ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثالث 2

دلور ميقري
2018 / 2 / 14

العتمة الشاملة، المحيطة بالفيللا، صارَ في امكانها أن تتزحزح قليلاً كي نتمكن من تحديد ملامح العجوز الفرنسيّ. إذ ما عتَمَ " مسيو جاك " أن وقفَ عند مدخل مسكنه تحت ضوء المصباح الكهربائي، المتخذ شكلَ قمرٍ صغير. كان منتصباً ثمة، بطوله الفارع والقبعة المستديرة على رأسه، فغدا بدَوره صنواً للنخلة الحارسة باب الفيللا. كذلك كان أشبه بالمواطن الشماليّ، الأندلسيّ؛ بشرة لوّحتها الشمسُ الأفريقية، فيما العينان احتفظتا باللون المنتمي لموطن اللاتين. هذه الشبهة المُلتبَسة، نجدها أيضاً في ملابس المسيو، البسيطة والمخصصة لظهيرة الصيد. ولكننا لا يسعنا ألا نسلّم له بإجادة المحكية الدارجة، التي تجري على لسانه بكل يُسر وسلاسة ـ كما لو أنها لغته الأم.
بدا المكانُ غيرَ آمنٍ، فيما لو فكّر المرءُ بباب الفيللا، المزدوج. فالمُتصدّر منهما المدخل، كان من الحديد الأسوَد المشبّك، بينما الآخر، الداخليّ، كان من الخشب الثمين المزخرف. الجدران الخارجية، المُترامي عليها النباتُ المتسلق الشائك، المعروف بالفينكيس، يُمكن أن تُحيلنا إلى الفكرة نفسها. أخوات نباتية أكثر نعومة وفتنة ( مجنونة وياسمين ولبلاب )، كانت تهمي على جدار المدخل المُضاء. على أنّ شعورَ الخطر ذاك، لا شأن له بالطبع مع البندقية ذات الفوهتين. لقد كان " مسيو جاك " عائداً من جولة صيد، مثلما ألمحنا آنفاً. كان الصيدُ وفيراً ما لو أخذنا بعين الاعتبار حقيقة، أنّ الرجلَ يعيش وحيداً.

*
هوَ ذا يسحبُ غنائم الجولة من خرج الجواد، فيضعها على الأرضية الحجرية. عند ذلك تجلى أمام المرأتين مشهدٌ جميلٌ، ومؤثرٌ في آن، لطيور دجاج الأرض، التي كانت ريشاتها ومناقيرها قد صُبغت ببقعٍ من دمها المسفوح. لما عاد المسيو من جهة الحظائر، أينَ أودعَ الجوادَ في مأواه هنالك، وجدَ أمام مدخل الفيللا غرضاً آخر. ذلكم كان صندوق الكرتون، المحتوي على هدية " سوسن خانم ". أومأ لها برأسه شاكراً، على أثر إلقائه نظرة على محتويات الصندوق الصغير. ثم همّ بالانحناء ثانيةً، كي يتناول أولاً غلّة الصيد، المحزّمة ضمن جوالٍ من القماش. إلا أنّ مرافقة الخانم، لدهشته، كانت أسرع منه حركة. تاركةً للرجل " الكَاوري " صندوقَ المعاصي، اندفعت المرأة مع جوال اللحم الحلال إلى داخل المسكن. أيضاً عليها كان أن تتعهّد، بدِرْبتها ومهارتها، أمرَ تجريد الطيور من ريشاتها ومناقيرها وأحشائها تحضيراً لوليمة الشواء.
العجوز الفرنسيّ، وقد أستعاد أنفاسه في الداخل أخيراً، راحَ يلقي نظراتٍ فضولية مُستطلعة على ضيفته، الرفيعة المقام. كانت تجلس بمقابله عند الطرف الآخر من طاولة المطبخ، المفروشة بغطاء أزرق فاتح بلون البحر. فبدت الضيفةُ عندئذٍ بنصفها الظاهر لعينيه، كما لو أنها إحدى حوريات الماء. ولعله تخيّل صورة أخرى، طالما أنّ هذه المرأة الجميلة جالسة على أحد الكراسي، المجدولة من القش، والباهت بفعل الزمن لونُها الأصفر.. اللون المفضل لدى زوجته، الراحلة. فمن أجلها، كان ذلك اللون الزاهي يصبغ أيضاً أشياءَ المطبخ الأخرى؛ مثل طاولة الطعام الكبيرة وخزانة الأطباق الخزفية وخوان آنية الكريستال وإطارات اللوحات الفنية وأفاريز الجدران الخشبية.

*
" هيلين "، عُرفت على زمانها ككاتبة موهوبة في مسقط رأسها الأمريكيّ والغرب الأوروبيّ سواءً بسواء. مع كونها مقلّة في التأليف، أو وهوَ الأصح، كانت تعمدُ غالباً لإتلاف ما يخطه قلمها. عزى بعضُ النقاد ذلك لحرصها على الدقة، فيما آخرون رأوا فيه مجرد وسوسة. لو كان في مقدور الزوج أن يُبدي رأياً صراحاً، لكان الخزيُ منعه بكل تأكيد. لقد سمحت له امرأته أن يسيطر عليها، لدرجة إهمالها لموهبتها. عاشت من أجله هوَ؛ لأجل أن يرتقي بفنه إلى مصافي المبدعين الكبار. في مقابل ذلك، ظهرَ منذ بداية تعارفهما أنها كانت تشعر بغيرته من موهبتها الأدبية. ولكنها لم تكن من ضرب النساء الممتثلات، الخاضعات لإرادة الزوج؛ هيَ من سبقَ أن تمردت على تقاليد والديها شديديّ المحافظة، هناك في نيويورك. لقد أرادا أن يكون مستقبلها كحال كثيرات غيرها من بنات الأسر اليهودية، المتوسطة الحال؛ ربة منزل مربية للأولاد، وليسَ شيئاً آخر.
" بلى، كانت هيلين تحبني حقاً! "
كان يكرر هذه الجملة على مرّ السنين بكثير من الأسى. كأنما كان يعقل الحقيقة المرة، وهيَ كونه غير جدير بحبها بله تضحيتها بمستقبلها ككاتبة. كذلك كان طوال تلك السنوات، المعقّبة وفاتها بنوبة قلبية، يغصّ بشعور آخر لا يقل خزياً: تدهور حالتها النفسية مع مضي الوقت وإحساسها بأفول شرّة الشباب. حينئذٍ دخلت امرأته في طور أكثر خطورة، خصوصاً فيما يتعلق بموهبتها. فإنها أضحت مدمنة على الخمر، تتعاطاه في سهراتٍ صاخبة عند صديقاتها، وكن بمعظمهن زوجات رجال أعمال أوروبيين مقيمين هنا بالمغرب. لقد تركته إذاً، وحيداً بلا ذرية، بعدما عاشا معاً قرابة العقدين من الأعوام، قضيا معظمهما في هذا المنفى الاختياريّ. " هيلين "، إنها الآن ترقدُ في مقبرة كاثوليكية، على إحدى تلال مدينة ملقة بالأندلس، على الرغم من كونها يهودية الأصل والمنشأ. دفنت بحَسَب وصيتها، مصرّة إلى النهاية أن تكون جزءاً من كينونة رجلها مع علمها بأنه مثلها على حدّ سواء؛ أي من ضرب أولئك الأشخاص، اللادينيين.