فيروسات الإيمان

سامى لبيب
2018 / 2 / 16

- تحليل الحالة النفسية والذهنية لأصحاب الفكر الإيمانى - جزء ثانى .
- لماذا يؤمنون وكيف يعتقدون (43) .

هذا المقال هو الجزء الثانى من تحليل الحالة النفسية والذهنية لأصحاب الفكر الإيمانى ليأتى ناقداً للحالة الإيمانية وما يترتب عليها من آثار سلبية تتمثل فى إنحطاط وتدهور الحالة النفسية للإنسان فهو لم يغادر الحالة النفسية والفكرية لإنسان قديم بل تزداد الأمور وطأة بمزيد من التدهور الغير مبرر كون الإنسانية تجاوزت جهلها .
يجدر الإشارة أن الحالة الإيمانية ومايترتب عليها من تدهور البنية النفسية والذهنية هى القضية , فالأمور ليست على نسق واحد لدى كل المؤمنين فهناك تباين ونسبية فى درجة الإيمان والتشبع منه ليكون نقدنا للحالة الإيمانية الحقيقية , وإن كانت الآثار السلبية حاضرة وإن تفاوتت , فلن تستثنى أحد لنتلمس سببية تخلف شعوبنا .
أشبه الآثار السلبية للعملية الإيمانية بالفيروسات فهى تتغلغل فى ثقافة ونهج وفكر الإنسان وتسقط على مناحى شتى لتخترق الذهن والفكر والنفسية .. دعونا نبحث فى هذه الفيروسات .

* فيروس العبودية .
- الحالة الإيمانية بالإله ترسخ الإحساس بالعبودية والدونية , فالمؤمنين عبيد الله لتتأسس حالة إنسانية يعتريها الإنسحاق والدونية فى الداخل الإنسانى , فالإحساس بالعبودية لا يشترط أن يسجل فى بطاقة الهوية أن هذا الإنسان عبد , فالإحساس يتم تصديره وترويضه ليتملك من الإنسان ليمحو حريته وكرامته ,فالأمور ليست بحاجة أن يتم تقنينها فالإنسان إحساس وذهنية .. لذا تجد الشعور بالعبودية مازال رائجاً فى المجتمعات الدينية بالرغم أن البشرية تجاوزت مجتمعات العبودية , فهناك مناهج فكرية إيمانية لخلق العبودية لتتغلغل فى نفوس البشر .
فكرة الله السيد والإنسان العبد هو حجر الزاوية لفيروس العبودية والتى منها نبقى عبيدا لأصحاب المال والجاه والسلطة ونحن نرتدى حلل أنيقة وفى عصور مغايرة .. إن وجود الإحساس وفكر العبودية فى الداخل الإنسانى أو قل للدقة فيروس العبودية الذى يخلق المجال ليتحقق فيه على أى مستوى , ففلسفة العبودية للإله هو مفهوم الخضوع الكامل لمصدر القوة , ليتحرك فيروس العبودية فى أى مجال تتواجد فيه مصادر القوة لنجد الخضوع للحكام والسلاطين وزعماء القبائل جاء فى المجتمعات الدينية من الفيروس الأول المتمثل فى العبودية للإله .

-عندما يتم إقناع العاقل بالاعتقاد بأنه عبدٌ يؤدي وظيفة لا يحتاجها سيِده , فحينها لا تكون للحياة قيمة ولا يكون للوجود معنى , ويكون من الحماقة والسذاجة إنتظار جزاء بحجم الجَنة الموصوفة مقابل أفعالٍ ونتائج ما كان يمكن أن يحصل سواها .
إن فكرة العبودية للإله هو مخاض ثقافة مجتمعات العبودية , فلو قالوا لنا أن العلاقة بيننا وبين الله هى علاقة سيدوفية ما فهمنا ماذا تعنى , ولكن لو قالوا لنا أن العلاقة هى عبودية لفهمنا ..من هنا نسأل هل أهل الإيمان إستعاروا مشهد العبودية من الواقع وأسقطوه على فكرة الإله , أم أن الإله هو من له هذه الهيئة ونحن من إستعرنا مشهد النظام العبودى ليكون مثال لنا لنفهم من خلاله العبودية لله ! .. ولكن مشهد عبودية السادة على الأرض هو الماثل ونراه متحققاً ولم نشهد مشهد الإله السيد .. نحن رأينا الملك الجالس على كرسيه يحمله ثمانية من العبيد الأشداء ولم نشهد الإله الجالس على عرشه يحمله ثمانية من الملائكة بل هم قالوا لنا هذا .. فمن إستعار المشهد مِن مَن .؟!
فى الحقيقة الإنسان مُبدع فكرة الإله وراسم ملامحها من خلال مفردات واقعه ونسق العلاقات المتواجدة ليسقطها على فكرة الإله لنقول هكذا هو خياله وتصوراته فى رسم الإله الجالس على العرش كملوكه وسلاطينه بل سيدخل في السياق رغبات وإرادات نُخب تأمل أن ترسخ هيمنتها وسيادتها وساديتها , فلا تقتصر العبودية ككونها نظام إجتماعي ذو مرحلة تاريخية بل نظام ونسق السماء ونهج الحياة , فكما السيد يطلب الطاعة والتعظيم والتفخيم من عبده مقابل الخنوع والإذلال والدونية من العبد فهكذا الإله ليصبح منهج طبيعى للحياة والعلاقات , لذا لن يكون غريباً ان نجد حديث يعتبر هروب عبد من سيده هو بمثابة الكفر " أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ فَقَدْ كَفَرَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ ".. عندما تُصر أن لا تسجد لوجود أو فكرة أو أيدلوجية فحينها لن تكون عبداً .

* فيروس التذلل .
- تنتج الحالة الإيمانية فيروس التذلل كنتيجة حتمية لفكرة العبودية للإله لنتلمس روح منسحقة دونية تعلن الإذلال للقوى الغاشمة المتملة فى الإله , ففى المسيحية نجد صلاة تقيض بروح الإنسحاق والإذلال بالرغم من إبداع المسيحية لفكرة البنوة للإله , ففى مقطع من صلاة النوم ما نصه : هوذا أنا عتيد أن أقف أمام الديان العادل، مرعوبا ومرتعبا من كثرة ذنوبي، لأن العمر المنقضي في الملاهي يستوجب الدينونة. لكن توبي يا نفسي مادمتِ في الأرض ساكنة، لأن التراب في القبر لا يسبح. وليس في الموتى من يذكر، ولا في الجحيم من يشكر. بل انهضي من رقاد الكسل وتضرعي إلى المخلص بالتوبة قائلة : اللهم ارحمني وخلصني .
لو كان العمر ثابتا وهذا العالم مؤبدا، لكان لك يا نفسي حجة واضحة، لكن إذا انكشفت أفعالك الرديئة وشرورك القبيحة أمام الديان العادل، فأيَّ جواب تجيبين وأنت على سرير الخطايا منطرحة، وفى إخضاع الجسد متهاونة . أيها المسيح إلهنا لكرسي حكمك المرهوب أفزع، ولمجلس دينونتك أخشع، ولنور شعاع لاهوتك أجزع، أنا الشقي المتدنس، الراقد على فراشي المتهاون في حياتي. لكنى أتخذ صورة العشار قارعا صدري، قائلا: اللهم اغفر لي فإني خاطى.
أيتها العذراء الطاهرة أسبلي ظلك السريع المعونة على عبدك. وأبعدي أمواج الأفكار الرديئة عنى. وأنهضي نفسي المريضة للصلاة والسهر، لأنها استغرقت في سُبات عميق. فإنك أم قادرة رحيمة معينة، والدة ينبوع الحياة، ملكي والهي، يسوع المسيح رجائي .

- يتكرر هذا المشهد فى مواضع عدة ليكون بمثابة منهج المؤمن فى تعامله مع الرب وكيف يكون حاله مع رب المجد , ففى مزمور 119 نتلمس حالة دونية للنفس البشرية تتمرغ فى الدونية وتحقير الذات
"صغير أنا وحقير، أما وصاياك فلم أنسها" .
"هذه هي تعزيتي في مذلتي، لأن قولك أحياني" .
"تَذَلَّلْتُ إِلَى الْغَايَةِ. يَا رَبُّ، أَحْيِنِي حَسَبَ كَلاَمِك",
"خَيْرٌ لِي أَنِّي تَذَلَّلْتُ لِكَيْ أَتَعَلَّمَ فَرَائِضَكَ" .

- لا يكون الوضع مختلفاُ فى الإسلام بل التذلل لله أكثر وضوحاً فهو ماهية وفلسفة ونهج صلاة لنجد مزيج من التعظيم والتفخيم والتمجيد للإله مع التحقير والتذلل والدونية لوضعية الإنسان - هذا دعاء للتذلل لله :
مولاي مولاي؟ انت المولى وانا العبد وهل يرحم العبد الا المولى
مولاي مولاي ؟ انت العزيز وانا الذليل وهل يرحم الذليل الا العزيز
مولاي مولاي؟ انت الخالق وانا المخلوق وهل يرحم المخلوق الا الخالق
مولاي مولاي؟ انت المعطي وانا السائل وهل يرحم السائل الا المعطي
مولاي مولاي ؟ انت المغيث وانا المستغيث وهل يرحم المستغيث الا المغيث
مولاي مولاي؟انت الباقي وانا الفاني وهل يرحم الفاني الا الباقي
مولاي مولاي ؟ انت الدائم وانا الزائل وهل يرحم الزائل الا الدائم
مولاي مولاي؟انت الحي وانا الميت وهل يرحم الميت الا الحي
مولاي مولاي؟ انت القوي وانا الضعيف وهل يرحم الضعيف الا القوي
مولاي مولاي؟انت الغني وانا الفقير وهل يرحم الفقير الا الغني

- لماذا كل هذا الإذلال والهلع والدونية.. فهل الرب المُفترض يُسعده هذا الشعور الحقير بالرعب والهلع والمذلة .. هل هذا ما يُرضيه ويأمله .. ما كل هذه الحقارة والدونية التى تعترى الإنسان .. هذه الوضعية الغريبة الشاذة فى العلاقة بين الإنسان والإله ليتخذ الإيمان هذه الصورة المفعمة بالتذلل والهوان والدونية ’ فسمة الإيمان بالله هو الإمتنان و الإنسحاق والإذلال ليكون فيروس التذلل نتاج طبيعى لمنهجية وأداء فكر العبودية مواكباً لرؤية السادة والنخب التى تعيش أجواء عصور العبودية بمزاجها ومناخها الثقافى لتسقط هذه العلاقة على الإله بإعتباره سيداً , لتخدم فى النهاية الأسياد فى مجتمع العبودية وترسخ من سطوتهم وساديتهم .
خطورة فيروس التذلل أنه تواجد فلن يكتفى بتحققه فى النفسية الدينية تجاه الإله ليجد المجال فى الحضور أمام كل مراكز ومواقع القوة المتمثلة فى الأقوياء من الحكام والطغاة , وهذا يفسر مظاهر الإنسحاق والدونية فى المجتمعات الثيوقراطية على مر العصور فهناك فيروس التذلل والدونية قد حضر .

* فيروس التخويف والقلق .
- لقد بنى وجدان وضمير الإنسان المؤمن وخاصة المسلم على الخوف والرهبة ممن خلقه والشعور بالإمتنان والشكر لفضله عليه , ومن هنا يجب عليه الخضوع لصاحب النعمة والجبروت .. ثقافة الإسلام جعلت المسلم لا يثق فى ربه ولا يأمن مكره , فالإنسان المسلم لا يعرف الحب بقدر ما يعرف الخوف , فالرب رحمن رحيم ولكن يبتليك بالمرض والجوع والخوف والضلال والغواية والمكر كى يختبر طاعتك وصبرك ويرى دموع الذل فى عينيك فإن أخطأت ثم عدت فإنه سيتوب عليك ولكن يجب أن تندم ندماً شديداً .. يجب أن تعيش حياتك كلها تتذكر ذنبك وتعيش عقدة الذنب وتتذكر عذاب جهنم فأنت لازلت لا تعلم ولن تعلم هل قُبلت توبتك أم لم تقبل , وحتى إن قبلت فالأمور فى خطر " وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ",!فالإله مُضطر لذلك مَغلوباً على أمره هذا حينما تؤمن بالله حق إيمانه .. أما لو أشركت به حتى لو لم تعلم به فأنت خالداً مخلداً فى ناره ..الغريب والطريف أن نار جهنم لا تعمل على مايرام "كلما خبت زدناهم سعيرا " يعنى حتى فى الآخرة الأمور غير مضمونة فهناك مشاكل تقابل الإله فالنار خاضعة لقوانين الدنيا فكلما خبت قام الإله بإمدادها بالحطب والنار.!
كل هذا ويظل الإله أرحم الراحمين فى الذهنية الإيمانية ولكن تلك الذهنية النفسية لن تغفل أن الإله شديد القسوة والإنتقام والغضب ليعيش المؤمن أجواء القلق والخوف من هذا الإله لتنتج شخصية مضطربة لن تصنع حضارة , فالخائفون المرتشعون القلقون المستهلكون فى خوفهم لن ينتجوا عملاً ناضجاً مثمراً .

- يدعي المسلمون والمسيحيون أن إيمانهم قائماً علي حبهم للإله , ولكن لنا أن نتسائل عن ماهية هذا الحب , فهل حقاً ما يقولونه صحيحاً ؟ فكيف لإنسان أن يحب شيئاً لا يدرك ماهيته ؟ إنه مجرد إدعاء أجوف لا ينطبق علي الواقع .. ربما يدخل هذا الحب الي قلب أحدهم بشكل تخيلى من الاشياء المروية عن ذلك الاله , تماماً كما يتعلق قلب أي انسان ببطل قصة ما ولكن لاحظ أن هذا التخيل لا يجوز مع فرضية الإله البعيد عن التخيل والتمثيل ,علاوة على أن راسم فكرة الإله رسمه بتاريخ مليئ بالساديه والوحشية , ففرضية فكرة الله أنه رحيم فى الظاهر ولكن متي وضعته تحت المجهر فلن تجد من هذه الصفة شيئاً البته , بل تنقلب الي النقيض !
ولكن لماذا يؤمنون ؟.. حين ننظر الي القرآن لا نجد هؤلاء الذين يعبدون الله حباً فيه ! فالقران يقول" : وَالَّذِينَ هُم مِنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشفِقُونَ. إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ " المعارج. وقوله : "والذين هم من عذاب ربهم مشفقون" وقوله : " والذين هم في الدنيا من عذاب ربهم وجلون أن يعذبهم في الآخرة ، فهم من خشية ذلك لا يضيعون له فرضا ، ولا يتعدون له حدا" . وقوله : إن عذاب ربهم غير مأمون .. هذا هو الواقع والحقيقه فلا وجود لأي حب هنا أو أدلة عقليه ,إنه الخوف ! لذا نجده في اية أخري يقول : "يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا" الإنسان .وقوله : ويخافون عقاب الله بتركهم الوفاء بما نذروا لله من بر في يوم كان شره مستطيرا "ويقول أيضا : "وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ " الانعام .
- وحديث لمحمد أنه صعد الصفا ، فدعا بطون قريش الأقرب ثم الأقرب فاجتمعوا ، فقال : يا معشر قريش ، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا تصبحكم ، ألستم مصدقي ؟ فقالوا : ما جربنا عليك كذبا قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ,
"أنظر أيضا إلى آية سورة الإسراء " وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً" . كذا قوله :" هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا " الرعد .
القرآن مليئ بالوعيد والتهويل والعذاب والحرق وبث الرعب : "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ " النساء .
" وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً " , " وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى" طه .
هذا الزخم القرآنى الذى يبث الخوف والفزع والرعب فى النفوس ينتج حالة نفسية وذهنية مهترئة , فالخوف يشل قدرات الإنسان على التفكير المُجدى المُثمر فهو أسير حالته النفسية المضطربة لتنتج حالة فكرية ونفسية مشوشة مضطربة تعلى من الإنفعال والعاطفة الطائشة فى التعاطى .

* فيروس الإنسحاق للطبيعة .
- يسود لدى المؤمنين الإعتقاد بصحة نظرية القضاء والقدر , والتي مفادها أن كل ما يُقال وما يُفعل وما يترتب عليها من نتائج هو شئ حتمى لتكون الامور ماهى إلا تحصيل حاصل , فالمؤمن لا يمتلك دليلاً على صحة إيمانه , ولا يمكنه الجزم بقبول عمله عند الإله , ولا ضامن لنجاته وهلاك من سواه .. ومع ذلك فهو يدعو غيره ويُعاديهم ويُحاربهم من أجل أن يقتدوا به ويؤمنوا مثله وإن تباين حدة العداء مابين القولى أو الفعلى أو النفسى على أقل تقدير , فلا يفطن المؤمن أن المؤمنين بشر صَدقوا بشراً مثلهم, وآمنوا بما قيل لهم فلم يرى ولم يطلب كل واحدٍ منهم برهاناً بمفرده , وما دعوتهم لغيرهم إلا ليطمئنوا هم لصحة إيمانهم , وما معاداتهم لسواهم إلا لأنهم جاهروا بتكذيبهم وليس لأنهم لم يؤمنوا حقيقةً .
غضبُ المؤمنين وعداؤهم لغيرهم هو بسبب البرهان الذي يطلبه غير المؤمنين ولا يمتلكه المؤمنون .. لتكون مأساة غير المؤمن أنه إنسان منبوذ محتقر في نظر المؤمنين دون أن يعرف ذنبه , ربما كان ذنبه أنه إنسان واقعي احترم عقله وتمسك بقناعاته وحريته في الاعتقاد، وطلبَ حُجطة يفهمهاعقله ويطمئن لها قلبه .
-القول بأن الملحدين أوالكافرين يعرفون وجود الله ويُدركون حقيقة البعث والحساب ويعلمون بأن المؤمنين على حق ولكنهم يُكابرون ويتجاهلون الحقيقةعمداً فيُعادون الله ولا يخافونه!.. هذا القول عبثٌ فكري وسُخف ثقافي وعقلية ضحلة فهو قول لا عقلاني بلا أى أساس تعوزه أبسط مقومات الموضوعية والحكمة والمنطق والواقعية لأن وصف الإنسان بأنه يُدرك ما ينبغي عليه فعله لينال السعادة وينجو من العقاب ولا يفعله, هو وصفٌ لذلك الإنسان بأنه طائش مجنون غير عاقل .
-إن الإنسحاق أمام قوى الطبيعة بإعتبارها قدراً مرتباً منظماً لا فرار منه يرد الإنسان إلى الأزمنة البدائية حيث الجهل بأسباب الطبيعة , ولكن الحالة الإيمانية المعاصرة تختلف عن الإنسان البدائى , فالأخير كان يجهل ويندهش ويخاف من الظاهرة الطبيعية بينما المعاصر يمررها ويخضع لها بالرغم أنه يمتلك الأدوات لفهمها لتكون التنيجة حالة إنسحاقية تنتج ضعف وهوان وتخلف .
- لا حرج على المجنون كونه لم يفقد عقله بارادته.. لكن ماذا عن ذلك الذي قرر بعقله أن يفقد عقله؟ كذا الذي يقول أن الانسان لن يستطيع أن يصل الى كل شيء بعقله.. فهل هناك بدائل غير العقل؟ يقولون الايمان لكن الايمان يعني أن تصدق تماما بالشيء كما أُخبِرت به دون مسائله ولا مبررات والا لما كان ايماناً !
المؤمنون يفكرون في أوقات الضعف والفزع والاحباط بأقل منطقية وعقلانية وتكون العاطفة الأكثر تأثيراً , بل تلك الطبيعة التي يعمل بها العقل الإيمانى في إطار تأثره بالمحفزات و المثبطات في الأوقات غير العادية, لكن أن يكون الايمان بديلا عن العقل و المنطق فهذا أسوأ من الجنون وأخطر..فبعد تغييب العقل لن يكون الخطاب الا للعواطف المنفعلة بدون حياء .

* فيروس التخويف والريبة من الآخر .
الحالة الإيمانية تتكأ على خلق حالة من الريبة والتحفز من الآخر بغية خلق الهوية الدينية أو قل شرنقة الهوية بتفردها وتميزها وحظرها فهناك من يريد النيل منها لتتوحد الجماعة فى مواجهة هذا الخطر وبذا تضمن توحد وقوة الحالة الإيمانية .
يتفرد الإسلام واليهودية فى خلق حالة التحفز والريبة من الآخر لنتلمس هذا بشكل خاص في القرآن حيث يبذل محمد مجهود دؤوب لزرع الفرقة والبغضاء وعدم الثقة بين الناس , وللأسف هذا هو حال المسلمين حتى اليوم من كره للآخر وعدم ثقة بالمختلف وسيطرة فكرة المؤامرة على الوعي والتفكير , وهذه بعض الامثلة :
"وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين ." --"بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذّبُونَ" --" مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مّنْ خَيْرٍ مّن رَّبّكُمْ" .
" يحسدونكم على أي نعمة" -- وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء" -- "يحاولون اضلالكم"-- "إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِٱلسُّوء"--"هم أعدائكم فاحذروهم" --"يُرْضُونَكُم بِأَفْوٰهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ"--"حتى ادا خاطبوكم بالحسنى اياكم ان تثقوا بهم "-- "إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا" .
من هنا يأتى الأثر السلبى للحالة الإيمانية بتواجد حالة من التحفز والريبة والخوف والعداء تجاه الآخر لتنعدم إمكانية التعايش السلمى والتعاون فهناك جدار من الوهم تم بناءه سيحول دون أى تعايش ومودة .

-الإيمان الدينى يخلق حالة مرضية مازوخية , فالمؤمن يعشق جلاده ويتماهى فى تقديم كل فروض الطاعة والتمجيد والتسبيح والتذلل له ليصل المؤمن إلى عشق السلاسل التى تقيده وإفتخاره بقيده وسجنه وعبوديته للسجان , وكلما إزداد إيماناً مارس قهر ونبذ الآخرين الذين يرفضون قيود السجان او يتحللون منها ليستشاط غضباً على بجاحتهم بعدم الرضوخ أمام السجان .. حالة مرضية غريبة !.. إذا كانت فكرة الإله صحيحة فيكفى أنه سجان وأنت عبد ذليل حتى ترفضه .!

دمتم بخير
-"من كل حسب طاقته لكل حسب حاجته " أمل الإنسانية القادم فى عالم متحرر من الأنانية والظلم والجشع .