الاسطورة والطبيعة في قصيدة - اطَرِّزْلِكْ- سمير أبو الهيجا

رائد الحواري
2018 / 2 / 17

الاسطورة والطبيعة في قصيدة
" اطَرِّزْلِكْ"
سمير أبو الهيجا
قلنا في موضع غير هذا ان العناصر التي تخفف عنا الضغط هي المرأة، الكتابة/القراءة، الطبيعة، والثورة/التمرد، وإذا ما استثنينا الثورة/التمرد يمكننا القول أن العناصر الأخرى تمنح حالة من الهدوء والسكينة تخرج الكاتب/الشاعر من أزمته، وهذا ينعكس على لغته، فنجده يتحول من الألفاظ القاسية والصعبة إلى تلك الناعمة والهادئة والبيضاء، الشاعر "سمير أبو الهيجا" يؤكد لنا هذه المقولة من خلال قصيدة " اطَرِّزْلِكْ".
في البداية نشير إلى أن العنوان والمضمون منسجمان فيما بينهما، فالعنوان يعد مفتاح للقصيدة، لمضمونها، وبالتأكيد كلمة "تطريز" تحمل معنى الجمال وتعدد الألوان، وتشير إلى شيء مصنوع بدقة يدوية ويأخذ وقت وجهد من المطرز، فكيف "طرز" لنا الشاعر هذه القصيدة؟، ما وضعه فيها من عناصر الطبيعة؟، يفتتح لنا الشاعر قصيدته بقوله:
"لَ اطَرِّزْلِكْ بِ دَيِّ ثوُب مِنِ الحَنُّونْ


وِ اَرْسُمْلِكْ كوفِيِّة عِزّ مِنِ الزّيْتونْ


وَ اعْمَلِّكْ عُرُس عَالْمُوجْ"
التطريز عمل فني متعلق بالثياب والملابس، لكن الشاعر لا يستخدم الخيوط بل "الحنون/شقائق النعمان" والزيتون، والموج، فهنا كافة الالفاظ تخدم مضمون التطريز، لكن الأدوات المستخدمة يستبدلها الشاعر من الخيوط إلى عناصر من الطبيعة الفلسطينية، حتى أنه يستخدم لفظ "الحنون" المتعارف عليه في فلسطين، والذي يأخذنا إلى أسطورة الإله "البعل" الذي يخوض حربه مع إله الموت "يم".
إذن هناك تراث فلسطيني/كنعاني/فينيقي/سوري استخدمه الشاعر في القصيدة، ولهذا لا بد أن يكون هناك أثر من هذه الملحمة على القصيدة وعلى ألفاظها، وهذا ما كان من خلال:
"و أَزَيِّنْ مِنْ دِمايِ اللُّوجْ


وِ مِنِ عْظامي أَشيل بْروجْ


فِلِسْطين الدِّما وِ الرُّوح نور عْيونْ"
بعد انتصار الإله "البعل" في الحرب التي خاضها ضد الإله "يم" تقام الاحتفالات وتبدأ طقوس الربيع احتفالا بهذا النصر، لكن النصر يحمل ويشير إلى معركة دامية حدثت بين إلهين، لهذا نجد هناك لفظ "دماي، عظامي، الدما" فالملحمة تحدثنا عن دماء سالت اثناء المعركة، ودموع سكبت على "البعل" قبل أن ينهض من موته ويعود للحياة.
"وِ اكْتُبْ أِسْمِكِ الْغالي عَلى الْأَقْمارْ


يا أحْلى بيت يا فْلِسْطين و احْلى دارْ


وِ لَوْ تاهِت بِنا الْأَيَّامْ


وِ زادِت قَسْوِة الظُّلَّامْ


وَعِدْ عَ الْحَقِّ ما بِ نْنَّامْ


وِ فوقِ القُدْسِ بُكْرى يْغَرِّدِ الْحَسُّونْ"
الاحتفالات التي اقامها الكنعاني/السوري كانت تستمر لسبعة أيام، في الليل والنهار، من هنا وجدناه يعظم القمر حتى أنه جعله إله، والشاعر يذكر لنا القمر كتعبير عن حالة البهجة التي يمر بها، وهذا التلاقي بين الاسطورة الكنعانية والقصيدة يؤكد على أن الطبيعة والبيئة الفلسطينية تفرض حضورها على الشاعر وعلى كل من كتب وسيكتب في فلسطيني، لهذا نجد تماثل الأدوات المستخدمة رغم الهوة الزمنة الساحقة بين القصيدة والملحمة.
ويعيدنا الشاعر إلى حالة الصراع بين الخصب والموت، بين الخير والشر، أليست هذه طبيعة الحياة، ليل ونهار، خريف وربيع، صيف وشتاء؟:
"وِ لَوْ تاهِت بِنا الْأَيَّامْ


وِ زادِت قَسْوِة الظُّلَّامْ"
هناك من كتب عن "الإثم الكنعاني"، والذي يعني الضحية وخوض الصراع، فالطبيعة فرضت ذاتها على الكاتب/الشاعر بحيث نجد أثرها فيما يقدمه، من هنا نجد القسوة والصراع حاضر ومستمر في القصيدة.
لكن دائما هناك نهاية سعيدة تنتظر الكنعاني/الفلسطيني، ألم ينهض الإله "البعل" من الموت ويعود ليخوض صراعه مع "اليم" وينتصر عليه؟ هكذا هي الطبيعة في فلسطين، الخير/الخصب/البعل ينتصر على الشر/الجذب/الموت:
" وَعِدْ عَ الْحَقِّ ما بِ نْنَّامْ


وِ فوقِ القُدْسِ بُكْرى يْغَرِّدِ الْحَسُّونْ" النهايات السعيدة كانت وما زالت تعتبر احدى أهم مقومات الحكاية الشعبية الفلسطينية والتي تعود جذرها إلى أول مجتمع حضري تأسس في فلسطين/سورية.
عودة البعل من الموت ثقافة متأصلة عند الفلسطيني/الكنعاني، لهذا هو لا يفقد الأمل ويتعامل مع الغياب كما تعاملت الربة "عناة" مع غياب "البعل" وبقيت متمسكة ومؤمنة وعاملة على عودته ولها ما كان، وهذا حال الشاعر، يخوض صراع مع غياب الاحبة لكنه مؤمن وعامل على عودتهم كما فعلت عناة" مع "البعل":
"وِيِزْدادِ الحَلا بِ عَوْدِةِ الْغُيَّابْ


يِجيكي ابْنِكْ مِنِ الْغُرْبة يِدُقِّ الْبابْ


وَلا لاجِيء ما بينِ بْلادْ


وَلا مْشَرَّدْ وَلا أِبْعادْ


وِنِكْسِر شُوكِة الْأَوْغادْ


وِ نُشْطُبْ مِنْ قاموسِكْ أِسْمِ ابِنْ صَهْيونْ" سنحاول أن نقتبس شيء من ملحمة البعل، لتقريب التلاقي بين القصيدة والملحمة، جاء في الملحمة هذا المقطع:
".. ترسل صوتك رعدا فترتجف الجبال
ترتعد فرائص الأعداء، تختبئ في المغاور
عند سماع صوت الإله هدد
نعم، أجاب البعل
الأرض ستهتز، الجبال سترتجف
الأعداء ستختفي، لن يشاركني في الملك أحد" ص133و134.
تتلاقي القصيدة والملحمة في حديثهما عن الصراع وحتمية انتصار الخير على الشر، بحيث لا يعود هنا لا "الأعداء ولا صهيون" لهذا نقول أن طبيعة فلسطين/كنعان وطبيعية الفلسطيني/الكنعاني واحدة، محافظة على إيمانها بالنصر والخروج من حالة الموت والتي وإن طالت لا بد أن تنتهي وتكون الحياة بهية وجميلة.

خاتمة القصيدة أيضا متماثلة مع خاتمة الملحمة:
"وِتِضْوي شْموعِكِ الْحُرَّة مِنِ الزَّنازينْ


وِ ما يْظَلِّشْ سِجِنْ فيكِ وَلا مَساجينْ


يِعودوا يْحَلِّقوا لِ صْقُورْ


نِزيل الْعَتْمِة نِضْوي النُّورْ


وِتِزْداني بِ أَحْلى زْهورْ


فِلِسْطين الوَطَنْ أَحْلى وَطَنْ بِ الْكونْ" هذا ما جاء في القصيدة، وما جاء في الملحمة هو:
"...رفع صوته، نادى: الحياة لأختي عناة
مقامك سأرفعه، قرنك سأمسحه
سنطير معا، نقضي على أعدائنا
... لك البشرى يا بن داجون
...فرح البعل امتلأ كبده سروراً
سلام أيها الابناء، ليحل السلام"ص160و161.
هذا التلاقي لم يأتي بالصدفة، بل هو ناتج عن الثقافة الشعبية الفلسطينية المستمدة والمستمرة في هذا الشعب منذ أن كتبنا ملحمة "في العلا عندما، وجلجامش، والبعل، وعشتار ومأساة تموز، فكل هذه الملاحم تتحدث عن حالة الصراع، الصراع بين الخير والشر، بين الموت والحياة، بين الخصب اليباب، وإذا ما توقفنا عند الأدب الهلالي سنجده يحاكي الطبيعة وما فيها من صراع، وبما أن "سمير أبو الهيجا" شاعر شعبي، بمعنى مطلع على كافة تفاصيل الحكايات الشعبية، فقد تأثر بها فكانت قصيدة "اطَرِّزْلِكْ" منسجمة ومتوافقة وتلتقي مع الثقافة الشعبية الفلسطينية.
القصيدة من ديوان "طرزة فلسطينية"
والمراجع هو "ملاحم واساطير من الأدب السامي، أنيس فريحة، منشورات دار النهار، لبنان، الطبعة الثانية،1979