قصيدة -الأب- سمير أبو الهيجا

رائد الحواري
2018 / 2 / 15

قصيدة "الأب"
سمير أبو الهيجا
الشعر الشعبي يبقى الأقرب والأسرع في الوصول إلى الجمهور، لما فيه من سلاسة لغة وبساطة، لهذا نجد ميل الجمهور نحو الشعر الشعبي أكثر من الشعر العادي، هذا فيما يتعلق بالجمهور، لكن هناك جوانب أخرى تتعلق بالشعر والشاعر، فلكل شاعر طريقته واسلوبه ولغته، من هنا نجد الفرق والتميز بين الشعراء، كما أن هذا النوع من الشعر يلتزم تماما بالموسيقى والبحور الشعرية، كما أنه بحاجة إلى نباهة خاصة تمكن الشاعر من لقط أي حدث/فعل/قول والكتابة عنه، من هنا ليس بإمكان أي شخص أن يقول عن نفسه شاعرا شعبيا.
في هذه القصيدة يحدثنا الشاعر "سمير أبو الهيجا" عن الأب، الأب الذي يخذله الابن، فنجد الحرقة والألم واضح في القصيدة، لكن طبيعة الأب الحنون لا تبدأ الخطاب بالصوت العالي ونبرة التهديد والوعيد، فيخاطب ابنه كما لو أنه ما زال صغير، جاهل، لا يعرف الخطأ من الصواب، فيبدأ خطابه قائلا:
"هذا هُو بَيَّكْ لا تِقولْ انُّه عًجوزْ


يا الْ صِرِتْ شابّْ لا تِكَبَّرْ ما يِجوزْ


انا رَبِيّتْ أَنا تْعِبِتْ لا ما هُنِتْ


صْغَيرونْ بَعْدَكْ يا وَلَدْ لِسَّه كُنِتْ"
أهم ما في هذه الافتتاحية صوت الأب الحريص على مصلحة الابن، فهو يركز على دوره كأب العارف بدورة الحياة، لهذا نجد صيغة النصح واضحة من خلال تأكيده على أن الابن ما زال غير مدرك/عارف بطبيعة الحياة.
بعدها يأخذ الأب في تذكير الابن بالدور الابوي الذي مارسه بكل اتقان ونكران للذات في سبيل تربيته ووصوله ما وصل إليه:
"ياما حَمَلْتَكْ بِ اللَّيالي وِ العَتِمْ


وِ انْ صِحِتْ آه مْنِ الوَجَعْ كُنْت انْصِدِم ْ


وَ اتْحَمَّلِ اللِّي اتْحَمَّلُه فُوقِ التَّعَبْ
حَتَّى ما تِتْوَجَّعْ وَ اقُولَّكْ ما يِهِمْ"
الاب لا يتحدث عن التعب الجسدي، تعب الحصول على الرزق فحسب، بل يتحدث عن تعب أكثر ارهاقا منه، تعب حمل هم صحية الأبن وحفظه من أي وعكة أو ووجع أو مرض والاعتناء به إلى أن يشفى.
للأم وقع خاص على الابناء اكثر من الأب، لهذا نجده يستعين بها ليؤثر أكثر في مشاعر الابن:
"ياما أَنا وِ امَّكْ سِهِرْنا تا تْنامْ


و ذُقْنا التَّعَبْ وِ المُرّْ وَ الله وِ الأَمَرّْ


وِ انْحُطّْ مِنْ هَالريِّقْ تا نْبِلِّ العُيونْ


لَ اجْلِ ن تِعَوَّدْ يا وِليدِي عَ السَّهَرْ


تا انْأَكِّلَكْ وِ نْشَرِّبَكْ وِ نْنَيِّمَكْ


وِ انْهِزِّ لَكْ وِ احْنا وَلَكْ وَ الله بَشَرْ


وِ انْ وَخْزَتَكْ شُوكَة انا أَصيحْ آه


وَ اشْعُرْ أَنا بْ وَخْزاتْها مِثْلِ الأِبَرْ"
دائما الحديث عن مرحلة الطفولة يشكل للأب وللأم الحالة الأكثر صفاءً وعطاءً وحناناً لأطفالهما، وكما أنها المرحلة الأكثر تعلقا بالأم والأب، لأن الابن يعتمد عليهما في كل شيء، في استكشاف المحيط به، الإجابة عن تساؤلاته واستفساراته، مساعدته في المعرفة والانخراط في الحياة الاجتماعية وتوفير متطلباته، من هنا لا بد من التذكير بها لأنها تمثل أهم مرحل الحب والعطاء، وإذا ما توقفنا عند المقطع السابق وبعد أن ذكر الأب الابن ما قام به والأم، نجده يستخدم لأول مرة لفظ "ولك" والذي يشير إلى حالة الغضب/الزعل من الابن، ثم يكمل سبب هذا الزعل من خلال التوحد مع أي وعكة أو ألم كان يصيب الابن.
بما أن هناك حالة من الزعل عند الاب فلا بد أن يكون الابن قد كبر، لان الأب لا يزعل أو يغضب من طفلة الصغير، لان كل ما يصدر عنه من اخطاء يعتبر مصدره الجاهل وعدم المعرفة، لكن عندما يكبر الابن ويقوم بأعمال غير سوية فأنه يغضب، وهذا النقلة الثانية في خطاب الاب، فهو يتحدث مع ابن من المفترض أن يكون راشد، وهذا المرحلة بحاجة إلى شكل جديد من المخاطبة:
"وِ اليُومْ أِنْتَ يا ماشَا لله كْبيرْ


انْسيتْ أِنَّكْ بِ الأَمِسْ يا بْنَيِّي كُنْت صْغيرْ


وِ انْسيتْ بَيَّكْ هَ اللِّي شابْ و صِرِتْ مِنُّه تِسْتَعيرْ"
العتب حاضر فيما سبق، الاب يخاطب شخص ناضج وعاقل، لهذا نجده صيغة العتب اكثر من صيغة توجيه النصائح أو الارشادات، وإذا ما توقفنا عند عبارة "وِ انْسيتْ بَيَّكْ هَ اللِّي شابْ و صِرِتْ مِنُّه تِسْتَعيرْ" نجد الاب يجرد نفسه من صفة الاب، ويخاطب الابن وكأنه شخص آخر، شخص قريب من الابن لكنه ليس الأب، ونجد أيضا تركيز على الجانب الاخلاقي، واستثارت العاطفة والعقل معا لكي يتراجع الابن عما بدر منه، فلا يجوز أن "يستعير" الابن من الاب.
يكمل الاب عتابه فيقول:
"وِ تْغُرَّكْ الدُّنْيا و يِغُرَّكْ مالْها


لَ نَّكْ أَبَدْ ما بْ يُومْ شِلْتْ احْمالْها


وَ انا لْ فَنيتْ عُمْرِي حَتَّى أَسْعِدَكْ


ما كُنْتَ اَظُنِّ بْ يومْ عَنِّي أَبْعِدَكْ"
يعود الاب إلى صفته كأب في مخاطبة الابن، فيبين له الجريرة التي وقع فيها، والمتمثل في حب المال والسعي له بطرق غير نزيه أو أخلاقية، لكننا لا نعرف تفاصيلها بعد، فما هو هذا الفعل الذي اقدم عليه الابن؟:
"سَجَّلْتِ لَكْ بِيتي وِ أَرْضاتِ الحَاكورَه


وْ عِنْدِي كُنِتْ أَغْلى مِنِ الدُّنْيا و قُصورا


ما بَدِّي مِنَّكْ مالْ أَوْ حَتَّى طَعامْ


لا لا ما بَدِّي فْلوسْ .. مِنَّكْ وَلا مَلْبوسْ


وَقْتِ الصُّبِحْ وَقْتِ الظُّهُرْ وَقْتِ الظَّلامْ


أَريدْ بِسْ تْمُرّْ وِ تْسَلِّمْ سَلامْ"
إذن ممتلكات الاب كتبها باسم الابن، والذي من المفترض أن يحافظ على علاقة الابوة وأن يقدم له كل ما يحتاجه، إن كان على المستوى المادي أو العاطفي/الروحي.
وإذا ما توقفنا عند لغة الخطاب سنجد هناك شيء اكبر واهم مما تظهره الكلمات، "لا لا ما بَدِّي فْلوسْ .. مِنَّكْ وَلا مَلْبوسْ" فهنا المطلوب ليس المسائل المادية، فالأب بعد ان كبر/هرم لم يعد بحاجة إلى المادة، فالقليل من الطعام يكفيه، والملابس التي يرتديها لم تعد تبلى كما كانت، لهذ هو بحاجة إلى شيء آخر، شيء روحي/عاطفي، فأيامه معدودة ومشاعره واحاسيسه اكثر رقة، لهذا نجده بحاجة إلى:
"خَلِّيني بَسْ يَمَّكْ .. اتْظُمْني وا اظُمَّكْ


وَ احْمِلْ مَعَكْ هَمَّكْ .. يا ابْني وَلا يْهِمَّكْ


..... يا الْ دَمِّي مِنْ دَمَّكْ ......


تاخُذْني عَ المَلْجَأ تَرى وَالله حَرامْ"
يبدو الاب في غاية الضعف، فهو يستخدم عدة صيغة، منها صيغة الضعف ليمر بها إلى قلب الابن القاسي، وكأنه يريد أن يخرجه من حالة القسوة إلى حالة العاطفة والحنان، وصيغة التوحد والتآلف بينهما، فالأب سيساعده في معترك الحياة ـ وهذه المساعدة بالتأكيد ستكون هذه المساعدة روحية/عاطفية/معنوية وليست مادية، والصيغة الثالثة جاءت تحمل العتب والرفض معا، وكأن الصيغ الأولى جاءت لتمهد لهذا العتب والرفض، وهذا ما يؤكد أن الأب يمر بحالة ضعف ولا يستطيع أن يقاوم ما اقدم عليه الابن إلا بطريقة الخطاب العاطفي، لهذا نجد غالبية الصيغ التي يستخدمها الاب كانت تتجه نحو استثارة العاطفة عند الابن:
"خَلِّيني بَسْ وَيَّاكْ اَقَظِّي هَ العُمُرْ


بِ الشَّهَرْ مَرَّة كافِي لَوْ عَلَيّْ تِمُرْ


أِسْمَعْ كَلامِي انْ كُنْتِ حُرّْ و أِبْنِ حُرّْ


نَيَّالُه يا اللِّي بَيُّه يا عالَمْ يِبُرّْ"
الأب على دراية بأن أيامه معدودة، لهذا نجده على وشك أن ينهي كلامه، فهو لا يريد أكثر من زيارة شهرية، ، وأنه وصل إلى حالة من الياس في مخاطبة هذا الابن فاستخدم آخر صيغة تستحثه اخلاقيا.
نتوقف هنا قليلا لنشير إلى أن صوت الاب وليس صوت الشاعر هو الذي يحدثنا، فالشاعر/الراوي مستتر خلف الأب ولا يظهر لنا "سمير أبو الهيجا" أبدأ، وإذا ما توقفنا عند القصيدة سنجد غياب كامل لصوت الأبن، وهذا الغياب يشير إلى أن هذا الابن عاق، فلم نجد له أي حضور أو صوت، وهذا ما يجعل القصيدة منسجمة بين شكل تقديمها والمضمون الذي تحمله، فصوت الاب كان وحيدا يستجدي العون من ابن غائب، وطبيعي أن لا يكون هناك استجابة من غائب، غير موجود.
ينهي الشاعر قصيدته بخطاب يوجه فيها نصائح لكي لا يكون هناك ابناء غائبين كما هو حال هذا الابن الضال فيقول:
"يا اللِّي سِمِعْتِ القُولْ طِيعْ امَّكْ وَ ابوكْ


بُكْرَة وْلادَكْ عا ما تْرَبِّي ب يِتْبَعوكْ


انْ عَصيتْ بَيَّكْ هُمَّ صَدِّقْ بِكْرَهوكْ

قَبِّلْ اِيدِيه كُلْ يوم ْ وِ اطْلُبْ لَ رِضاه


أِللِّي يِطيع امُّه وَ ابوه الله مَعاه


بُكْرَة النَّبي العَدْنانْ بِ الجَنِّة مَعاه"
ما يحسب لخاتمة القصيدة انها جاءت تتماثل مع الحكاية الشعبية والتي لا بد أن تنتهي بحكمة ما، توضح الغاية من الحكاية/القصيدة، وهذا ما يجعل قصيدة "الاب" الشعبية شعبية تماما، فالتوافق يكاد أن يكون كاملا بينهما وبين الحكاية الشعبية، أن كان على مستوى الشكل وطريقة التقديم أو على مستوى الفكرة، الهدف منها، أو على مستوى الجهة/الفيئة التي تخاطبها.
القصيدة من ديوان "طرزة فلسطينية"