هل يمكن أن تقوم دولة المواطنة بغياب ركائزها ؟

صادق محمد عبد الكريم الدبش
2018 / 2 / 17

هل يمكن أن تقوم دولة المواطنة
بغياب ركائزها ومقومات وجودها ؟

سؤال قديم ... جديد .. متجدد !
منذ أن جاء الاحتلال الأمريكي البغيض الى العراق عام 2003 م ، والصراع على أشده بين مكونات شعبنا المختلفة وقواه السياسية !
وهذا الصراع كان يأخذ أشكال وصور مختلفة ، وبدوافع ومبررات متنوعة ، ويستمد قوته وديمومته من قوى إقليمية وعربية ودولية ، وكل حسب قدرته على التأثير في المشهد العراقي !
ولا نريد أن ندخل في تفاصيل ذلك ، فهو معروف حتى للبعيدين عن هذا المشهد المثير للكثير من التساؤلات والاستغراب من أطراف داخلية وخارجية ، وقد تم تناولها وبإسهاب ممل من قبل كتاب ومفكرين وساسة وعلماء سياسة واجتماع وجي سياسي ، وهو أمر طبيعي لبلد مثل العراق ( تأريخ وحضارة وموقع وثروات وتراث ) وهذا ليس بجديد على هذا البلد ( بلد ما بين النهرين ) فقد شهد خلال فترة ما بعد التأريخ حروب واحتلالات ونشوء ممالك واندثار أخرى !.. وهكذا هي حركة التأريخ الإنساني .

حين نتحدث عن الدولة !.. فإننا نتحدث عن الدولة الحديثة ومقومات وجودها ونجاحها في التعبير عن إرادة الناس وبشكل متساوي وعادل ، وضمن بقعة جغرافية محددة ، ومعترف بها من قبل المنظمات الدولية وبالتحديد ( الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن ) والتي تكتسب الشرعية القانونية عالميا من خلال هذه المؤسسات .
وهنا سنأتي لبيت القصيد ( أو على مربط الفرس كما يقال ) .

هناك ركائز لهذه الدولة ( دولة المواطنة ) والتي يجب أن تعبر عن إرادة الناس وعن تطلعاتهم وتصون كرامتهم وتحمي أرواحهم وممتلكاتهم وتحمي حقوقهم وحرياتهم ، وتضمن لهم حقهم في التعبير عن الرأي وتوفير فرص العمل والسكن اللائق والتعليم والتطبيب والعلاج ، وغير ذلك من الحقوق ، وتثبت تلك الحقوق والواجبات في عقد اجتماعي مُلْزِمْ ( للدولة ومؤسساتها المختلفة كطرف مكلف ووفق هذا العقد المبرم مع المجتمع ) والذي عبرنا عنه وأسميناه بالعقد الاجتماعي أو الدستور .

ومن هذه الركائز الأساسية والواجب توفرها :

1- وجود مؤسسة أمنية وعسكرية واحدة وَمُوَحًدة ، وطنية ... مستقلة ومهنية ، ويكون السلاح بيدها حصرا ، دون سواها ، ولا تَخْضَع الى السلطة السياسية وأحزابها ، وتتشكل من كل الطيف المجتمعي ومن دون تمييز وإقصاء ولا تهميش .
ولا يجوز تشريع أي قانون يتعارض مع شروط وثوابت واستقلال ووطنية هذه المؤسسة وتحت أي ذريعة أو مبرر أبدا .
إن وجود ما أصبح يطلق عليه اليوم ( بالحشد الشعبي ،، والذي تشكلت نواته من عدد من الميليشيات الطائفية ، المعروفة بنهجها الذي يتبع لقوى وأحزاب ومراجع الإسلام السياسي ) وذلك للإبقاء على تواجدها على الساحة العراقية بعديدها وعدتها ، ولإيهام الناس تظليلا وخداعا وكذب ، بأنها أصبحت وفق القانون شرعية ، وقد باركتها المرجعية الدينية من خلال ما أصبح يعرف بالحرب على داعش أو ما يطلق عليه ( الجهاد الكفائي ) ، وتم تشريعه بقانون من قبل الكتل الشيعية المتنفذة ، والتي تمتلك الأغلبية في مجلس النواب ، بعد أن تمكن داعش من احتلال أكثر من ثلث مساحة العراق ..من المحافظات الغربية .
وهذه تأشر الى مخالفات عديدة :
أ - هذه المجاميع المسلحة ( الميليشيات ) هي مثل ما ذكرنا لها نهج وسياسة الدولة الدينية وتابعة لأحزاب السلطة وتأتمر بإمرتها وتسير وفق نهجها ، وهي طائفية في رؤيتها وفلسفتها وغير وطنية .
ب - سلاحها وعدتها وألياتها تخضع لمراجعها ولأحزابها في كل شيء ، ولا توجد للدولة أي سطوة أو تأثير على هذه المجاميع ، وهو إخلال بوحدة وسلامة المؤسسة الأمنية والعسكرية ، ومخالف للدستور والقانون .
ج - من خلال هذه الميليشيات والمجاميع ، تجد السلاح منتشر في كل المناطق الوسطى والجنوبية ، ولا قدرة للدولة على الحد من انتشاره وتأثيره سلبا على حياة الناس وعلى أمنهم وسلامتهم ، وتهديد للسلم الأهلي .
د - وجود هذه المجاميع المنفلتة والسائبة ، يهدد سلامة القضاء والسلطة القضائية في قدرته على تحقيق العدالة وبسطها في المجتمع ، كون السلاح هو بالضد من القانون ومن بسط سيادة الدولة لسلطتها في البلد .

2 - المؤسسة الدينية :
هناك فارق كبير بين الدولة وسلطتها !
وبين الدين وسلطته !
فلا يمكن لأي دولة حديثة ، تقوم بتحقيق العدالة بين مكونات الشعب المختلفة ، وتجمع معها السلطة الدينية في الوقت نفسه !
كونهما يسبران في خطين متوازيين ومتعارضين تماما !
ولكل من هاتين المؤسستين لهما شروطهما وقواعدهما وفلسفاتهما الخاصة بكل واحدة من هاتين السلطتين !
فكيف لنا أن نتبع القوانين الوضعية وما أقر من قواعد وحقوق ومواثيق لمنظمات دولية وحقوقية ، وتم الاعتراف بها وإقرارها وتضمينها بدستورنا العراقي ..كيف ؟

الفصل بين الدين والدولة هو شرط أساسي وجوهري ، من شروط قيام دولة المواطنة ، ولا وجود لهذه الدولة بوجود وهيمنة المؤسسة الدينية ورجال الدين على صنع القرار السياس ، وعلى التدخل في التشريع وصنع القرارأبدا .

3 - تسيس العشائر وإقحامها وإتباعها لسلطة المؤسسة السياسية وأحزاب السلطة :
القبيلة والعشيرة هي مؤسسة إجتماعية نشأت في ظروف ما قبل قيام الدولة ، والدولة الحديثة ، ولها ضروراتها وصيرورتها وركائزها في شكل من أشكال التنظيم في المجتمعات المختلفة !
وبعد قيام الدولة الحديثة ، انحسر تأثير وسطوة وأحكام وأعراف العشيرة ، وتطورت بما ينسجم وتنظيم المجتمع الحديث وانبثاق الدولة الحديثة .

محاولات العودة بالمجتمع الى أعراف وقوانين ما قبل قيام الدولة الحديثة ، يعني بأننا نسير عكس قوانين التطور الطبيعي للمجتمع وللحياة .
وهذا يتعارض تماما مع ركائز بناء الدولة الحديثة ( دولة المواطنة ) وهو إلغاء صريح وواضح لقيم وأعراف وضوابط الدولة المراد قيامها ، وهو تسفيه وإلغاء للقضاء ولسلطته ولهيمنة الدولة ، والرجوع خطوات الى الخلف ، مثلما نشاهده اليوم ومنذ فترة من صراع ونزاع عشائري مرير ، وشرعنه للسلاح في محافظات الوسط والجنوب ، وهذا هو تغييب للدولة وللقضاء ، من خلال إعادة الحياة للأعراف والقوانين العشائرية وأحكامها وسلطتها ، وهذا يرفضه العقل والمنطق ، وترفضه منظومة قيم وركائز وأعراف الدولة الحديثة .

إن ترسيخ مفاهيم الدولة وأعرافها وفلسفتها ، ضرورة وطنية وحضارية ، إذا كنا راغبين في إعادة بناء دولة المواطنة وتحقيق العدالة .

الدولة وبنائها هو كل متكامل ومتصل ببعضه وغير منفصل بين أجزائه أبدا .
مثلما ذكرنا بأن الدولة تقوم على ركائز وأعمدة وقواعد ، ذكرنا البعض من ذلك ، وترسيخ هذه المفاهيم تحتاج الى بناء مؤسساتي لدمقراطية الدولة الحديثة ، من انتخابات وتشريع القوانين الضامنة لانتخابات شفافة وديمقراطية وتوفير مستلزماتها ( مفوضية مستقلة .. قانون شفاف يعبر عن رؤية القوى السياسية وبشكل عادل .. قانون أحزاب وطني وحقيقي .. تشريع قانون من أين لك هذا ، ومنع المال السياسي من أن يتدخل في التأثير على سير العملية الانتخابية ، والتنافس الشريف في الدعاية الانتخابية .. المراقبة الوطنية والدولية لسير العملية الانتخابية وبشكل شفاف ) .

هذا غيض من فيض يجب أن تنهض به السلطات الثلاث ، وتعمل بموجبه وتسير بهديها ، لتعيد بناء الدولة ، وفي سبيل دحر الإرهاب بشكل كامل ، ومحاربة الفساد والمفسدين قولا وفعلا ، والكشف عنهم وعن جرائمهم التي اقترفوها بحق الناس وبالمال العام ، وإعادته الى خزينة الدولة ، ومحاكمة الجنات ، وعلى وجه الخصوص الكبار منهم .
ومن صلب مهمات هذه السلطات الثلاث ، التصدي للطائفية السياسية وللعنصرية وللمحاصصة ، ولكل أشكال التمييز والقهر ، ومحاربة الفقر والجهل والمرض ، والحفاظ على تماسك نسيجنا الاجتماعي وعلى السلم الاهلى ، والإسراع في عملية التنمية وتحريك عجلة الاقتصاد وعدم الاعتماد على الاقتصاد الريعي ، وتحفيز الكفاءات العلمية والمهنية لتساهم في عملية التنمية المستدامة ، من خلال استغلال كل طاقات المجتمع في عملية متكاملة ومدروسة ، تصب في خير وتقدم ورخاء العراق وشعبه ، وليحل الأمن والسلام والتعايش يبن جمي العراقيين .

صادق محمد عبد الكريم الدبش
16/2/2018 م