكافر مـن إكتشافات وإختـراعـات وإنجازات علمية هائـلـة ، وإذا مـا وجـدوا هـذا النص بـدأوا بالتفسيـر والتأويـل ليبشّـروا أنفسهـم أن هـذه الإكتشافـات العلمية موجودة عندنا قبل 1400 عـام ، ويسترخوا بعدها متكئين فرحين بأنهم الأعلم ،ولكنهم لم يدركوا بأنهم يعبّرون عن المكبوت وأزمة الفشل الحضارية التي عَوّضت العلم بالخرافة .
وبدل أن يستفيقوا وينتبهوا لماذا سبقهم غيرهـم بمئـات السنين وهـم مازالـوا يراوحـون بمكانهـم منـذ عـدة قرون ، وبدل أن يضعوا دراسات علمية للأسباب التي جعلتهم متخلفيـن ، وبـدل أن يبحثـوا عــن أمكانيـة توفير أسس النهضة العلمية ، تراهم يجاهدون لرد الإعتبار للدين ، ويستعملـون إبداعـات العصـر للدعاية الدينية ، كتعويض وهمي عن فشلهم باللحاق مع ركب الحضارة والحداثة .
فالمسلمون يحاولون أن يقلّلوا من أهمية التطورالسريع الذي أحدثته الإكتشافت العلمية الهائلة التي غيرت بنية العقل والتطور في التفكير ، وغيرت وجه الكون . " فكلمـا زاد الغرب مـن خطواتـه العلميـة كلمـا زاد المسلمون من خطواتهم السلفية والرجوع الى تراث الميت الذي ينتج الخرافة ولا ينتج العلم "( 1 )
ومن أسباب التخلف أيضاً هو فشلهم في وضع أسس صحيحة وعلمية للنظـام التعليمـي ومؤسساتـه بحيـث أصبح التقليد مستفحلاً في كل مناحي حياتهم ، فتخلّوا عن العقل والعلم ، ليعتكفـوا علـى دراسـة وتدريـس النصوص الدينية التي لم تتغير منذ عشرات القـرون . فهـم مازالـوا يعتمدون فـي نظمهـم التعليميـة علـى طريقـة الملالـي والكتاتيـب ذات النهـج التلقيني الببغـاوي ، وخصصــوا لذلـك أمـوالاً طائلــة ، وهــدرت مليـارات الدولارات ، لا لشيء وإنما فقط ليثبتوا أن هـذا النص الديني أو ذاك يؤكد ويثبـت أن ما أكتشفـه الغرب من علم جديد هو مكتشف من قبلهـم قبل 1400 سنة ، ويكتفـوا بهـذا الـقـدر مـن المعرفـة الزائفـة ويناموا فرحين ولا شيء يشغلهم بعد ذلك سوى الإنتظار لما قد يأتيهم من إكتشاف جديد .
لقد رُصِدت أموال هائلة ذات أرقام فلكية في البلدان الإسلامية لمؤسسات دينية لا فائدة منها ترتجى لشعوبها سوى المزيد من التجهيل وخسارة العقول والأموال ، كمؤسسات ( الإعجاز العلمي في القرآن ) وديار الإفتاء ( المكية ، الأزهرية ، الجعفرية ..إلخ ) ناهيك عن مدارس حفظ القرآن ومدارس الحديث ومدارس الفقه بشقيها السني والشيعي وغيرها الكثير . فلوا خصصت هذه الأموال المهدورة الى البحث العلمية وإستخدام العقل بعد تحريره مـن الإطـار الدينـي لَتَغيّر وضع المسلمين عن ما هم عليه اليوم . ولو خصصت هذه المليارات من الدولارات مـن أجـل إتبـاع النظـام التعليمي والتربوي العصري ، وإكتشاف هياكله الحضارية التي إعتمد عليها الغرب وطورها ، لأصبـح المسلمون على مسافة قريبة من الشعوب التي سبقتهم .
محاربتهم الحداثة
المؤسسات الدينية وضعـت كـل ثقلهـا لمحاربـة الحداثـة والتجديد، بإعتبارها " بدعة غربية وغزو فكـري وأخلاقـي وثقافـي لتهديـم أسـوار المجتمـع الإسلامي المحافـظ وتمزيـق نسيجه " (2 ) فإنعكس ذلـك سلبـاً على عقلية المسلم البسيط المقلِد ليقف موقفاً خائفاً من الحداثة بإعتبـارها مؤامـرة غربيـة لأضعـاف دينه وضياع هويته الإسلامية. فهذه المؤسساـت الدينية فشلـت التحديـث مـن الداخـل وحاربـت التحديـث مـن الخارج ، إلاّ إنها لم تتردد من إستخدام وإقتناء كل مـا جـاء بـه الغـرب مـن تكنولوجيـا حديثـة وعلوم ، حتـى أصبح المسلمون يعتمـدون على الغـرب بكل مناحي حياتهـم اليوميـة مـن ملبـس وطعـام ووسائـل النقـل وأنظمـة الإتصـالات والتواصل وغيرها ، لكنهم لـم يهـدأ لهـم بـال إلا بلعـن الغـرب وشتمـه مـن الفجـر الـى الفجر ، ويطلبون من ربهم أن يخسـف بهـم الأرض ويقطع نسلهم ولـم يبـق لهم أثـر . ولكن كما قـال الباحـث الدكتور علي الوردي " إذا خيرتهم ، سيختارون العيش في بلدان الغرب الكافر " .
في بدايات القرن العشرين قرر إمبراطور اليابان إرسال طلاب للدراسـة في أوروبا ليدرسـوا سبب تقـدم هذه البلدان على اليابـان . وكذلك أرسلت بعض الدول العربيـة والإسلاميـة بنفـس الفتـرة الزمنيـة طلابـاً لدول أوربا للدراسة نفسها . فماذا حصل وكيف إستفادت اليابان من طلابها الذين عادوا اليها من أوروبـا لتجاوز مشكلة التخلف ؟ عندما إجتمع الإمبراطور والخبراء في إدارة الدولة مع الطلاب العائدين وسألهم ماذا إكتشفتهم إثناء دراستكـم ، وبمـاذا ستفـيدون بلدكـم ؟ قالـوا : لـقد إكتشفنـا أن أوروبـا تستخـدم النظـام التعليمي والتربوي العصريين . فأسرع الإمبراطور بإعطاء أوامره لتغيير كـل ماهـو قديـم وتقليـدي فـي مجال النظام العليمي والتربوي وتحديثه بما يتلاءم مع متطلبات العصر ، والمضي نحو الحداثة .
وقد شن الإمبراطور حرباً شعواء بلا هواده على الساموراي الذين وقفوا ضـد الحداثـة بإعتبـارهـا تمس روح التقاليد اليابانيـة ، وقـد نجـح بذلك وإنحسـر دور السامـوراي ، فتطورت اليابان بأسرع وتيرة مـن أوروبا ، وهاهي اليابان اليوم كيف أصبحت من أرقى بلدان العالم بفضل نجاحها بإنتاج المعرفة العلمية ، والتصدي لإعادة المخزون التقليدي الماضوي .
وجرى العكس تماماً في البلدان العربية والإسلامية ، فعندما عاد طلابها من أوروبا حاملين معهم نفس ما حمله الطلاب اليابانيون ، وحاولوا التجديد وترجمة ما إكتسبوه من علـم ومعرفـة ، ونظـم تعليميـة وإداريـة حديثة ، تفاجأوا بهجمة تكفيريـة شرسة مـن المؤسسات الدينية عليهم بمساعدة السلطات المستبدة المتخلفة وأفشلوا كـل شـيء ، وفضلـوا إعـادة المخزون التقليدي الماضوي على الحداثة والتطور والرقي. وهكذا تخلف المسلمون كثيراً ، وتحول التخلف من البسيط الى التخلف المعقـد الـذي وسع الهـوة والمسافـة بيـن المسلمين والعالم الآخر .
وبما أنهم حاربوا الحداثة والعلوم التي جاء بها الغرب ، إنعكس ذلك سلباً على نمـط تفكيـرهـم بالحيـاة ، وأصابهم الجمود العقلي الذي إنعكس على النمو الذهني ، فتوقفت عندهـم عجلـة الزمـن وتوقفــت ماكنـة التطور ، ورضوا أن يكون كل شيء عندهم بدائي ، حتى أساليب العمل مازالت بدائية ، وتخلف واضـح في النظام الإداري ، وفوضى في التخطيط الإقتصادي والتنموي إن لم نقل إنهم يجهلون معنى التخطيـط ورسم آليات التنمية المستقبلية ، لأنهم مازالوا يعيشون في تراث الميت ويعتمدون على القضـاء والقـدر ، أي حتمية العيش في هذه الدنيا بما هم كانوا عليه ، أما ( الغد ) فهذا من علم ربهم ، ولو سألتهم هل فكرتم بالغد ، بأتيك جوابهم سريعاً ( العلم عند الله ) .
الهوامش :
1 – محاضرة للدكتور المغربي أحمد عصيد
2 – ذهنية التحريم – الدكتور صادق جلال العظم
يتبع الحلقة الثانية