في الشعر الفلسطيني المعاصر: هشام عودة أنموذجاً

حكمت الحاج
2018 / 2 / 11

من النادر جدا لشاعر فلسطيني أن يفعل بالضبط ما يفعله شاعر عربي آخر في بقعة مجاورة، له كامل مخططاته التقنية، وفضاءاته غير المستباحة. فالآفاق الواسعة التي تتيحها مماحكات الحداثة والمعاصرة والنقل والنهل من الروح الغربي، يماثلها عند الشاعر الفلسطيني أفق واحد شديد الحساسية - لأنّه متعلق بالبقاء- هو أفق ما اصطلح على تسميته بالقضية/ المقاومة. فالمنظورات الواسعة في رحلة الأدب الفلسطيني الحديث تؤكد لنا هذه الفرضية وتطرح بالتالي مشكلة إضافية تتعلق أساسا بتوزيع المصطلح. فما هو هذا الشعر صاحب القضية؟ وما هو ذلكم الشعر الآخر، الذي بالقياس المنطقي، يجب أن يكون بلا قضية؟
لقد كانت سير وقصائد الشعراء أنفسهم تأتي دوما كشاهد على مدى نفاذ هذا الإصطلاح أو قصوره. ففي أشد النماذج الشعرية تجريبية، كان الشعر الفلسطيني لا يكف عن التصريح أو الإشارة إلى ما هو خارج الشعر (بوصفه نشاطا لغويا شديد المجانية) أي الى ما بعد اللغة، معبرا عنه بلغة شعرية. وحقا، ربما كانت هذه الحركة إلى خارج تخوم اللغة ومن داخل جغرافيا التحديث وتأثيراته، قد وفرت إمكانية جيدة لامتحان وفحص مجمل التيارات والصراعات الأدبية في مسيرها من أوروبا إلى رمال الجزيرة، ولتبيان مدى قدرتها على الإستنبات.
وبوصفه شاعرا فلسطينيا يعي موقعه وموقع قضيته من التاريخ واللغة، يقدم لنا "هشام عودة" مجموعته "حوارية الجميز والحجارة" مكونة من ست عشرة قصيدة منفذة بطريقة مزدوجة في الإشكالية، فهي من جهة، استمرار متباطئ لتقاليد الشعرية العربية (منذ الانعطافة العراقية الرائدة) في تطبيقها الفلسطيني (علاقة الأدب بالثورة) وهي من جهة أخرى، غير ملتزمة كلية بمناورة الأشكال وسلطة الفضاء المستمر للتقاليد. فقصائد هذا الديوان غير "مبحورة"، بل أن بعضا منها يكاد أن يكون خاليا من الوزن حتى. وفي الوقت عينه، هي ليست قصائد نثر بالمعنى الإصطلاحي المتعارف عليه. وهي أيضا لا تعدم التقفية عندما تكون القوافي لازمة.
إنّ "هشام عودة " في مجموعته هذه كما هو شأن معظم الشعراء الفلسطينيين ما بعد درويش- القاسم، لم يستطع الإفلات من تلك العقبة التي لا يعرف أحد متى ستنتهي هي وظلالها المنتشرة أبدا، أقصد "الدرويشية" بمراحلها، بدءا من "المزامير" مرورا بـ "مأساة النرجس"، وليس انتهاء بـ "لماذا تركت الحصان وحيدا". فآثار أصابع محمود درويش من السهل جدا تأشيرها في الديوان، كما أنّه ليس من الصعوبة بمكان تقصي أخبار التناصات أو الاقتباسات العديدة، إن كانت في المبنى اللغوي أو في الخطاب الشعري، عبر القصائد كلها. لنتفق أولا على أنّ "الشكل" هو استعياب للواقع بما في ذلك واقع الإنسان نفسه ولنحكم بعد ذلك على مدى تحقق " الشكل" من عدمه في قصائد المجموعة. ولكن هل نستطيع حقا أن نؤشر تحرّكا للشكل في القصائد بحيث نقول أنّها قد وضعت لنفسها شكلا أو أنّها قد وضعت نفسها في شكل معين؟ أخشى أن يكون الجواب هو أنّ "اللاشكل" هو السائد، وليس هذا بمعنى قصدية لا شكلية، فإنّ ذلك بحد ذاته تعبير عن شكل مفتقد، ولكن بمعنى أنّ الشكل هنا هو المكرور والسائد والإمتدادي، من عنقودية القصيدة إلى بعثرتها على فضاء البياض للورقة، إلى نظام التسمية والتوجيه إلى الغرضية (من المقاومة إلى الانتفاضة) مرورا بالاستعمال الاعتيادي للغة.
*****************
قد يحسب للشاعر هشام عودة، في معرض سرد النتائج، هدوء صوته من حيث ظاهرة قلة الصراخ في مجموعته الشعرية هذه التي نعرض لها. ويبدو أنّ المرحلة لم تعد تحتمل الزعيق أكثر مما احتملت واحتملنا. وقد تحسب له أيضا هذه الروح غير المتشنجة إزاء الأحداث والأشياء في الخارج. ولكن ما سيؤاخذ عليه دائما هو تصالحه مع ذاته إلى حد تأجيلها ومن ثم تأطيرها بإمكانات الضمير اللغوي فقط. وفي الوقت الذي تصبح الذات الفردية فيه مركزا للعالم المنظور والمحسوس ومجالا لإطلاق الرؤية، فإنّ هذه الذات ليست متفردة حقا، ولا هي متمركزة في الكون لأنّها في حالة تعبير عن رعب الجماعة، وعن صوتها العالي، وبالتالي هي لا تتجذّر بل تتجوّل جيئة وذهابا للحصول على تلويحات جماعية ومبادرات من شأنها أن تزيد في استسهال قوانين اللعب كالتالي: ذات تقول شعرا وجماعة تختزل ذاتا، والنتيجة قد تكون وبشكل محزن شعرا جماعيا مكتوبا بيراعات وأقلام الجميع، ولغة جماعية ممّا لا يتجانس مع لعبة الشعر الأزلية وهي "الذاتية" تلك الكفيلة بتحقيق الفعل الشعري الناجز متمثلا في كسر اللغة وخرق الإستعمال العادي والقياسي لها ونقل جوهر الشعر من الأشياء إلى الأصوات، من الخارج حيث الواقعة إلى الداخل حيث لب اللغة وحيث الذات تتكلم وتُصوِّت لوحدها.
هل وضعنا اليد على تعارض رئيسي إذن في شعر الشعراء الفلسطينيين عموما، وفي شعر الجيل الجديد منهم على وجه الخصوص؟
نأمل أن تكون التغييرات الأخيرة في الخرائط على أرض الواقع بمثابة آليات عمل جديدة ومعاول رابضة في أجل كتابة حديثة تمثل بالإضافة إلى روح العصر تلك الرحلة الأسطورية العظيمة للإنسان الفلسطيني المعاصر، وتشظيه عبر أحلامه ونضالاته وقدرته على البقاء رغم كل شيء وبالرغم من كل شيء. وليس أجدر ولا أجدى من الشعر قمين بذلك.
**********************
من أجواء الديوان:
ترنحت في شارع ضاق بي
وما عاد يوصلني بالجمر الشتائي وقت
وما عاد يقبلني قارب أو طريق
فعدت إلى الشارع المنحني أجمع نفسي أدور برأسي
لأدفن في البحر أسرار قريتنا النائمة
وأعلن أنّ الرياح تغيّر حين أشاء تراتيلها وتصفّق لي.
أيّها الأشقياء سنشرب قهوتنا ثم نمضي...
إلى أين؟ ليس السؤال جديرا بنا
ولسنا جديرين بالحب
ليس لأرجلنا عادة النكهة الطيبة سنشرب قهوتنا.. لا يهم
فبعض النساء الجميلات يغرين أزواجهنّ السكارى
ليأخذن منا العذاب المقيم
فنعلن فتحا جديدا نقيم له مهرجانا يليق بأسمائنا...
(من قصيدة "صاحبنا الحنظلي")
****************
من ذاكرة الحجر يجيء الجنود وتأتي العربات
وتنتشر الفوضى في السوق الشعبي
لاشيء سيحمله البحر
لأنّ الأمواج انتقلت سرا
في الليل إلى البيارة
سمك القرش يعضّ البحر فيحمر الشاطئ
هل صار البحر بلون دمي
لاشيء سيحمله البحر
ولا شيء سيأتي من ذاكرة الأمواج
الجند بحجم الطرقات
الجند بحجم السوق وحجم العربات.
(من قصيدة "حوارية الجميز والحجارة")