الواشمات

يحيى علوان
2018 / 2 / 15


مُحمّلات بالحنّاء وربطات الخُزامى والنعناع البرّي،
تنزلُ الواشماتُ من قُرى "الأطلس المتوسط" نحو مراكش ،
يفترشنَ ساحة "جامع الفناء"...
يَنصبنَ للحلمِ برزقٍ خياماً من حنينٍ عَتّقه العَوَزُ،
يدخُلن "سوقَ المنافسة" مع الجميع !
حتى مع القادم الجديد "شينوا"!(1)
يقارعنَ الصَخَبَ بما هو أعلى ...
* * *
حين يحطُّ المغيبُ رحاله ، تشتعلُ الساحةُ بالأضواء ودخان الشواء ،
يمتلأ الفضاءُ بالضجيجِ .. تكتملُ"الحلايق"(2) ، فلا تعودُ تسمعُ إلاّ داخِلَكَ ...
الواشماتُ المُحمّصاتُ بالشمسِ وغبار الطرُق ،
يُقطّعنَ الهَرَجَ بمشارطِ أصواتهنَ .. كي لا يَضِعنَ في هديرِ الساحةِ !
ينثرنَ كلاماً لاشُبهةَ فيه للمجاز والتورية .. تُحيِّرُ السامعَ في تأويله ..!
يرمينَ شِباكَ الحظِّ لأصطيادِ السائحين من "النصارى"(3)،
يُطرزنَ السيقانَ والزنودَ والأكفَّ بنقوش الحنّاء ،
يَعبثنَ بلغاتٍ يجهلنها ..." مدام ، حِنّه ماروكان أوريجنال ، تريه بيان ! أَليهْ ، أَليهْ !!"
" مستر ، نُوتْ گُو .. سپيكْ ثري گَذَر"(4) ،
وحينَ ينقطعُ حبلُ التواصل، تُمسكُ بيده، تَستنجدُ بصاحب البسطة المجاورة:" سي رشيد! الله يرحم
أُبّاك ، ويرحم بيها الوالدين ، تشوف لي هالنصراني أيش يَبي .. مانفهمش الهَدْرَة دْياوْلو !!"
في آخر الليل ، حينَ تَبحُّ الأصواتُ ويذوي الضجيجُ ، تنفَرِطُ "الحلايقُ" ويذهبُ السوّاحُ والعسَسُ إلى"أوكارهم"!
تُلَملِمُ الواشماتُ تعبَ اليوم وفُضلة ما حمَلنه ...
يَحلُمنَ بأبريقِ "أتاي" ــ شاي ــ مع خبزةٍ وزيت زيتون ، بعد يومٍ من الكدِّ ،
حيثُ لايعودُ مُتّسَعٌ للحلم بليلةِ عشقٍ !!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بالنسبة للعامة من المغاربة يطلقون صفة "شينوا" أي صيني ،على كل آسيوي صينياً كان أم يابانياً أم فيتنامياً أم كورياً...
شهدَ المغرب في السنوات العشر الماضية نزوح ألافٍ من العوائل الفيتنامية والصينية ، حيث شرعوا بتعلم اللغة المحلية للأندماج
في المجتمع ، بما هو معروف عنهم من تدبيرٍ في شؤون التجارة ...
(2) جمع "حلقة" تضم عدداً من الحكواتيين يقدمون عروضاً مُمسرحةً على الهواء تضم رقصات وغناءً وحِكَماً وموضوعات من التراث
تغمز إلى الحاضر! مما يفهمه الجمهور فيتفاعل معه إعجاباً بالتصفيق والتعليق وبتبرعاتٍ نقدية توضع في قبّعةٍ يدور بها أحد المساعدين !
وهناك "حلايق" مشهورة بـ"معلميها" يؤمها جمهورها الخاص، الذي يأتي من خارج مراكش أحياناً لمشاهدة "الريبورتوار" الجديد ...
(3) كل الأوربيين بالنسبة لعامة المغاربة " نصارى" ، وبهذا التوصيف يختزلون "مشقة" التفريق بين الأنكليزي والأسكندنافي والمجري
والهولندي والألماني...إلخ ) ، تماماً مثل ما يطلقون صفة "شينوا" على الآسيويين...
(4) إشتقاقٌ "عبقري !" ناجمٌ عن تعلُّمٍ شفاهي عبر السماع فقط ! مصدره الكلمة الأنكليزية تُوگَذَرْ ــ سويةً ــ فُهِمَتْ إثنان سوية!
وعليه جرى نحت "الأشقتاق" ــ ثري گَذَرْ ــ بمعنى ثلاثياً!!