الشاعر في ديوان -طائر الغربة- محمد عرموش

رائد الحواري
2018 / 2 / 10

الشاعر في ديوان
"طائر الغربة"
محمد عرموش
من جماليات الشعر حضور الصور، الغنائية، اللغة، الأفكار، الأسلوب، في هذا الديوان نكاد نجد كل هذا العناصر الجميلة، ففي قصيدة "نشيد السواقي" نجد الغنائية تلازمنا عند قرأتها، وكأن القصيدة هي من تقودنا لتمتع بها:
"سأدخل في مدائنها
كما الأنهار في مجاريها
فيافيها
وأترك فوق جدران
معلقة
على الأزمان أجيال
سترويها
... وتلك حبيبتي بلدي
ومجرى النهر أغنيتي
كضوء في نواديها.
وعيناها هما دنيا
فأحياها
وأفديها" ص12و13، فمثل هذه القصيدة يكفي المتلقي أن يتغنى مع اللغة المستخدمة فيها وأن يتماهى مع اللحن والموسيقى الموجودة فيها، فقافية الألف تجعلنا نمد الحرف إلى أقصى حد ممكن، والذي يأخذنا بعيدا بعيد، لنهيم مع الكلمة ومع المعنى، وهذا ما يجعلنا نتماهى أكثر مع القصيدة، كما أن غالبية الكلمات الأخيرة المستخدم كانت بيضاء "فيافيها، سترويها، هنا فيها، نواديها، وأفديها، يضنيها، توافينا، سواقيها" إذا ما استثنينا فعل "يضنيها" تكون بقية النهايات بيضاء ومحببة لمتلقي مما يجعله يتوحد مع القصيدة التي تأخذه إلى حالة من النشوة الغنائية، وهذا ما يجعله أكثر قربا وتوحدا مع القصيدة.
أما فيما يتعلق بالصور فهناك العديد من الصور نثرها الشاعر في الديوان، منها ما جاء يحمل طرح سياسي كما جاء في قصيدة "غيوم فوق سطح الخليج" والتي يقول فيها:
"غيوم تحاصر سطح الخليج
وتنشر فيه الرؤى الخانقة
بالسيف أكسر طوق الحصار
وأنزع مجدا
من الضائقة" ص28، إذا ما توقفنا عند الألفاظ المستخدمة سنجدها قاسية وتشير إلى حالة العنف: "تحاصر، الخانقة، بالسيف، أكسر، الحصار، الضائقة" ورغم هذه القسوة إلا أن المضمون جاء يحمل الأمل ويحث على العمل، وهذا المزج بين الألفاظ القاسية وفكرة الأمل يشير إلى أن الشاعر يتجه نحو المستقبل، رغم بؤس الواقع وسواد الحال.
ونجد صور متعلقة بذات الشاعر الذي يعيش حالة من الغربة، فيقول في قصيدة " ملتقى الشعراء":
" فصل الخريف أصاب كل قصائدي
جرداء تبدو بالربيع تطالب
إن ترتجي فرحا بقلب قصائدي
تجد الغروب إلى الشرق مجاذب" ص41، قلنا ان الكتابة تعد احدى العناصر التي تخفف من حدة الضغط على الإنسان، لكن الشاعر هنا جعل من القصائد وذاته شيء واحد، فهو موحد ومتماهي معها تماما، بحيث لا يمكننا الفصل بينهما، فحالة الصراع انعكست على ما يكتبه، وهذا الأمر يؤكد مقولة "أنا لا اكتب القصيدة بل القصيدة تكتبني".
دائما التناص مع القرآن الكريم يقرب المتلقي من النص الأدبي ومن القرآن الكريم، وكأنه الشاعر/الكاتب عندما يستخدم التناص يدعو القارئ ـ بطريقة غير مباشرة ـ للتقرب أكثر من هذا الكتاب العظيم، كما أن تلامس النص الأدبي مع القرآن الكريم غالبا ما يجمله ويعطيه نكهة خاصة، "محمد عرموش" يستخدم الآيات القرآنية بطريقته الخاصة فيقول في قصيدة "غيوم فوق لخليج":
"ألا هل أتاك حديث الحجارة
وركض الصغار بأرض الحضارة
ألا هل أتتك البشارة
بأن الولادة من عسر
تجيء بنصر
وتلقي ثماره ..." ص31، ما يحسب لهذه المقاطع أنها كانت سلسة وتنساب بسهولة إلى نفس القارئ الذي يستمتع بها، إن كان من خلال الأسلوب، أو اللغة، أو الفكرة، أو جمالية التناص مع الآية القرآنية" هل اتاك حديث الغاشية".
ونجد تناص آخر في قصيدة "بحر التكوين" التي يقول فيها:
"فأدخل إلى قلب المدينة وانتظر
طف حولها قبل الدخول
وأخفض جناح الحب
من قبل الوصول
وأدخل رقيقا
مثل مزمار البراري" ص779، فعبارة "أخفض جناح الحب" تلامس الآية القرآنية من سورة "لإسراء" "وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)" فعل الخفض منسجم تماما في المعنى بين الآية وبيت الشعر، فهما يدعوان إلى الهدوء والنعومة في التعامل/الدخول.
ونجد القصة الدينية حاضرة في الديوان من خلال "قصيدة يوسف، وسفينة نوح" وهما من القصائد الحامية التي تحمل فكرة الصراع والغضب الفلسطيني على ما هو كائن، فيفتتح "قصيدة يوسف" بقوله:
ليوسف أن يعلن إخوته
وأن يشكر الذئب
إذ كان أنقى
وأن يشكر الجب
إذ كان أبقى
من البيت والأمنيات المريضة" ص48، فعندما يبدأ الشاعر القصيدة بهذا الشكل الصاخب والعنيف بالتأكيد يكون غير راضا عن الواقع، فقد جعل من "الذئب والجب" أنقى وأبقى من الأخوة، وهذا حال الفلسطيني الذي واجه شراسة الأخوة قبل الأعداء، فكانت ضربة الأخ أكثر وجعاً والآماً من ضربة العدو.
ونجد هذا الصخب والغضب في قصيدة سفينة نوح" التي يهديها لياسر عرفات، يقول فيها:
"النار حولك
فانتشر في النار
كي تجد المواقد
ضوءها
وترد من خطب
إلى غضب
وتعبث
ألف أغنية
فتية" ص51، حالة الصراع التي يخوضها الفلسطيني "ياسر عرفات" على أكثر من جبهة وضد أكثر من عدو، وفي أكثر من مكان، كل هذا انعكس على فكرة القصيدة التي جاءت لتحمل فكرة الصراع، لهذا نجد الفاظ "النار، اغضب" وفي المقابل لفظ "ضوءها، أغنية، فتية" فنستطيع من خلال الألفاظ وحدها الوصول إلى فكرة الصراع الذي يقدمه الشاعر.
رغم حالة الغربة التي تجشم فوق صدر الشاعر، إلا أنه استطاع أن يتجاوزها ويقدم لنا قصيدة شبهة مطلقة البياض، فكانت قصيدة "غربة" تعد حالة فريدة في الديوان لما فيها من بياض وهدوء وطبيعية:
"تسرح شعرها الشمس
وأغنية..
وتحمل ألف سنبلة..
ولا طير..
يوافي الرحلة الصعبة
سوى الغربة.
فكم من خطوة للبحر تذكرني
وكم زهر
يراود عطرها جزن
ويوقد حزنها جمرة...؟
وكم تفاحة نضجت
بسكرها..
وتشرب قوة مرة؟
ففيما أرفع الكفين نحو الغيم..؟
عل الغيم يعتصر ولا مطلا
ولكني..
ذكرت شجيرة كانت..
وكنت هناك أنتظر
بأن يأتي الربيع هنا..
ونزدهر" ص102و103، الالفاظ المتعلقة بالغربة هي "الرحلة، الغربة، تذكرني، ذكرت" فقط وهي ألفاظ لا تحمل مضمون القسوة أو الشدة، إذا ما استثنينا لفظ "الغربة" وهذا يشير إلى أن الشاعر يتغذى من الماضي الجميل الذي انساه واقع الغربة، فجعله يهيم في عالم الطبيعة، من خلال الشمس والغيم والمطر والشجرة والربيع، وإذا ما توقفنا عند ما جاء في القصيدة نجدها تخلو من وجود أي إنسان، وكأن الشاعر ـ في العقل الباطن ـ أراد أن يقول أنه يعيش حالة من الغربة، لهذا لم يذكر/لم يوجد أي إنسان في القصيدة، وقد قلنا في وضع غير هذا أن الطبيعة من العناصر لمهدئة، فالشاعر هنا يتجه إلها بكل كيانه ليخرج ما فيه من ألم وحزن ليعيش حالة من الهدوء والسكينة.
الديوان من منشورات دار العودة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 2005