الزمن القادم.... تأمل أبداعي أم هروب من واقعية الحاضر

عباس علي العلي
2018 / 2 / 16

الزمن القادم.... تأمل أبداعي أم هروب من واقعية الحاضر


من المفارقات الملفتة للنظر أن الأدب العالمي وعلى أمتداد قرونه الأخيرة شهد الكثير من المحاولات الفكرية الأبداعية التي أخذت الخيال الإنساني معها في رحلة إلى الزمن القادم المتأمل والمتخيل، كما فعلت في رحلات أخرى إلى عمق الماضي وتصويره على أنه جزء من واقع الحقيقية، وهناك محاولات أخرى لا تقل إبداعا عن أفتراض عوالم خيالية تجمع بين الماضي والقادم زمنيا وطرحها بشكل نص سردي أسطوري أو حتى على أشكال وأجناس أدبية الهدف منها تخليص العقل البشري من حالة التقوقع في عالم راهن قد لا نجد فيه الإثارة المطلوبة ولا نجد فيه الدهشة التي تثيرها قصص الخيال خارج حدود المألوف.
هناك من يفسر الظاهرة الأدبية تلك وخاصة في جانبها السيكولوجي على أنه بحث دائب عن حلول غير تقليدية لإشكاليات يبدو تناولها والبحث فيها من خلال الواقع تصطدم بالتابو والمحرم وأحيانا الممنوع أخلاقيا أو حتى دينيا، وأحيانا يعبر عن نزعة فردية لتصوير عالم يخلقه الإنسان أو يتصوره بتلك الماهية ليرى نتيجة ماذا لو كان هو رب خالق قادر على أن يصنع عالما أخرا بمواصفاته الخاصة ووفق أفتراض مختلف، في الصورة الثانية تشكل المحاولة بدافعها النفسي تنفيس عن ضيق وتبرم الإنسان من الطريقة التي يتداول بها الوجود وجوده القهري كما يظن الكاتب، فهنا الــ (هو) متمرد على الرؤية الكونية وصرخة حقيقية للخروج من نسقية النظام نحو إبداع عالم متعدد الوجوه أو الأشكال، أولا ليفسح لعقله فرصة أن يشارك ولو بالتخيل والتأمل في تحرير الفكرة الأساسية من أن الوجود هو هذا كله وبمجمله ولا أفتراض ظني أن في وجود أخر متعارض أو متشارك معه، وثاني كمحاولة للإفلات من دائرة الإقرار البدي الحتمي به والتقيد بقوانينه على أنها النهايات المطلقة فيه.
التحليل الثالث أن تلك المحاولات الأدبية هي صور أخرى من إيمان الفرد العميق بأن الحقيقية التي يعيشها كإنسان من ضمن منظومة معلنة ومحسوسة لا يمكنه أن تكون جدارا يمنعه من رسم واقع مخيال ومتخيل فيه جانب من الحرية الغائبة عن واقع راهن، وبذلك فهو يهرب من الحدود الواقعية ليعيش عالم لا أحد يمكنه أن يضع قوانين تحد من قدرته على ممارسة الحرية والتمته بها ولا يجرم على فعله، في كل الحالات يمكننا أن نؤشر لحقيقة واحدة هي أن تلك المحاولات الخيالية والتي هي جزء من تأمل عميق للواقع ليست إلا شكل من أشكال الثورة التي يقودها العقل للتحرر من أزمة ذاتية جراء صراع خفي وباطني عميق بين شعور الإنسان بضيق مفاهيم الوجود المحيط وبين الرغبة في التمرد عليها، إنها في الحقيقة رغبة للإنطلاق خارج الكون الوجودي وحلم بالهروب من جحيم محاط بأسوار المعقول والممكن.
النتيجة المستخلصة من أي من التحليلات أو الأفتراضات أن العقل الإنساني الإستثنائي قد ينجح في إيجاد فرصة أو أبتكار وسيلة للتنفيس عن عجز الإنسان عن إدراك اللا معقول واللا ممكن، وبذلك يعلن عن نفسه أنه مستعد للمغامرة وتجاوز واقعية الواقع ليظهر مكامن قوته وتبديد مخاوفه من أن الحدود ستبقى مغلقة في وجهه ما دام محكوما بماديته البدنية التي تمنعه من النفاذ عبر الزمن قادما أو منصرما أو حتى متوهما، هو يقول أنك مهما حاولت أن تتحرر من قيد المادية لا يمكنك أن تتحرر من قيد الوجود ما لم تغير من طبيعة المحاولة وتبتكر وسائل ومسائل أخرى قد تلتقي بها في هذا العالم الخيالي أو تقودك إليها سلسلة الأفكار والفرضيات أو التصورات التي تنسجها بعيدا عن تقليدية النظام العقلي المعتاد.
الأدب في أي مجتمع هو مرأة عاكسة عن طبيعة العقل النخبوي فيه وكل ما كان للأدب والفن والمعرفة دور حضوري مشهود في عملية التغيير وبناء الرؤية الجمعية، كلما كان العقل النخبوي قادر أن يعكس لهذا المجتمع صورة ما عن عالمه الخاص، بمعنى أن الأدب والفن والمعرفة والعلم التي تتجاوز الواقه وتتجاوز راهنية الزمن يمكن أن يحرك المخيلة الجمعية على أن تتجاوب مع دوافعه السيكولوجية وبذلك يمكنه نقبل أن الأفتراضات البديهية ليست وحدها القانون الكامل، لذا نرى أن الشعوب التي فيها أدب وفن ومعرفة مؤثرة وحاضرة في التفصيل اليومي تعشق المغامرة وتعشق التجديد بفعل أثر النتاج العقلي النخبوي فيها المبدع، بالعكس تماما نجد الشعوب التي نخبتها تتحدث عن تحريم التأمل والتفكر والخيال وعندها العلم والمعرفة والأدب مجرد تسلية للعقل أو نوعا من الترف تكون عصية من القدرة على الخيال والتأمل خارج ما هو مدون وخارج ما هو منطقي وأعتيادي وتسليمي لديها.
هذا التعليل يقودنا أيضا إلى أن أستكشاف التنوع الإبداعي في مجالات المعرفة لا بد أنه يظهر لنا قيمة التأمل والخيال في الذاكرة الجمعية المجتمعية، ويشرح لنا أيضا كيف لنا أن نقيس فاعليته في تصحيح حركة المجتمع وتطوير الإحساس بقيمة الزمن وقيمة الثقافة ودورهما في حياة الشعوب، لذا فالمجتمع الذي يتفاعل وينفعل مع الإبداع قادر بالقوة الكامنة لديه أن يستحضر القدرة على أختراق الراهنية الواقعية ويتجاوز حالة الركود والإستسلام لشروط الواقع وينتصر لوعية الخاص والعام، ولو أخذنا نماذج من الأدب العربي مثلا نجد أن الأبداع المتعلق بالخيال والتأمل اللا واقعي يكاد لا يشكل علامة مهمة وبارزة في مسيرته وبالتالي هذا ما يؤشر حالة إنعكاسية على أن العقل العربي ما زال أسير مقولاته الكلاسيكية والتقليدية وبشكل شبه تقريري في الغالب، وهذا ما يقودنا للقول أن الواقع بكل ثقله وقوته غير قادر أن يقاد بالفعل الأبداعي والمعرفي الذي ينتجه العقل العربي، أو أنه أي العقل لم ينجح بعد في التأثير المنشود له نحو تحريك الواقع وكسر حالة الجمود المزمن إلا بدرجات قليلة قياسا لما تفعله فنون معرفية مشابهة في مجتمعات أخرى على سبيل المقارنة والمقاربة.
الخلاصة التي نستقيها من هذه القراءة الموجزة أن العامل النفسي عند المبدع العربي والذي تشكل جزء من شخصيته الأدبية والمعرفية ما زال يعاني من إنتكاسات الواقع وهو يعيش أولا أزمة الهوية وأزمة النضال من أجل التحرر من طوق وسلطة القوى الأجتماعية المهيمنة على الواقع، والتي تلقي بظلالها علة الواقع النفسي العام للفرد فردا وللفرد مجتمعا، هذه الإشكالية عموما ليست خصيصة خاصة للمجتمع العربي بقدر ما هي أستحقاق للمسيرة التي تعاني منها كل المجتمعات التي يتحكم التأريخ والقيم المتعلقة به في رسم رؤيته الكونية، ولطالما خضع المجتمع بنخبته للتقليدية في رسم الوعي فلا نتأمل منه أن يحاول أن يؤسس لثقافة تأملية وخيالية يعالج بها تداعيات أزمته العقلية ولا نتوقع منه مزيدا من الأبداع خارج ما هو واقع في الواقع.