الأم في قصيدة -ملح ومي- سمير ابو الهجا

رائد الحواري
2018 / 2 / 16

حضور الأم يعطي طاقة روحية أكثر منه مادية، لهذا نجد العديد من الناس يستحضرون الأم وقت الخطر لتخفف عما حل بهم، وقد ذكر احد علماء النفس أن غالبية الجنود الامريكيين الذي شاركوا في حرب فيتنام كانوا يذكرون امهاتهم عن الاصابة أو عند الاحتضار، فكيف سيكون الحال عند الكتاب/الشعراء، الاكثر رهافة وعاطفة من الجنود؟
في هذه القصيدة ستكون الأم هي من يمنح العاطفة للابن الأسير ليستمر في نضاله ومواجهة المحتل/السجان، وهنا يستوقفنا سؤال: "كيف للعاطفة أن تواجه القوة وصلادة الجلاد؟"، فهما عنصران متضادان، فالقوة بحاجة إلى قوة، والعاطفة بحاجة إلى مثيلاتها، من هنا يأتي دور الشاعر في رسم هذه اللوحة المتناقضة، حيث سيجمع اللون الأبيض والاسود معا، ويقدمهما بطريقته الخاصة، فهل ستعجبنا تلك اللوحة/القصيدة وتمتعنا، أم غير ذلك؟ لنبدأ قراءة فاتحة القصيدة لنستكشف عوالمها.
"من خلف الزنزانة يمّا...صابر صامد صوتي حيْ
مهما تطوّل ليل الظلمة..راجعلك راجع للحيْ"
يحدد الشاعر المكان الذي يحجب الابن الأسير عن أمه، فهو "خلف الزنزانة" لكنه يخبرها رغم وحشة المكان إلا أنه صابر وصامد، وهذا الخير يأتي ليطمئنها عن أحواله، لكنه لا يكتفي بالصبر والصمود، بل يضيف "صوتي حيْ" وكأنه بهذا الخبر المضاف يقول بأنه ما زال مستمراً في نضاله، ويقول أيضا "أنا موجود وبصحة جيدة لهذا ما زلت أعمل، ولهذا سأرجع إليك".
إذا ما توقفنا عند ما جاء في الخبر السابق نجد الأسير لا يتحدث عن تفاصيل المكان، وهذا يعد ذكاء منه، فهو لا يريد أن يثقل الهم على أمه، فحدثها بشكل عابر عن مكان الزنزانة، ولكنه اعطاها صورة واضحة عن معنوياته وعن صحته وعطاءه المستمر، بعدها نجده يبدأ الدخول إلى التفاصيل أكثر، فالأم اطمأنت على حالة ابنها الصحية والنفسية، لهذا يحدثها عن المكان وتفاصيله أكثر:
"مهما اتجرّع مرّ وعلقم....ماشي بدربي ما بتألم
والزنزانة رح تتحطّم..صبرك بالله يمّا شويْ"
إذا ما توقفنا عند الألفاظ في المقطع الأول والثاني سنجد فرق بينهما، ففي الأول نجد "صابر/ صامد، صوتي، حي، راجعلك، راجع" فمن خلال الألفاظ نستطيع أن نجد فكرة العمل والعطاء والايمان بالحرية، كما أن هناك الفاظ بيضاء، "صوتي، حي، راجعلك" لكنه في المقطع الثاني استخدم الفاظ قاسية وصعبة، "اتجرع، مر، علم، بتألم، الزنزانة، تتحطم" فكها جاءت تعطي صورة سوداء وقاسية، لهذا نقول بأن التقديم الأول يعتبر ذكاء من الأسير، فقد مهد بشكل جيد لإيصال الحالة التي يمر بها، فلم يبدأها بألفاظ قاسية أو بخبر فاجع، بل قدمها بشكل انسيابي سلس.
بعد هذا الخبر يخبرها عن وضعه ومعنوياته بشكل مفصل وليس بطريقة عابرة:
"ما اساوم ع حقي وارجع....لا يمّا ما انذلّ واركع
عزيمة اقوى من المدفع...يمّا سلاحي ملح وميْ"
وكأنه يريد أن يمحو قسوة الحالة الذي تحدث عنه في المقطع الثاني بهذه الإرادة الصلبة.
إذن هناك سجن ومكان صعب وقاسي مفروض على الأسير، هكذا يبدو لنا الحال، لكن هناك شيء مخفي/مستتر خلف الكلمات، فمن خلال تركيز الأسير على الأم ومخاطبه لها يشير أنه يريدها، يهتم بها، فهي شيء استثنائي بالنسبة له، وتبدوا وكأنها هي من تمده بطاقة العطاء والاستمرار في النضال، فحضورها في وجدانه جعله يستمر ويتقدم أكثر إلى الأمام، فهو القابع خلف جدران الزنزانة يجد خارجها تلك الأم الجميلة، الحياة العادية بعيدا عن شراسة الجلاد وقسوة الجدران، لهذا نجده يعمل وبجهد للتقدم منها متجاوزا المكان وقسوة الحال، من هنا استخدم فعل "صبرك، راجعلك" فهو لا يتحدث عنها بقدر حديثه عن نفسه، فهو من يحتاج الصبر والرجوع وليست هي، لهذا نقول أن العقل الباطن للأسير يشير إلى أنه يستمد القوة والعطاء من أمه، وهنا نستطيع الاجابة عن السؤال الذي طرحناه في بداية حدثينا عن علاقة "العاطفة والقسوة".
لا هنا ينتهي حديث الأسير ويأتي دور الشاعر "سمير ابو الهيجا" موضحا الهدف/الغاية من هذه القصيدة فيقول:
"السجن الاداري ظالم...عدوّي جلّاد وحاكم
من تحت الظلم ال متراكم...ل ابزغ فجر ونور وميْ"
إذا ما توقفنا عند هذا المقطع سنجد صوت جديد يختلف تماما عن صوت الأسير، فهنا الخطاب موجه للعموم وليس مخصص للأم، وكأن القصيدة مشكلة من حالتين، حالة يخبرنا بها الأسير عن همومه، وحالة ثانية يخبرنا الشاعر عن حالة الأسرى، لهذا نجد تبانين الأصوات في القصيدة.
دائما الأديب/الشاعر يحاول أن يبتعد عن الخطاب المباشر مستخدما أي تقنية أدبية لتجاوز هذه الإشكالية، وهذا ما فعله "سمير أبو الهيجا" عندما استحضر صوت الأسير مرة ثانية ليجعله هو من يحدثنا عما يريده الشاعر:
"ما بيرجعش الحق الضايع...من ساكت مهزوم وخانع
صنّعنا السجن مصانع...نطوي صفحة قهره طيّ
أسير بجوعي وامعائي...بروحي بدمّي وباشلائي
حرية كرامة اسمائي..اكتب عندك ملح ومي"
رغم وجود صوت للأسير هنا إلا أنه غير الصوت الأول، فهنا الشاعر/الأسير يتحدث عن بطولات عامة وعن هم عام، على النقيض من الأسير الحقيقي الذي حدثنا بصوته هو عن همومه الشخصية وعن أمه التي يستمد منها القوة والطاقة، فهنا يمكننا القول أن الشاعر يتقمص دور الأسير، بينما في المقاطع الأولى كان المتحدث الأسير نفسه، بمعنى أن "سمير أبو الهيجا" تخلى عن دوره كشاعر يتحكم في صوت شخصية قصيدته وتركه يتحدث بحرية دون أي قيود أو تدخل من الشاعر، بينما في المقطعين الأخيرين، نجد الشاعر يتقمص دور الأسير ليتخلص من الخطاب المباشر الذي يثقل كاهل المتلقي، وهذا ما يحسب للقصيدة وللشاعر، الذي نجح في إيصال فكرته بطريقة سلسة وبشكل أدبي جميل.
القصيدة من ديوان "طرزة فلسطينية"