ليس للفقراء مكانا في الجنة الجحيم هو المأوى

عباس علي العلي
2018 / 2 / 14



كل سيستانيوا السلطة وبغداديوها ومرورا بكل اللاعبين بينهما بأحجامهم المختلفة وعنوانينهم المفرقة ومنهم أبناء حسن البنا ومحمد عبد الوهاب وأتباع الولاية، لا يمكنهم أن ينجزوا بناء رؤية وطنية مدنية ديمقراطية تؤسس لدولة مدنية حضارية، وحتى الهاربون منها للوسطية التقليدية مع صراخهم وضجيجهم لن ينجحوا بشيء جاد لبناء مجتمع بهوية جامعة موحدة وهو أساس المقدمة الطبيعية للدولة الحديثة، السبب والعلة أنهم جميعا يرجعون في منهجهم إلى جذور الصراع التأريخي الشخصاني المزمن بأمتياز، ولو تخلوا عن هذه الشخصانية المحورية لسقطت مبررات وجودهم الذاتي وسقط معهم الشعار الذي يقودون الناس به أما تحريضا أو دفاعا عن تحريض، لذا فهم يمارسون سياسة مزدوجة ومتناقضة بين الدعوة للوحدة المجتمعية من جهة (أنفسنا السنة) والعمل على تجذير المزيد من التشظي والتمزق الداخلي في المجتمع (الروافض والفرس المجوس)، لذا لا يمكن الوثوق مطلقا بأقوالهم وأفعالهم اللا متماهية مع بعضها والتي تمثل صورة حقيقية لأزمة مستفحلة وأمتداد لصراع تأريخي مأزوم لا يسقط إلا بسقوط المشروع التحريفي الفئوي المتمثل بالصراع الطبقي بين الفقراء والأغنياء، بعبارة دينية (السادة والعبيد) أو سقوط الدين كاملا بأعتباره الوعاء الطبيعي الذي تجري في ظله وظلاله مجريات صراع الإنسان مع نفسه.
من المعتاد في الدراسات التي لها علاقة بقراءة تاريخية لحالة ما أن تباشر قرائتها من المقدمة لتبلغ النهايات وعندها تتبلور الرؤية ومن خلال أطار شامل كامل للقضية المدروسة، الحقيقية أنني أتعمد أن أطرح قرائتي خلافا لهذه القاعدة ومنهجها، فقد بدأت بتأشير حالة جزئية وراهنة كنتيجة واقع كلي وتأريخي لكنه يعكس بالكامل وتماما مساراتها وخطوطها العريضة لأبلغ في النهاية الجذور المؤسسة والعلل الأصلية التي أنبتت لنا كل هذا التناقض والتضاد والخراب، الواقع العراقي السياسي بثوبه الديني وملابسات ما يزعم بحيادية الدين في خوض عالم السياسة أجد نفسي مكذبا كل تلك الأقاويل والترهات وبالتجربة والدليل المادي، فكل التفرعات المنهجية العقائدية التي تنضوي تحت شعار (الإسلام) اليوم هي تنظيمات سياسية بالمطلق، وهي نتيجة أول صراع بين الدين والفرد الطبيعي والمقصود بالفرد هنا العقل الإنساني المجرد في أن يقبل ويرفض حسب طبيعية التكوين الذي هو عليه.
الإشكالية الإنسانية والتي أقر بها وأؤسس عليها منهجي الفكري أن الإنسان كائن متدين طبيعي بالفطرة إذا أخذنا مفهوم التدين هو السعي للتوافق مع الوجود الخارجي أمنا، ولكنه ومع كل هذا فليس بالضرورة أن يكون متدينا مؤمنا حقيقيا إذا كان معنى الإيمان التسليم بوجود قواعد وقوانين خارج قدرة البشر على التنظيم ويجب أتباعها، النتيجة التي ترافق هذا التناقض الذي يبدو للبعض طوباويا أن الإنسان منقسم على نفسه بين متدين مؤمن ومتدين كافر ومتدين يحاول أن يجمع بين الأثنين لينجو من تضارب الخيارات وتضارب النتائج المتوقعة من كليهما، هذا التشظي والإنقسام طبيعيا لا ينكر ولا يستنكر لأن الإنسان بذاته وتكوينه وتكييفه منقسم وخاضع للثنوية الطبيعية العقلية الروحية والحسية الروحية وما بينهما من صراع أبدي وجدلي.
هذه الطبيعة البشرية لا يمكنها أن تنتج إنسانا قابلا لأن يتوحد أو يتحد على هدف واحد أو فكرة واحدة لمجرد أنه يراها بالعقل مناسبة أو حقيقية أو طبيعية، فهو يخوض مع كل قرار أو أختيار صراعا مستجدا ومتكررا لأجله، حتى في القضايا البسيطة والتي قد لا تترك أثر ما في وجوده يمارس نفس الصراع مدفوعا بتكوينه الفطري المجبول عليه، فكيف الحال مع قضايا كلية وجوهرية ومحورية أساسية في حياته من قبيل الدين والفكر والسلطة والمستقبل، لذا عندما أقول أن الصراع اليوم في المجتمع العراقي كنموذج لكل صراعات المجتمعات الإسلامية ليس صراعا فكريا دينيا محضا بين السنة والشيعة ولا بين علي ومعوية ولا بين محمد النبي وأبو جهل وأبو سفيان، إنما هو صراع إرادة بشرية قديم قدم وجود الإنسان ولو لم يكن الدين ساحة لهذا الصراع ستجده في أماكن أخرى تحتاج إلى قرار أو ألى أختيار.
وحتى لا نكون إجمالين في الحكم ولا ممن يعممون الجزئيات على أنها وجه الحقيقة الكامل لا بد أن نتفحص مجريات الصراع الكامن والعلني في داخل المجتمع الديني عموما والإسلامي خصوصا، بدأ من أول الرسالة وظهورها وأنتهاء باللحظات الراهنة لنستكشف أصل وجوهر موضوع الصراع وهل هو بالحقيقية صراع بين الله والشيطان متخذا من الإنسان أداة ووسيلة، الوقائع التأريخية المدونة تثبت أن معارضة قريش تحديدا ومكة عمما كرمز لثقافة مجتمع ومرحلة لم يعارض تدين محمد قبل الرسالة والجهر بها والتحريض عليها وهي تعلم أنه قد صبأ وأخرون أتهموه بأنه يتعبد كأسلافه الإبراهميين الأحناف ولم تكن هناك أي مشكلة نتيجة هذه العبادة أو معارضة لها، ومن المعروف أن مكة بثلها الديني لا تعارض الأديان وإن أتخذت من عبادة الأصنام في جزء كبير من عقيدتها ولكن وجود العنصر الموحد سواء كان إبراهيميا أو موسويا أو عيسويا ليس بالغريب ولا بالمثير للمشاكل، إذا ما الذي فجر الصراع بين مكة (قريش) ومحمد (الإسلام)؟.
الإجابة على هذا السؤال لا بد أنها ستضع قدمنا على النهاية التي نريدها من خلال هذا البحث الموجز، لم يكن النبي محمد رجل مصالح سياسية ولا ممن يملكون مؤسسات تجارية تنافس تجارة القوم وساداتهم وقوافلهم الذاهبة صيفا للشام والقاصدة اليمن شتاء، بل كل ما كان يحمله معول فكري ناعم يحطم هذا التوافق والتناغم بين شهوة السلطة بشقيها السياسي والديني لتجار مكة وسادتها، بمعنى أنه كان يحمل مشروعا أجتماعيا بديلا شكله الخارجي مثالي ديني أخلاقي إيماني وجوهره أقتصادي سياسي ثوري يحمل في طياته صورة لواقع أخر نقيضا لصورة مكو وواقعها، لذا أنطلق قادة مكة إلى دار أبي طالب يشكونه (أنه أفسد علينا عبيدنا ونسائنا وصبياننا) وعرضوا عليه البديل الذي كان يضوننه مثاليا أو واقعيا لرجل يريد المزاحمة على السلطة والمال والنساء، العرض (إن كان يريد المال قاسمناه أموالنا وإن أراد الرئاسة ملكناه علينا وإن أراد الزواج زوجناه خير فتياتنا)، كان الجواب صادما لهم وأعلان حرب حقيقية بين نقيضين ومنهجين متصارعين لا يمكن أن ينتهي بوجودهما معا على سطح واحد وفي زمن واحد، أما الرؤية الجديدة تقود المجتمع على أنقاض مكة المنهج والمسيرة أو قتل محمد والتخلص من بؤرة الصراع وأستقرار مكة ومدرستها السياسية والأقتصادية والأجتماعية.
من تلك اللحظة ولدت الشيعة والسنة وولد علي ومعاوية وولدت كل الصراعات التي تعصف بنا ولا خيار ثالث لنا، أما أبو جهل وحاشية قريش ومدرسة السادة والعبيد وأما محمد وأبي ذر ومدرسة خير الناس من نفع الناس، مدرستان سيسيتان تتصارع على الإمساك برقبة المجتمع وقيادته بتجارب وأفكار هي ذاتها تجارب وأفكار كل الأديان من قبل، الفارق الوحيد هي التسميات والمسميات والشخوص والرموز وتبادل الأدوار والوجوه والأقنعة، في إيران اليوم السنة في مظلومية تتباكى عليها دول الخليج ومصر الأزهر في الوقت ذاته يتناسون أن بين شعوبهم من يعاني نفس المظلومية لأنه على مذهب أخر، الثقافة اليوم السائدة دينيا إن لم يكن الأخر على مذهبك وعلى تمسك بالرمز الذي تتمسك به فهو كافر ومشروع قتل مباح لك ولغيرك وإن كان على أعلى درجات التدين والإيمان، والسلطة هي ذاتها سلطة أبي جهل وأبو سفيان ولكنهما على دين محمد كما يزعمون، فمن تغير أذن الإسلام تحول إلى جانب قريش وأعلن أنتصاره عليها أم أن مكة أفاقت أخيرا على شركها وأعلنت تدينها بدين محمد، وصار الجميع بأئتلاف أندماجي يبني المجتمع من جديد على قاعدة تقاسم الكعكة بين السادة والقادة، وليذهب العبيد والمساكين إلى الجحيم فليس للفقراء مكانا في الجنة