التشكيل الأسلوبي في قصيدة - رفقا بالنساء-

عمر عتيق
2018 / 2 / 10

التشكيل الأسلوبي في قصيدة " رفقا بالنساء" للشاعر أمين السويطي
عمر عتيق


تعاين الدراسة أربع ظواهر أسلوبية تتجلى في فضاء القصيدة ، وتحقق تماسكا نصيا ، وتشكل المفاصل الرئيسية دلاليا ووجدانيا ، وتجسد البؤرة العاطفية ، وترسم صورة المرأة الاستثناء ، وتمثل آلية مقترحة لقراءة القصيدة . والظواهر الأربع هي النسق الدلالي للأساليب الإنشائية . والتشكيل الإيقاعي الداخلي . والتتابع العطفي .والتحولات الدلالية .

النسق الدلالي للأساليب الإنشائية
يُقصد بالأساليب الإنشائية طلب أمر غير موجود ، ومنها الأمر والاستفهام والنهي ...الخ . وهي نوعان : طلبي وهو ما تقدم ذكره ، وغير طلبي كالدعاء والتعجب وغيرهما . وتقتصر دراسة الأساليب الإنشائية في هذه القصيدة على الأمر والدعاء اللذين يشكلان نسقا دلاليا لافتا يستحق المعاينة والتحليل ، لأنهما وردا بنسق إيقاعي دلالي على النحو الآتي :
انصف ( سقيت الغيث) قلبا خافقا لم تعرف السلوى إليه سبيلا
وارحمْ (رعاك الله) جسما شاحبا آن الأوان ليستريح قليلا
واعدل (حماك الله) عقلا حائرا لم يعرف التغيير والتبديلا
وارث (جزاك الله ) نفسا لم تزل تُبقي على حبل الهوى موصولا
يقتضي التحليل توظيف الإشارات المطبعية كالتظليل ووضع خط، وعلامات الترقيم لتكون منبهات بصرية للقارئ كي يلاحظ النسق الذي جاء مبدوءا بأفعال الأمر التي تحتها خط ، ومتبوعة بجملة إنشائية دعائية جاءت بين قوسين لتمييزها ، ثم مفعولا به تحته خط ، ثم نعتا جاء مظللا في الطباعة .
يخرج فعل الأمر( انصف ، ارحم ، اعدل ، ارث) عن دلالته الحقيقية وهي الاستعلاء التي يفيدها فعل الأمر الحقيقي إلى دلالة الالتماس التي تقتضيها حالة الشاعر العاشق المتيم الذي أضناه العشق والشوق . ويدل معنى الالتماس على رفق ولطف ورجاء يتخلله ضعف في الاختيار ، وفتور في العزيمة والإرادة ، ولهذا جاءت أفعال الأمر بحمولتها الدلالية متبوعة بجمل إنشائية دعائية (سقيت الغيث، رعاك الله ، حماك الله ، جزاك الله ) لتؤكد معنى التماس العاشق ، ولتحث المحبوبة على قبول طلب الانصاف والرحمة والعدل . وهذا يدل على أن معاني الالتماس والرجاء في أفعال الأمر لا تكفي لحث المحبوبة على القبول والاستجابة للعاشق فجاءت جمل الدعاء لتحقق رغبة الشاعر وحاجته الماسة للإنصاف والرحمة والعدل .
ويدل المفعول به في الأبيات الأربعة ( قلبا ، جسما ، عقلا ، نفسا ) على أن حاجة العاشق لمحبوبته تتسم بالشمولية والتكامل ؛إذ إن حاجته تشمل قلبه المتيم ، وجسمه الضامر الهزيل ، وعقله الذي غاب عنه التفكير والتدبير وسلّم أمره للقلب ، ونفسه التي باتت رهينة لمشاعره المتوهجة .
وينبغي رصد التعالق الدلالي ، والتناغم النفسي بين أفعال الأمر والمفعول به على النحو الآتي :

انصف قلبا

وارحمْ جسما

واعدل عقلا

وارث نفسا

هل يوجد مسوغ دلالي لارتبط الفعل بالمفعول به ؟ لماذا اختص الفعل (انصف) بالقلب ، والفعل اعدل بالعقل ؟ ما الفرق الدلالي بين الانصاف والعدل كي يختص الفعل بمفعوله ؟ أرى أن الانصاف المتعلق بالقلب أكثر دقة وتعبيرا ؛ لأن الانصاف يقتضي أن يكون الحكم والقرار نصف مع الطرف الأول ، ونصف مع الطرف الثاني ، ولهذا السبب سمي انصافا أي من نصف الشيء أو من نصف الموقف والحكم . وما دام قلب العاشق مقسوما وموزعا بين رغباته وأمنياته وأشواقه من جهة ، ومشاعر المحبوبة واستجابتها وقبولها من جهة أخرى جاء الفعل (انصف) ولم يأت الفعل (اعدل) . أما ارتباط الفعل (اعدل ) بالعقل ؛فلأن عقل العاشق ليس موزعا أو مقسوما بين العاشق ومحبوبته ؛ فلا يقتضي دلالة الانصاف والانتصاف، ويعود سبب تغييب العقل إلى أن القلب حل محله. أما ارتباط الفعل ( ارحم) بالجسم فيعود إلى أن الآثار البادية عليه من ضمور وهزال وشحوب تثير الشفقة التي تؤدي إلى الرحمة وفق منظومة القيم الإنسانية ؛ إذ لا رحمة دون شفقة تثير مشاعرنا الإنسانية. وأما ارتباط الفعل (ارث) بالنفس فيعود إلى حالة قلب العاشق وجسمه التي تُنذر بالموت إن لم تتجاوب المحبوبة مع التماس العاشق ؛فتسرع إلى إنصافه ورحمته.
ويقتضي ما تقدم معاينة التعالق بين المفعول به والنعت حرصا على بيان التكامل الدلالي في التراكيب النحوية ، إذ إن التجاور بين الألفاظ يقتضي بين التناغم الدلالي بينهما لتسويغ مجيء لفظ دون غيره – كما سبق بيانه- فأهمية التجاور لا يتأتى من أحكام الصياغة اللغوية والمعايير النحوية وحسب ، بل تتأتى من الحمولة الدلالية المتناغمة للألفاظ . وقد جاء التعالق بين المفعول به(المنعوت) والنعت على النحو الآتي :
قلبا خافقا
جسما شاحبا
عقلا حائرا

من اليسير أن يلاحظ القارئ التناغم بين النعت والمنعوت ؛ فالخفقان للقلب والشحوب للجسم والحيرة للعقل . ولكن ينبغي على القارئ ألا يكتفي بالعلاقات الخارجية التي تطفو على سطح الدلالة ؛ لأن اللغة طبقات جيولوجية تتطلب الوصول إلى أبعد مسار دلالي ممكن ومعقول . وعليه فإن الطبقة الثانية للمعنى تتمثل بالحركة (الخفقان ) واللون (الشحوب) والاضطراب (الحيرة) ؛فالنعوت الثلاثة جسدت الأبعاد الثلاثة لحالة العاشق . والطبقة الثالثة تشير إلى التزامن والتعاقب لحالة العاشق التي تبدأ بخفقان القلب وتمر بضمور الجسم وتصل إلى حيرة العقل ، ولهذا جاءت النعوت مرتبة على النحو الذي وردت في القصيدة.
التشكيل الإيقاعي الداخلي
استئناسا بالتعالق الدلالي بين المكونات اللغوية والنحوية – كما سبق بيانه – ينبغي التنبيه إلى أهمية التعالق الإيقاعي بين تلك المكونات في المستويين الأفقي والرأسي . ولا أعني بالمستوى الإيقاعي الوزن العروضي ، بل إن المقصود بالتعالق الإيقاعي هو شبكة العلاقات الإيقاعية الناجمة عن الصيغ الصرفية للأفعال الأربعة على المستوى الرأسي التتابعي التي جاءت على وزن (افعلْ) ، والصيغ الصرفية للمفعول به( المنعوت ) التي جاءت على وزن (فعْلا ) ، والصيغ الصرفية للنعت التي جاءت على وزن (فاعلا) . إن مجيء المعنى الكلي للأبيات الأربعة بوساطة شبكة إيقاعية صرفية يُضاعف انتباه القارئ للمعنى ، ويزيد درجة تفاعل القارئ وإثارته وتأثره ؛ لأن الإيقاع قسيم المعنى ، وكل تعبير يخلو من إيقاع داخلي يفقد مقدارا من المعنى وقوة في التأثير.
وتشكل المرأة بأنوثتها وحضورها وسحرها وتأثيرها العصب الإيقاعي النابض في جسد القصيدة كلها ، لهذا جاء التأنيث(جمع المؤنث السالم ) في أبيات عدة إيقاعا داخليا لافتا ، يشكل روابط إيقاعية دلالية في المستويين الرأسي والأفقي حتى غدت القصيدة مساحة هندسية إيقاعية تقتضي التأمل لبيان التقاطع الدلالي والإيقاعي لتكرار صيغة جمع المؤنث السالم كما في قول الشاعر :

الحانيات على الخدود بقبلة والشافيات إن أردن غليلا
النازعات من الصدور قلوبنا والسالبات من الرؤوس عقولا
الآخذات من الأعالي مسكنا والرافضات تدنّيا ونزولا
الجاعلات من النسور حمائما والمبدلات صفيرهن هديلا
المؤنسات إذا اعترتْنا وحشة والموحشات إذا نوين رحيلا
ترتبط الهندسة الإيقاعية الناجمة عن الوزن الصرفي (فاعلات / مفعلات) لجمع المؤنث السالم في بداية الشطر الأول وبداية الشطر الثاني بعلاقات دلالية ترسم معالم المرأة الاستثناء التي تملك قدرات خارقة تصل إلى ملامح المرأة الأسطورة ، وتتوزع العلاقات الدلالية على النحو الآتي :
1- التكامل :يعني التكامل الدلالي بين لفظي جمع المؤنث السالم اللذين يشكلان وحدتين إيقاعيتين في بداية الشطرين ، نحو العلاقة الدلالية التكاملية بين (الحانيات) و( الشافيات) ، إذ إن الحنان والعطف يؤدي حتما إلى الشفاء والفرح .
2- التجانس : يعني تماثل أو تجانس دلالة لفظي جمع المؤنث السالم ، نحو تماثل دلالة (النازعات) ، ودلالة (السالبات) ؛ فالنزع للقلب ، والسلب للعقل ، وهما أمران يتماثلان ويتجانسان في الأثر النفسي ، والنتائج التي يصل إليها العاشق.
3- التناقض: يعني تحقق دلالة ضدية بين لفظي جمع المؤنث السالم، نحو العلاقة الضدية بين (المؤنسات) و(الموحشات) ، وتكشف هذه الثنائية الدلالية الضدية عن قدرة المرأة على إحداث تحول حاد في حالة العاشق ، فهي قادرة على توفير الأنس والاطمئنان للعاشق ، وماهرة في إدخال الوحشة والغربة إلى قلب العاشق ووجدانه وأرى أن أكثر العلاقة الدلالية بين لفظي جمع المؤنث السالم تأثيرا على المتلقي هي علاقة التناقض ، لأن المعنى حينما يتحول من حالة إلى حالة يضاعف يقظة المتلقي وينبغي أن نشير إلى أن الإيقاع الداخلي لألفاظ جمع المؤنث السالم السابقة يؤثر على معاني التكامل والتجانس والتناقض السابقة ؛ ففي علاقة التكامل يكون الإيقاع الداخلي ثابتا هادئا ؛ لأن دلالة الحنان ودلالة الشفاء – كما تقدم بيانه – لا تشتمل على انفعال أو توفر . وفي علاقة التكامل يكون الإيقاع صاعدا ؛ لأن دلالة نزع القلب وسلب العقل تشتمل على انفعال وتوتر بسبب التوتر النفسي الذي يشعر به المتلقي حينما يتخيل انتزاع القلب من الصدر ، وسلب العقل من الرأس ، فخيال المتلقي ودرجة تفاعله مع المعنى هما اللذان يحددان نوع الإيقاع الداخلي من حيث الثبات والصعود . وفي علاقة التناقض يكون الإيقاع متموجا بين الثبات والصعود ، أو بين الهدوء والانفعال ؛ لأن التناقض الدلالي بين الأنس والوحشة يشكل فضاء دلاليا إيقاعيا يبدأ ثابتا هادئا مع الأنس،ويتحول إلى إيقاع صاعد متوتر مع دلالة الوحشة .

التتابع العطفي
تشكل ظاهرة التتابع العطفي في القصيدة سمة أسلوبية مائزة . ويعني التتابع العطفي عطف لفظين متناظرين في الدلالة ، ولكنهما غير متماثلين ، إذ لا يوجد لفظان متماثلان في الدلالة على الرغم من خفاء الفرق بينهما في بعض الأحيان. ولا يخفى أن البلاغيين يسمون هذه الظاهرة ترادفا . ولا تخلو هذه الظاهرة من دلالات وجدانية ومسوغات نفسية ؛لأن مجيء الألفاظ المتشابهة في المعنى بأسلوب العطف يدل على أن المعنى في وجدان الشاعر لا يكفيه لفظ واحد فيلجأ إلى عطفه على لفظ يشابهه في المعنى ، وكأن الدفقة الدلالية والكثافة الوجدانية تبقى بحاجة إلى تشكيل لغوي يرتقي إلى مستوى الشحنات النفسية والخصوبة الدلالية التي تمور في أعماق الشاعر. ومن المعلوم أن الإحساس بالمعنى يبقى أكبر طاقة من قدرة اللغة على التعبير ، لذا لجأ الشاعر إلى ظاهرة التتابع العطفي في معظم أبيات القصيدة ، نحو قوله في المطلع :
أضحى الفؤاد متيما وعليلا والجسم أمسى ناحلا وهزيلا
قد يتوهم القارئ أن لفظي ( متيما وعليلا ) ، و(ناحلا وهزيلا) بمعنى واحد ، ولكن الوقوف على البنية المعجمية لهذه الألفاظ التي جاءت بأسلوب التتابع العطفي يكشف عن الفروق الدلالية بينها ، وعن السياق النفسي الذي اقتضاها معطوفة على بعضها بعضا . وإذا علمنا أن (التيم) في الأصل هو " ذهاب العقل من الهوى" ، وأن العلة تعبر عن العقل والجسم معا أدركنا حاجة العاشق في القصيدة للتعبير عن حالته بالتيم والعلة معا ، إذ إن العاشق في القصيدة لا يملك من أمره إلا الفؤاد الذي صار بديلا للعقل ، ومركزا للشعور ، وفضاء لإدراك الوجود ، ولهذا جاء وصفه بـ متيما .وجاء وصفه بـ عليلا ؛لأن العلة في الأصل هي "الحَدَث يَشْغَل صاحبَه عن حاجته". وعليه فإن التتابع العطفي بين المتيم والعليل في الشطر الأول يجسد حالة العاشق عقلا وذهنا ، ولا يجسد حالة الفؤاد وحسب ، لأن فؤاد العاشق هو عقله وإدراكه للوجود ، فلا مكان للعقل حينما يحترق القلب شوقا. وفي الشطر الثاني جاء التتابع العطفي بين (ناحلا وهزيلا) في سياق وصف جسم العاشق ، والفرق بين اللفظين المتتابعين بالعطف هو فرق في درجات التغيرات الفسيولوجية ، فإذا قلنا : إن الجسم الناحل هو ضمور في البنية الجسمية فإن الهزال يضيف إلى الضمور دلالة الشحوب، ففي المعجم " الشُّحُوبُ هُوَ الهُزَالُ بِعَيْنِه" .
واستئناسا بالفروق الدلالية السابقة فإن أسلوب التتابع العطفي جسّد حالة العاشق في بعديها الوجداني والجسمي ، وصور الخفايا النفسية للعاشق الذي أضحى يرى الوجود بقلبه. وينبغي على القارئ أن يقف على الفروق الدلالية بين الألفاظ المتناظرة في أسلوب التتابع العطفي على النحو الذي سبق على الرغم من الفروق الدلالية الدقيقة التي قد تخفى على القارئ العادي ، ولكن الاستعانة بالسياق الدلالي يُسهم في تقريب الفروق الخفية بين الألفاظ المتناظرة .
ومن أمثلة ظاهرة التتابع العطفي في القصيدة قول الشاعر :
مَنْ يحسب الحبّ اعتباطا فلير يكفي بجسمي شاهدا ودليلا
لا يخفى التعالق الدلالي بين لفظي (شاهدا ودليلا) في هذا البيت ، ولفظي (ناحلا وهزيلا) في مطلع القصيدة . وتتصل الألفاظ الأربعة بالدلالة على ما أصاب جسم العاشق من ضمور وهُزال . ويشكل هذا التعالق جزءا من التعالق الكلي بين أبيات القصيدة انطلاقا من الوحدة العضوية والنفسية التي تتسم بها القصيدة على الرغم من تعدد اللوحات الوصفية ، واختلاف التموجات الوجدانية . ولا تكفي الإشارة إلى التعالق الدلالي بين الألفاظ الأربعة ، بل إن أهمية التتابع العطفي تقتضي أن نربط بين دلالة التتابع في مطلع القصيدة ، ودلالة التتابع في هذا البيت ، فالبؤرة الدلالية لمعاني الألفاظ الأربعة هي الضمور والشحوب التي لا تعدّ حالة عابرة ،بل هي حالة ملازمة لعاشق ذهب الحب بقلبه وأضنى الشوق جسمه ، ولأنها حالة دائمة يكابد العاشق أوجاعها جعل الشاعر من جسم العاشق شاهدا ودليلا ، فالشاهد في الأصل هو الذي ينطق بلسانه ، والدليل في اللغة ما يُستدل به . ويشير الفرق بين الشاهد والدليل في البيت السابق إلى أن الشاعر جعل جسم العاشق الهزيل الشاحب ينطق بشهادته على تأثير العشق على الجسم ، وإن لم ينطق فتكفي آثاره دليلا على الحب.

التحولات الدلالية
حينما يكون المسار الدلالي مألوفا ومتوقعا يكون تفاعل المتلقي عاديا رتيبا . وحينما يحدث تحول في المعنى في المستوى الدلالي للبيت الواحد فإن يقظة المتلقي للمعنى تتضاعف ؛ لأن التحول هو منبهات ذهنية في عملية التلقي . ويمثل البيتان الآتيان نموذجا للتحولات الدلالية :
إن الهوى سيؤول قاعا صفصفا إن لم يكن متكافئا ونبيلا
الجاعلات من النسور حمائما والمبدلات صفيرهن هديلا
يشكل التحول الدلالي في البيت الأول فضاء دلاليا قادرا على رسم صورة تخيلية ذهنية لتحول الهوى من حالة الفرح والنشوة إلى حالة الانهيار والفراق والعذاب( قاعا صفصفا) . وجاءت جملة الشرط في الشطر الثاني (إن لم يكن متكافئا ونبيلا) منبها ومرجعا ثقافيا كيلا يحدث ذلك التحول . إن المتلقي في هذا المسار التحولي يجد نفسه مشدودا إلى صورة ذهنية تسبب القلق والاضطراب حينما يتخيل انهيار صرح الحب ، ومشدودا نحو المنبه الثقافي ( جملة الشرط ) الذي يضمن وجود توازن واطمئنان حينما يدرك ان الهوى لن ينهار ما دام "متكافئا ونبيلا" . وعليه فإن التحول الدلالي في هذا البيت يُضمر رسالة ثقافية تؤكد أن الحب ليس ميلا وإعجابا وحسب ، بل تكافؤ بين طرفين ، ونبل مستمد من منظومة قيم .
ويصف التحول الدلالي في البيت الثاني تحولا في المزاج وطريقة التفكير ، وتحولا في الصورة الصوتية ؛ وكلا التحولين يرتبط بالقدرات الخارقة للمرأة ؛ فالتحول في المزاج هو تحول العاشق من حالة المزاج في الرأي والتشدد في الموقف إلى حالة الوداعة والسكينة والهدوء ، وهذا هو المعنى الذي يختزله تحول النسور إلى حمائم . أما التحول في الصورة الصوتية الذي يمثلها تحول الصفير إلى هديل فيتعلق بمزاج المرأة وانفعالاتها التي تتحول من صفير ونفث للغضب إلى هديل يُفضي إلى اطمئنان القلب وسكينة النفس . ويمكن رصد ظاهرة التحولات الدلالية في أبيات أخرى ، نحو تحول الحليم إلى مراهق وعاشق . وتحول الصبور إلى متسرع وعجول. وتحول العزيز إلى ذليل.