رابطة المَنَاجِذ الشيوعية -3-

علي دريوسي
2018 / 2 / 12

في هذه اللحظة وأنت تقرأ بشغفٍ - على الأقل هذا ما أحسه لديك وأراه في حركة عينيك الفضولية وحالة الاِسترخاء في وجنتيك - تماماً في هذه اللحظة التي تمضغان عيناك بها كلمات هذا المقطع من الفصل الثاني الذي أسميته (رابطة المَنَاجِذ الشيوعية) راجياً من السماء ألا يعتقد شخص ما أنَّ المناجذ هي أضراس العقل، والعائد لمشروع الرواية شبه الوثائقية التي أحاول كتابتها، الرواية التي سأعمِّدها تحت اِسم (المِذْراة)، بعد أن تعدّدت خياراتي ما بين (الطريق إلى بيت السند)، (البَيْدَر)، (زقزقة اللَقَالِق)، (التَّخْتَرَوان) و(فيرندا بلا نوَافِذ). ومن لديه الخيار لديه العذاب والحيرة، كما يقول المثل.
والمِذْراة هنا ليست فقط تلك الآلة الزراعية المسَّماة شوكة تفريغ التي كان يستخدمها أبو وزيرة مثلاً في أرض زيتونه لتنظيفها من الأعشاب والأشواك والدَّيس أو في حظيرته الصغيرة ليرفع بها الروث والتبن لتكويمه جانباً، بل هي رمز لتوصيف الحنين إلى الماضي في الشرق العربي وإعلان القطيعة مع حاضره.

وقد يحدث أن أتخذ قراري في إعدام الرواية بعد اِكتمالها وأنا بكامل قواي العقلية، رغم رفضي لعقوبة الإعدام بغضّ النظر عن الجريمة المُرتكبة، وقد يحدث ألا أستطيع إكمال هذه الرواية لسببٍ ما، أو ببساطة لأنني في الحقيقة لا أرغب بكتابة عمل روائي في عصر الرقميات والإيجاز. أليس من السذاجة أن تضيع وقتك في كتابة رواية في الوقت الذي تستطيع أن تختصرها أو لنقل أن تدفنها في قصة قصيرة؟ وما الخطأ في أن تكون القصة مقبرة للرواية؟
وإذا ما حدث وأعدمتها أو أهملتها فلن أندم على قراري أبداً. وطالما أنَّني لم أقرَّر بعد لذا اِسمح لي صديقي القارئ أن أتَطَفَّل على حضرتك بالقول: إذا أردت قراءة كتاب ما، إقرأه بتأَنٍّ وكأنّك تشاهد مسلسلاً تلفيزيونياً مثيراً من حلقات، لا تقرأه دفعةً واحدة وكأنّك تشاهد فلماً سينمائياً من تسعين دقيقة، لأنّك ستنساه سريعاً، لأنّك لن ترى ما كُتِبَ بين السطور. لذا أرجوك أن تقرأ بهدوء.
*****
تماماً وأنت ما زلت في معمعة القراءة والتَشَوُّق المتّزن للتفاصيل أتمنى منك أن تقف الآن بأفكارك أمام سينما الدنيا في مدينة اللاذقية قبل أعوامٍ مديدة، أنت تقف أمامها وظهرك يطل على بوابتها الحديدية المدهونة بالأسود ووجهك يطل على الساحة الصغيرة، أنت لا تقف أمامها في طريق المحور الرياضياتي الذي ينصّف بوابتها تماماً، المحور الذي يخترق تسجيلات آسيا على الطرف الآخر، المحور الذي يصلك عبره صوت فؤاد غازي أو أحياناً عتابا إبراهيم صقر، أنت تقف في الحقيقة حيث يمر منك محور ثانوي آخر، يصنع زاوية رؤية جميلة مع المحور الرئيسي، زاوية من حوالي ستين درجة، إذن أنت تطل على الدرجات البيتونية السبعة، التي يخترقها المحور الثاني على الطرف الآخر، بينك وبين الدرجات التي تقودك إلى زقاق نصفه مسقوف شارع مسافر إلى المركز الثقافي، الزقاق يغويك ويخيفك في الآن نفسه، على يمين الدرجات محل أحذية، لا بل لعله محل قمصان وربطات عنق وجرابات، على يسار الدرجات محل لتلميع الأحذية، لا بل لعله محل لحلاقة الشعر، أمامه يجلس صبيان، أمام كل منهم صندوقه الخاص، صبيان تذكّرك سحنتهم بأولئك الفلسطسينيين الفقراء والغامضين، صبيان يرجونك أن تترك حذاءك لينظف من قبلهم وأنت في وضعية وقوف، أمامهم يجلس رجل عتيق أمام صندوق نحاسي كبير ومزيّن، يدعوك لتنظيف حذائك في وضعية جلوسٍ، على كرسي يذكّرك بكرسي الحلاقين ممن يحترمون المهنة، بين صناديق البُوَيْجيين وصوت فؤاد غازي ثمة شارع غني، غني بمحلات الصاغة والكنيسة ومطعم ومقهى العشاق تحت الأرض، سوق يقودك إلى شارع القوتلي، السوق الشهير الذي يتقاطع مع سوق دكان الكوسا، أي سوق روائح اللحمة المشوية، أقصد سوق العُنَّابّة، إذا نظرت إلى الجانب السلبي من المحور الثانوي حيث تقف، أي إذا ما نظرت إلى اليسار ستقع عينك اليسرى حتماً على مقهى الموعد، لعلك تستطيع من موقعك أيضأً رؤية طرف من سينما الكندي، وقد ترى لافتة سينما الأهرام، إلا أنَّك سترى حتماً بائع الفستق السوداني أمامها، وإذا ما تجرأت على النظر باتجاه المحور الرئيسي، أقصد على يساره قليلاً سترى محلاً بحجم مؤخرة عقرب، محل فلافل الحموي وأمامه بائع اليانصيب الكفيف، به ينتهي الشارع الضيق الكثيف بمحلاته الصغيرة المتشابكة، الشارع المكتظ بالناس الحيارى، بسينما اللاذقية ومكتبة عريف وبائع العيران على يسارها، سترى شارع هنانو المسافر إلى ساحة الشيخ ضاهر، إلى جامع العجّان، إلى مدرسة جول جمّال، حيث ينتظرك باص البلدية، وأنت حيث ما زلت تقف في مكانك قبل عقود إذا ما أردت أن تنظر إلى الأسفل، أي على يمينك مباشرة مثلاً، أمام محل الأحزمة الجلدية، حينئذٍ سترى صبيان التهريب وقد فرشوا بضاعتهم التي أحضروها سراً من لبنان، أحذية وبيجامات رياضية، بنطلونات وقمصان من الجينز، وعلب الدخان الأجنبي وأشياء أخرى، وقد ترى من يحتال بلعبة الكشاتبين لسرقة جيوب الناس الضعفاء، حينئذٍ سيخطر على ذهنك خيَّاط ضيعتك حتماً وهو يغطِّي طرَف إصبعه بالكُشْتِبَان ليقيه وَخْزَ الإبر أو قد تتذكَّر عازف القانون في فرقة صبحي جارور وقد لبس الكُشْتِبَان في سبَّابته وراح يضرب على قانونه، وأنت حيث تقف تنسى كل ما شاهدته عيناك، ولا ترى إلّا الدرجات البيتونية التي تحضُّك على الدخول إلى عالم الزقاق، الذي يقودك إلى محلات بيع الأقمشة، وعلى رأسها دكان علي الدو، الزقاق الذي يوصلك إلى ساحة السمك، إلى ساحة أوغاريت، إلى أعمدة أوغاريت، إلى سينما أوغاريت التي تعرض الفلم الهندي الشهير التؤامان، تلقي نظرة أخيرة على الأحذية المهرّبة المدهشة، تلعن أسعارها، تقرر أن تخترق الزقاق، رغم معرفتك للوجع الذي ينتظرك في منتصفه، تحديداً في ذاك البيت الأرضي في نهاية الثلث الأول من الزقاق، هناك سترى ثلاثة أولاد، صبيان وبنت، أو بنتان وصبي، في المجال العمري بين التاسعة والخامسة عشر، ستراهم نصف عراة، يزحفون على عتبة البيت، يودون الخروج للتنفس ورؤية العالم، ثلاثة أولاد أرهقتهم الإعاقة المديدة، ثلاثة أولاد لعلهم يحلمون بالوصول إلى سوق العنّابّة لتذوق اللحمة المشوية التي تعبق رائحتها في فضاء المدينة أو إلى محل خالد دمياطي لتفصيل أحذية لن يرتدوها في حياتهم أو إلى محل علي رعوان لإصلاح أحذية لم يمتلكوها أبداً.
*****
هناك وقفتُ أنا أيضاً يومئذٍ في الساعة الرابعة والربع في وَضَح النَّهار وفي يدي ربطة خبز سياحي كنت قد اِشتريتها قبل بدء الموعد بلحظات لأغراض التمويه، وقفتُ قلقاً باِنتظار وصول الرفيق مجد بينما راح قلبي ينبض رمش رمش رمش، تماماً هناك أمام سينما الدنيا حيث وقفتَ أنت بخيالك، ورأيتُ وجالَ بخاطري تماماً كل ما رأيتَ وجالَ بخاطرك أنت، عزيزي القارئ.
*****
يتبع