دولةُ المُتملِّق: تفكيك العقل الاحتيالي (6)

سامي عبد العال
2018 / 2 / 11

فعل التملق لا يتم إلاَّ بتشغيل " عجلة الطبقية " في المجتمعات. وهي عجلة تدور بكافة أوضاعها ( اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً )، لترسخ الفوارق بين أفراد الشعب. لأنَّ المواطن لو وجد فرصاً متاحة دون استثناءٍ لما تسلق أكتاف غيره. وما كان ليتخذها مطيةً لقطف ثمار النفاق العام على هذا الصعيد. إن حركة المتملق صعوداً وهبوطاً تكشف كم تهيمن طغمة الحكام والمسؤولين بأسباب مدنيّة هذه المرة. لقد استطاع التملق الافلات من فلتر الدولة الحديثة غارساً النفوذ والوصولية والمحسوبية في بنيتها.

لعل البيئات الثقافية العربية تستعيض عن قواها القديمة بأشكال حداثية تؤدي ذات الوظائف. وهذا جزء من إخفاق مشروع الدولة لدينا. والتخبط في مضمار كهذا ليس عشواء ولا عرضاً، لكنه يلقي بنا في الاتجاه النقيض. بالأساس لم يكن هناك فهم حقيقي لفكرة الدولة ولا بناء كلي لطبيعتها وآلياتها وما ستسفر عنه من نتائج. فلا تجتمع الطبقية والدولة في وعاء واحد، لأن المسافات بينها تهدر التنوع والعدالة والمساواة. وتبدو هذه الأوضاع معبرةً في مرحلة استعمال الناس كقطعان لتحقيق رغبات المتملقين.

من ثمَّ يجيء السؤال تلقائياً: هل هناك ثغرات في جدار الدولة الحديثة تسمح بالتملق؟ كيف تؤدي الطبقية هذا الدور بشكل تأسيسي؟ ومن ثم: لماذا تُعطل القوانين في حالات دون أخرى؟ سؤال التملق هو سؤال القانون نفسه، انتقائيته والتلاعب به واغفال أسسه المعيارية لحركة الدولة بأدق تفاصيلها. إنه عمل ضد تلك المضامين حين لا تسمح بهذا الفعل.

المهم أنه لن يكون له مجال خارج حدود طبقات تستقطب ( تستخدم ) زبائنها من طبقات أدنى. لأن التطلع لأخذ مكانةً لن يمر بسهولة إلا بتطفل من نوع ما. والمعروف أن الطبقات الأعلى تفرز الفرص بما بخدم ممثليها وتجر الآخرين. وإذا كانت المتملق ناظراً إليها، فإنه يأتي هنالك بناء على شروط لا يمتلكها. إنه يخضع مقهوراً لذلك ولا محيص عن الدوران في فلكها.

إن طبقية المجتمع سياسية في تجلياتها الأبرز. لكنها تعيد تدوير أوضاعها تبعاً لنمط العلاقات وتراتب المصالح. هناك (تواطؤ) بين الطبقات على ممارسة الأدوار بعناية وشمولية في الآن عينه. بحيث تغطي آفاق المجتمع لكيلا يتطلع الأفراد لتنفس هواء نقي. فالذي ينتمي إلى احدى الطبقات لا يستطيع الخروج من حظيرتها، كما لا يصرف الآخر نظره عن السابق، لأن بقاء الأول مرهون برسوخ الثاني فوق أنفاسه. وبالتالي يرتهن المجال العام بتعامد الطبقات فوق بعضها البعض، لأن حياة الناس تحولت إلى تنافر رأسي ضاغط وفارز.

والتملق بهذا كأنه إطار يحكم خارج مجاله. فهو لا يجر أطرافه بعيداً، لكنه يُنبئ عما تكون عليه الدولة في تكوينها. بكلمات أوضح كلما أصبح التملق شائعاً، تعرت الطبقات وازدادت شراسة. لأن المجتمعات المتخلفة تجد ما تلتحف به سريعاً. ولا تترك أعصابها الحية عرضة للهواء ونهباً للمارة. فالدين قد يقوم بالمهمة عن عجل وينذر الفقهاء أنفسهم لتغطية علاقات التملق بخطاب " تبسمك في وجه أخيك صدقة " أو " خير الناس أنفعهم للناس". لكن أخاك لا ينتهي عما يتواطأ به لاستعمالك بقوانين ولوائح في صلب السياسة. فهو لا يسمح بالتملق فقط بل ينهب الرأسمال الرمزي للدولة مطوعاً إياها لدوائر المنتفعين.

وقد يقوم بذلك رجل السياسة من باب استثمار علاقات القوى لمآربه. فالقوى في المجتمعات العربية يسهل التلاعب بها. لأنها لا تستند على قواعد حيادية صلبة. وأن تجلياتها منحازة سلفاً بحكم الطبقية. فالقبائل والعائلات والعشائر تحرص على لي عنق الدولة وبث ممثليتها في مؤسساتها. لأن هذه الكيانات البدائية تحافظ على أوضاعها بمنطق اللادولة. فالرجل الذي ينتمي إلى عائلة أو عشيرة يعتبر نفسه ممثلاً لها بصرف النظر عن نظام الدولة ككل. إنه مندوب دائم بالمعنى الفئوي ناظراً إلى غيره كأنهم من دولة أخرى.

لكن الأبرز هو تملق الرأسماليين للسلطة، فهؤلاء أكثر شرائح المجتمع احساساً بنبض الدولة وتوجهاتها. كما أنّهم صناع الفرص النادرة من خلال استغلال ثغرات القوانين وصياغته. ودوماً يترجم تملق الرأسماليين إلى عمليات حسابية. والرأسمالية جعلت من الدولة سوقاً ضخماً بحجم الرغبات والأهواء مقابل تسليع المناصب والمكانة والقوى. أي أن من يفوته منصب يمكن شراؤه بما يمتلك. وليست عملية شراء الدرجات العلمية للأثرياء بعيدة عن هذا الإطار. وأكثر من هذا في دول عربية هناك شراء للوظائف بدفع مبالغ كبيرة والإنفاق الباذخ على أصحاب المؤسسات.

الطبقية هي المناخ الاجتماعي والثقافي لنمو الرأسمالية. فالتسليع والسوق يحتاجان إلى سيولة الرغبات والعنف والتراتب والقمع بين الطبقات الاجتماعية. وهو ما يشعل التكالب على الفرص لو جزئياً. ويحول المجتمع إلى حلبة صراع يكون التملق فيها أنجع الضربات الناعمة التي تحسم جانباً من العراك. ويستعمل فيها الأفراد كافة التناقضات والمفارقات لأجل الكسب.

يقول ابن خلدون: " إن كل طبقة من طباق أهل العمران من مدينة أو إقليم لها قدرة على من دونها من الطباق. وكل واحد من الطبقة السفلى يستمد بذي الجاه من أهل الطبقة التي فوقه ويزداد كسبه تصرفاً فيمن تحت يده على قدر ما يستفيد منه. والجاه على ذلك داخل على الناس في جميع أبواب المعاش ويتسع ويضيق بحسب الطبقة والطور الذي فيه صاحبه..." ( ابن خلدون، المقدمة ، ص ص 489 - 490).

يحدد ابن خلدون آلية التفرقة الطبقية كأساس في أية عمليات اجتماعية أو سياسية.. فالقدرة مفتوحة على إمكانياتها المتوفرة. وبلغة الثقافة تكون الطبقات متجذرة في الوعي بالأحوال المعيشة. بدليل أن الأفراد ينتمون إلى طبقة بعينها سلفاً حتى قبل أن يولدوا، هم طبقيون رغم أنوفهم. غير أن صاحب المقدمة يواصل هذا "الرغم"، وتلك الحتمية طوال الحياة. ولا ندري ما إذا كانت ثمة نهاية أم لا!! لأن مجرد الانتماء إلى طبقة يعني أنها كل الحياة لا بعضها. فالتفضيلات قد تقررت وكذلك الإنحيازات والقوى والممارسات. ولا تفرق هذه الطباق بين مدن وأقاليم في إشارة إلى أن توابعها ذات طابع كلي مثل فضاء الدولة.

في ظل هذه الأوضاع، يفترض أن هناك علاقة عابرة للطباق لكنها تحمل نفس تراتبها. إنها علاقة عمودية من جنس الجاه. هذه السلطة التي تضع كل طبقة في مكانها الأدنى بينما يعلو أصحاب الجاه بأدوات الهيمنة. ولنلاحظ أن المنتمين إلى طبقة دنيا يتمسكون بأهداب الجاه لتحقيق مكاسبهم. وهي عملية (رسملة) تجعل حثيات الطباق سوقاً كبيراً بحجم المجتمع. فالطبقية مطلوبة لتمرير الرغبات، كما أنها شرط متبادل الدلالة مع الجاه أي مع السلطة.

واللطيف أن المنتمي لطبقة سفلى يستفيد من الجاه على مستويين:

أولاً: يزداد تعلقاً بالأعلى والتمسك بأهدابه. وهذا يلبي حاجته النفسية والاجتماعية للمكانة التي تمثل هاجساً حياتياً. وحاجة المتملق للإشباع النفسي ربما تكون موازية للكسب المادي.

ثانياً: تزداد قبضته من الواقعين تحت طبقته. أي أن وجوده سيكون جاهاً لمن دونه. وبتلك الحالة سيمارس عنف الطبقية في اسقاط ما يعانيه على الآخرين. والازدواج هنا لا تخطئه العين، فالفرد فاعل ومفعول نتيجة مفهوم الكسب. والأخير يعطي المسألة صبغتها الاقتصادية الشاملة. لأن الكسب يتوقف على حركة الفرد في التملق والتسلق... وكذلك على مكانة الطبقة التي ينتمي إليها وأهميتها اجتماعياً.

والربط يبدو بارزاً في قانون ربحي: أن المتملق يزداد كسباً فيما يمتلك تحت يده بمقدار ما يزداد تعلقاً بما فوق. وإذا كانت العوائد بالتكوين السابق، فالمجتمع بمثابة علاقات بين قاهر ومقهور. وابن خلدون يرشد هذه العلاقات على نحو طبيعي كما لو كانت الطبقية هي الفطرة الخاصة بالإنسان.

ولا غضاضة في أن يفعل في غيره ما يُفعل فيه. و من هنا كان الكسب يتناسب طردياً مع أهمية الطبقة. فلئن كانت الأخيرة أكثر أهمية وهيمنة كانت المكاسب من وراء تملقها كبيرة. والوجه الضمني لذلك هو اشعال صراع الطباق دون حدودٍ. وليس سهلاً ممارسة التجاوز إلى أية طبقة من غير الازدواج المشار إليه...إنه بمثابة الطريق الوحيد لبلوغ موقعاً يرتئيه الفرد. وليس الأمر فقط مرهون بالطبقة بل بالطور( المرحلة – الوضعية ) الذي يبلغها. والطور هنا لا يخلو من حث على مواصلة الطريق نحو المزيد.

ومن ثم :" فإذا كان الجاه متسعاً كان الكسب الناشئ عنه كذلك وإن كان ضيقاً قليلاً فمثله. وفاقد الجاه وإن كان له مال فلا يكون يساره إلا بمقدار عمله أو ماله ونسبة سعيه ذاهباً وآيباً في تنميته كأكثر التجار وأهل الفلاحة في الغالب وأهل الصنايع كذلك إذا فقدوا الجاه واقتصروا على فوائد صناعتهم فإنهم يصيرون إلى الفقر والخصاصة في الأكثر ولا تسرع إليهم ثروة إنما يرمقون العيش ترميقاً ويدافعون الفقر مدافعة...( المرجع السابق، ص 490).

الجاه الطبقي سابق على السلطة رغم كونها الذراع العملي له. وهو اقتصاد سياسي تترتب عليه معايير مادية. وبالتالي يغدو مؤهلاً لأن يكون اللاعب الخفي في نظام المجتمع. ولعل السلطة بهذا تتحول في تاريخ العرب إلى أرصدة مادية قابلة للبيع والشراء. وهنا كانت عملية نهب الثروات الوطنية للشعوب والدول. حتى أضحت من أبجديات الوظائف العامة مع انتشار الفساد والاختلاس واحتكار المنصب. لأن الوجه المقابل للتملك هو مكوث المسؤولين في مناصبهم لفترات طويلة. ومن ثم فالفرص متاحة للتربح من عوائدها والعيش في ظل الأطر التي تفرضها. ولعل المنصب الرسمي يوازي في الذهنية العربية مفهوم الغنيمة. لكون صاحبة لا يمتلك فكرة واضحة ولا تاريخاً قوياً حول العمل العام. وهو يسطو عليه كما لو كان جنته الوحيدة.

وابن خلدون دون وعي يفسر لنا: لماذا شهدت الدول العربية الحديثة تكالباً على المناصب الرسمية؟ ولماذا لا يكون الاَّ الموت هو الذي ينهي حقب الرؤساء والوزراء ورؤساء الحكومات؟

لقد شاع على أثر ذلك عبارات مثل: " فلان واصل أو علان مهم".. لمجرد أن الوصول ينقل أصداء التراتب الطبقي. فالوصول معناه أن الهوة بعيدة بين أناس وبين سواهم. وعندما يصل إنسان- إلى غرضه السلطوي- يدل على أنه آت من سفر قاطعاً دروباً وعرة. وعلى الراغبين في ذلك سلك الاتجاه نفسه.

وللعناية بالجاه، فإن فاقده - وإنْ امتلك مالاً - يستقر كسبة عند مجهوده خالصاً من الوصولية. وكأن الجاه هو ما يوازي الربا والأرباح الإضافية لأصول عينية ونقدية ليست بهذا الحجم. وصراحةً، سيكون العمل لدى العرب هو النشاط العاري من أي جاه. إنه يبدو منبوذاً وموضوعاً للسخرية لكونه لا يدر الربح الذي سيكونه لو ضُرب في الجاه. إن قيم العمل وتصوراته مكروهة في البيئات العربية، لا لشيء إلا لأن الذهنية قد اعتادت على الكسب من طرق أخرى. وهي طرق سهلة وأكثر ربحاً...تحتاج فقط إلى قدرات بهلوانية ومهارات التزييف وانتهاب الفرص ومداهنة الكلام وملاينته ومزيد من الخنوع.

لقد جاء الجاه عربياً بالمدلول التجاري. فلئن كانت هناك تجارة معروفة، فالسلطة تجارة اجتماعية واقتصادية. والتجارة تفترض طرفين. عندئذ يعد الطرف الآخر خفياً... وهو عادة صاحب الجاه والسلطان والصولجان. لأنَّ البقاء في المجال العام ليس للأفراد بل لحيثيات المنصب في الدولة. وهو ما يقرر إلى أي مدى هناك نهب متواصل من هذا الباب. لأن كل مسؤول جديد يعلم تمام العلم أنه سيمارس نفس الدور الذي كان لسابقه.

ورغم أن العمل مهم في نهضة المجتمعات إلا أن فقدان الجاه يحقرها. بل مهما كسب أصحابها فإنهم يصيرون إلى فقر مثل الفلاحين وأهل الصنائع. وهذا يلقي ضوءً على تأخر النهضة لدى العرب. لأن الإنتاج والصناعة كانا محقرين بفعل اجتماعي ثقافي أصلي. ليس من باب الترفع أو الوجاهة، بل إن الأرصدة الحقيقية للمعاني والرمزية كانت في اتجاه آخر تماماً. إن الشعوب العربية شعوب ليست عاملة بالمفهوم الحديث للعمل، ذلك الذي دفع أوروبا إلى تطوير مجتمعاتها وتغيير وجه التاريخ.

إن الافقار عملية سياسية اجتماعية تترسخ لدى شعوب ما طالما كانت ثمة قيم بديلة عن قيم البناء والتحضر والتمدن. وهنا تبدو الطبقية بمثابة الوجه المسيس لتراتب الجماعات والأفراد. إنها استعمال عمومي لإجهاض المساوة وغلق المجال أمام الابداع والتقدم. ومن هنا كان السقوط في الفقر إمكانية لا تخطئ أصحابها بمقدار ابتعادهم عن السلطة ودوائرها. إذن ورثت الدولة العربية هذا السقوط الصريح فيما يناقض كل جوانبها ويفشل جميع محاولات النهوض والتنمية. بل هي ذاتها تشتغل على تسديد غاياته المدمرة للحقوق والرؤى والفكر. وما لم تتحرر هذه الجوانب من سيطرة تجار السلطة بهذا الوضع، لن تكون الدولة العربية إلاَّ عجلة طبقية تفرز الشعوب وتفقرها.

وليس معنى ذلك اسقاط الدولة، بل ينبغي أن تجدد ممارساتها للقضاء على الفقر وهيمنة الطبقية وغلق منافذ التملق. الدولة كتصور ذكي لا يمكن محوها بجرة قلم ويستحيل التدخل في كيانها الكلي. فهي تدير وجودها النشط لصالح الشعوب، وتعمل على انتشالهم من الميراث القميء. هي ما تصحح مسارها شريطة وجود طاقات إجمالية لديها على التصحيح الذاتي. وكل عمليات النقد ومبادئ العقلانية تصب في هذا الإطار من بعيد لدفع الأخطار القريبة.