أبونا سمعان … العدلُ معقودٌ بناصية بلادي وجيشه

فاطمة ناعوت
2018 / 2 / 17


أيها القسّ الشهيد، قضاؤنا العادل جاء بحقّ دمائك اليوم، واليومَ أيضًا جيشُنا الباسل يُطارد رؤوس قاتليك في سيناء.
مشهدٌ مروّعٌ صدَّع قلوبَ المصريين. مشهدٌ حزين شاهدنا تفاصيلَه المريرة بالفيديو، ليظلَّ محفورًا في ذاكرة مصرَ؛ عصيًّا على النسيان. قِسٌّ مسالم، مشهودٌ له بالطيبة والبشاشة مع الجميع. كان يسير في إحدى ضواحي القاهرة، في أحد نهارات أكتوبر الماضي 2017، في مهام خدمته لمساعدة الفقراء والمُعوزين. ركض وراءه مراهقٌ يحمل سكينًا ضخمة، ثم ّنادى على القس: "يا قسيس!"، فالتفت له الكاهنُ، كأنما ظنّ أن للشابّ حاجةً فيؤديها له، كما تتطلّب خدمتُه في مساعدة ذوي الحاجات. فما كان من المراهق الضالّ إلا أن طعن القسَّ في بطنه، ثم عاجله بأخرى في جنبه، فسقط الرجلُ الأعزلُ مُضرجًا في دمه. وبدلا من أن يرتبكَ القاتلُ أو يندم لما أثمت يداه، عاجلَ المُحتضَرَ بعدة طعنات في وجهه، حتى صعدت روحُه إلى خالقِها، محفوظًا حقُّه في السماء، ليتبقى حقُّه في الأرض. وبالأمس فقط جاء حقُّه في الأرض بحكم قاضٍ عادل، قضى بإعدام القاتل شنقًا، كتأكيد للحكم الذي قضى به قاضٍ عادلٌ آخرُ في مراحل التقاضي السابقة.
القسُّ المغدورُ اسمه الأبُ سمعان شحاته رزق الله. أحدُ الأقباط الذين نذروا أعمارهم لمساعدة فقراء المصريين وإغاثة المُعوزين من ذوي الحاجات. والغادرُ مراهقٌ بليدٌ نصفُ أميّ لم يكمل شهادته الابتدائية اسمه أحمد سعيد السنباطي، أحد بلطجية الرواقات الذين لم يقدموا للمجتمع شيئًا سوى الدماء والويل والخراب وأطنان من الخيبات. حين سأله المُحقِّق إن كانت له سوابق: ردّ مبتسمًا: “إشعالُ حرائق بالعمد، وحوادث ضرب.” وكأنما يفخرُ بمقدرته على ترويع البشر وتخريب ما عمَّره بشرٌ يُعمِّرون!
كثيرٌ من البشاعات المخجلة صاحبت تلك القضية التي أبكت قلبَ مصر وزلزلت قلوبَ المصريين. منها الفيديوهات الكثيرة التي صوّرتِ المشهدَ الفاجع. مَن الذي صوّرها؟ عدا كاميرات المراقبة المركّبة في مخزن الحديد، مسرح الجريمة؛ ثمة كاميراتُ هواتفَ كثيرة صوّرت المشهد. وكأن أصحاب تلك الهواتف قد فضّلوا تسجيلَ جريمة الذبح بدلا من محاولة منعها، ولو بمجرد إلقاء حجر على القاتل حتى يتشتت انتباهُه ثوانى قليلةً تُمكِّن المغدورَ من الهرب من الغادر قبل إزهاق روحه. لكن الأبشعَ من كلِّ ما سبق هو إجابات القاتل على أسئلة التحقيق بكل ما تحمل من صفاقة وبرود وإصرار على الإثم دون ذرّة ندم، وشعور مريض بالفرح لأنه نجح في إزهاق روح بريئة مسالمة، لم تؤذه على الإطلاق، ولم تؤذ أحدًا، إنما ساعدتِ بؤساء وفقراء ومرضى. كان القسُّ في طريقه لأداء بعض مهام خدمته في جمع التبرعات من الموسورين لتوزيعها على فقراء ينتظرون الغوث، فجاء ضالٌّ خاملٌ اعترف بأنه بدأ حياتَه في العطالة والمجون وشرب الخمور وتعاطي المخدرات، ليوقفَ فيضَ الخير والصدقات الذي كتبه اللهُ للمحتاجين من فقراء المصريين على يد هذا القس الطيب. جريمةٌ مزدوجة إذن: إزهاقُ روح إنسان، ومنعُ مساعدة ملهوفين!
القصّةُ في نظري تعدّت حقلَ القتل الطائفي: مسلمٌ مُضَّللٌ يقتل مسيحيًّا مسالمًا. نحن أمام جريمة قتل مجتمعية لها بطلان اثنان: مفيدٌ وضارٌّ، فاعلٌ وخاملٌ، طيبٌ وشريرٌ... قمحٌ وهالوك. بلطجيٌّ عالةٌ على المجتمع يقتلُ مواطنًا مفيدًا للمجتمع، في وَضَح النهار، أمام المارّة والسابلة. هنا تأخذُ الجريمة بُعدًا مجتمعيًّا خطيرًا يُضافُ إلى بُعدها الطائفيّ المرير، والمخجل.
لكن هناك بطلا ثالثًا خفيًّا لم يظهر في مسرح الجريمة. هو البطلُ الأخطرُ الذي يُحرّك عروس الماريونيت بخيوط في أصابعه. اعترف القاتلُ، "عروسُ الماريونيت" أنه نفّذ جريمته بعد دقيقتين من تلقيه مهاتفة ممن أطلق عليه: "نائب الأمير" أو "السيادة الحرة". وبمجرد تلقّيه أمر القتل، تخلص من الهاتف ونفّذ العملية. أولئك هم أبطالُ الإرهاب الأُوَلُ الذين يحرّكون عرائس الماريونيت الإرهابية في طرقات مصر وأزقّتها وميادينها فيدثرون بيوتنا بشرائط الحداد. وأولئك هم من يحاربهم جيشنا العظيم اليوم في سيناء ليجتثَّ شأفتهم من جذورها. نصر الله جيشنا العظيم وسدّد خُطاه.