بهيج إسماعيل … الروايةُ بنكهة الشِّعر والجنون

فاطمة ناعوت
2018 / 2 / 12


"وأين كنتُ أنا حين حملوكَ إلى قبرك ليدفنوك حيًّا؟!" سألتِ البنتُ الجميلةُ حبيبَها، لكنه لم يُجب.
ظَنّوه ميّتًا، فدثّروه بالأكفان وحملوه إلى الموت، ثم سجنوه في ظُلمة قبرٍ ضيّق. ولمّا نفضوا أياديهم منه، عاوده الحنينُ إلى صخب الحياة، فرفع بيديه وقدميه حجرَ المُعتقل الأبديّ، وقام من مواته. ثم راح يركضُ صوب قصره المنيف، مُتعثّرًا في أكفانه. ولأن الأوراقَ في المجتمعات المُترهّلة بالشكلانية أقوى من الواقع، احتشد السَّدنّةُ قابضو الأرواح وهاجموا القصرَ وحملوه قسرًا إلى قبره من جديد، استيفاءً لشهادات الوفاة التي تسمح بذهاب الأحياء إلى الموت، ولا تسمحُ بعودة الموتى للحياة، وإن كانت قلوبُهم تنبضُ بالعشق والحياة. راح يصرخُ أنه حيٌّ، وأن الروحَ لم تفارقِ الجسد، فما أنصتوا. كان العاشقُ يحكي للحبيبة تلك الحكاية، فتُقاطعه بين الكلمة والأخرى متساءلةً كما طفلةٍ ترفضُ ذهابَ الأب، وكما أُمٍّ ترفضُ ثكلَ الابن: “وأين كنتُ أنا حين دفنوكَ حيًّا؟!” ولكنه يسترسلُ في الحكي ولا يجيبُ سؤالَها المنطقيَّ. وأيُّ منطقٍ في جنون طبيب أفنى من عمره عقودًا لابتكار مصلٍ يهزمُ الموتَ، عدوَّ الإنسان الأول؟! وأيُّ منطقٍ في أن تعشقَ صَبيّةٌ غيداءُ في مقتبل الإشراق، كهلاً يوشكُ أن يذوي؟! وأي منطقٍ في أن يطرقَ الموتُ بابَ تلك الصَّبيّة قبل باب حبيبها الآفلِ، فيُخفي عنها الخبرَ ويجهدُ في خلق إكسير الحياة لكي لا تموتَ هي؛ فلا يموتُ هو؛ فإنها قلبُه النابض؟! وأيُّ منطقٍ في أن تطيحَ الصبيةُ بذلك الدواء في لحظة غفلة وعناد، فيتحوّلُ الكهلُ الوسيمُ إلى شبحٍ مخيف، بعدما أخفقتْ عقودٌ من البحث والتجارب في تحقيق حلم الإنسان الأوحد الأعسر عصيّ المنال: الخلود؟! ظلّتِ البنتُ تسأله أين كانت هي بينما حُمِل إلى القبر حيًّا؟ وفي الأخير قال العائشُ في العشق إنهم ظنّوه ميْتًا لأنهم لم ينتبهوا إلى أن حبيبته حيّةٌ داخله. وإذن: أين كانت؟ كانت خبيئةً في عُمقه. فكيف لخبيئة أن تُنقذَ روحًا من أيدي حُراس القبور؟!
يُناجيها في لحظة عشق: “صُبّي أيامَك في أيامي، وأحيلي الليلَ نهارًا، والجامدَ نارًا، والهامِدَ بحرًا فوّارًا". وكأنّما كأسٌ ملأى تَصبُّ رحيقَها في كأسٍ لم يتبقَ فيها إلا سُؤرٌ يسير. هكذا العشقُ، يُتَمِّمُ ما نَقُصَ.
حكايةُ عشقٍ بين رجل يطرُقُ بابَ الموت، وصَبيّةٍ تطرقُ بابَ الحياة. لكن عبثَ الأقدار يُبدّلُ ترتيبَ الأغصان في شجرة الأعمار على نحو سُورياليّ خارج إطار المعقول! ولِمَ؟ لأن كاتبَ الرواية شاعرٌ بدرجة فيلسوف، وفيلسوفٌ بدرجة رُواقيّ، ورُواقيٌّ بدرجة عالِم، وعالِمٌ بدرجة أديب مجنون. درسَ العلومَ، ثم الفلسفةَ، ثم السيناريو، ثم حلَّقَ فوق كلِّ هذا كاسرًا قيودَ العلم والفلسفة والفنّ.
انتظرتُ طويلا لأرى كيف سيكتبُ هذا القلمُ الاستثنائيّ في يمين "بهيج إسماعيل" روايتَه الأولى، بعد عشرات المسرحيات والدواوين والسيناريوهات؛ حتى صدرت "المنفى والملكوت"، بالأمس عن دار "العين". وكما توقّعتُ؛ كانت مزيجًا صاخبًا من: الشِّعر والتصوير والنحت والرقص والتصوّف والعِلم والميثولوجيا والفلسفة والكوميديا والتراجيديا... والعشق والجنون. اجتمع كلُّ ما سبق من "جنود الإنسان" لتشتبكَ في جيشٍ واحد ضدَّ عدوّ واحد في معركة الصراع الأبدي بين "الموت والحياة". كلُّ تلك الجنود المُدجّجة والرهيفة، في آن، حاربت مع "الحياة" ضدّ وحش "الموت”. ولا عجب. فلم يُبدعِ الإنسانُ "الفنَّ"؛ إلا ليهزم الموتَ. ولم يبتكرِ الإنسانُ "العلمَ"، إلا من أجل هزيمة الموت والانتصار للحياة. ولم يخترع الإنسانُ آلِهَة الميثولوجيا، إلا لتسانده في معركته ضدّ الموت. "الحياةُ"، كما ترون، مُدجَّجةٌ بأسلحة العلم والخيال والفنون وجيوش من بلايين البشر منذ ملايين السنين، و"الموتُ" أعزلُ وحيدٌ منبوذٌ. لكنَّ ذلك الأعزلَ المنبوذَ، للعجب، ينتصرُ دائمًا ويهزمُ الحياة! لماذا؟ حتى يظلَّ السؤالُ دون إجابة: "أين كنتُ حين حملوكَ إلى قبركَ حيًّا؟" كانت خبيئةً في قلب العاشق حتى يستمرَ الصراعُ الأبديُّ دون نهاية، فالصيرورةُ هدفٌ، واستمرارُ الصراع غايةٌ. فكلُّ صراعٍ ينتهي، لا يُعوَّل عليه.
أُحييّ أستاذي وصديقي "بهيج إسماعيل" على روايته الجميلة، وأتأهّبُ الآن للذهاب إلى معرض الكتاب لحضور حفل التوقيع في الرابعة عصرًا.