حتى لو كانت صفقة أو تمثيلية

مصطفى مجدي الجمال
2018 / 2 / 10

حينما وقع عدوان يونيو كنت في الخامسة عشرة من عمري.. أكملنا الامتحان وأبلغونا بتأجيل بقية الامتحانات.. وعدت إلى البيت مبهورًا بالتفاف المواطنين حول الراديو في المقاهي.. ومازال تصفيقهم وتهليلهم يرن في أذنيّ حتى الآن.. لكن الحقيقة المرة اقتحمت فجأة أرواحنا وأذهاننا غير مصدقين.. وكانت بعدها أوقات هي قِطع من العذاب حتى أنني انفجرت مرة باكيًا حينما استمعت لإذاعة إسرائيل وهي تكرر أغنية ”مبروك عليكي سبع بركات“ وغيرها من أغاني الأفراح المصرية مع رسائل صوتية لأسرى مصريين..
لم يستطع الشاب الصغيراستجماع شتاته إلا بعد إغراق المدمرة إيلات.. ثم بطولات حرب الاستنزاف.. وبخاصة أسبوع تساقط الفانتوم سنة 70.. وقد كنا في المنصورة نشاهد الهجمات على مطار شاوة (القاعدة الرئيسية آنذاك للمقاتلات الاعتراضية في شرق الدلتا) وقواعد الصواريخ حوله وحول مدينة المنصورة، وأصبحت على دراية بطرز الطائرات المصرية والاسرائيلية.. وكلما كانت صفارت الإنذار تدوي كنت أسارع بالصعود إلى سطوح منزلنا المرتفع.. وكانت الطائرات تمر فوق رأسي بأمتار.. شيء مرعب فعلاً.. وكنت أقول لنفسي ما بال الجندي الذي تمر الفانتوم والسكاي هوك لتقتله.. وكانت أقسى اللحظات على نفسي أن شاهدت ذات مرة سربًا إسرائيليًا ينقض على طائرتي ميج 17 بمجرد ارتقائهما من شاوة..
كنت وأترابي لا نفكر إلا في الانتقام واسترداد كرامة الأمة.. ووقتها اتخذت قرار أن أمنح نفسي كليًا للعسكرية المصرية (وهذا موضوع آخر معقد).. ولكننا في الوقت نفسه كنا مبهورين كل الانبهار بانتصارات الثورة الفيتنامية.. وكانت نفسي تنشرح كلما سمعت خبر إسقاط بي 52 أمريكية (وكانت ثقافتي العسكرية المتزايدة تجعلني أدرك كم هي رهيبة) وكأنه انتصار شخصي لي.. وكنا نتساءل لماذا نحن لسنا مثلهم؟ وما نوع الحرب التي يخوضونها ضد أعتى قوة عسكرية في التاريخ؟ وكانت نتيجة قراءاتنا ومقارناتنا أن تكونت لدينا ملاحظات على نهج النظام الناصري الذي نشأنا على قيمه، ومع ذلك استمر ولاؤنا له رغم تكاثر التحفظات.. فانغمسنا في الاحتجاجات الطلابية والتنظيمات اليسارية السرية..
وفي يوم السادس من أكتوبر كنت أسير في الطريق حتى وجدت المواطنين يتجمعون حول راديوهات وتلفزيونات المقاهي في مزيج عجيب من القلق والفخر.. ثم تعالى التصفيق مع البيان الذي تحدث عن عبور قواتنا لقناة السويس.. عندها انقلبت الصورة الذهنية تمامًا عن صورة 5 يونيو..
عدت للمنزل لأطمئن أمي وأبي ثم نزلت سريعًا ونسيت نفسي تمامًا في شوارع المنصورة.. أخذت أستمع لأحاديث الناس دون أن أنبس بكلمة واحدة، فقد أردت معرفة تفكيرهم وأحاسيسهم المباشرة..
في عصر اليوم الأول من الحرب تقابلت مع صديق طالب في كلية الشرطة، وقال لي: تعال معي أنا نوبتجي في قسم البوليس (قسم ثاني المنصورة بحي ميت حدر وقتذاك).. وذهبت معه وأجلسني بجواره دون أن يقول شيئًا عن شخصيتي، فقد كان يعرف انتماءاتي منذ أن كنا معًا في الصف الأول الثانوي.. ثم بدأوا يضعون كراسي وأخذ أشخاص يتوافدون من ديوان المحافظة والمباحث بأنواعها والاتحاد الاشتراكي.. وكان أحدهم يرمقني بحدة طوال الوقت رغم أنني لم أقل حرفًا واحدًا.. اتضح لي أن هذه أشبه بغرفة عمليات مصغرة لمتابعة الأحوال الأمنية أثناء الحرب.. بدا الحديث روتينيًا حتى وجدت ذلك الشخص يقول وهو ينظر في عينيّ ويهز رأسه كالمنتصر: "أهم حاجة يافندم ناخد بالنا من الملونين والشيوعيين الصهاينة دول أخطر ناس على مصر!!".. فهمت ولم أطِل الجلوس..
حينما خرجت من "القسم" اكتشفت أن المدينة في ظلام دامس لا يمكن معه أن ترى أبعد من إصبعك، ولا يوجد أي صوت يمكن أن تسمعه، صمت رهيب كأنك في القبر.. فكيف سأعود إلى البيت.. سرت حتى وجدت رأسي ترتطم بقوة بمؤخرة مقطورة لوري فشعرت بالبؤس والرعب.. لكنني رأيت ضوءًا يشتعل من بعيد فتوجهت صوبه، واكتشفت أنني بجوار سور السكة الحديدية.. فسرت على هديه وصارت الرؤية أوضح بسبب أنوار ضعيفة لمصابيح لوريات حربية مدهونة بالأزرق..
بقدر ما استطعت التنفس أخيرًا بقدر ما كانت هذه من أسوأ لحظات عمري.. فقد كان الموقع هو بوابة الرصيف الحربي بمحطة قطارات المنصورة (من جهة حي الحسينية).. فهمت أن قطارًا قد وصل بجرحى الحرب.. وتنقلهم سيارات ولوريات سريعًا إلى مستشفى المنصورة.. وهالني عدد الجرحى وفداحة إصاباتهم.. حتى وجدت عيني جندي شاب فارع الطول تحملقان فيّ باكيتين.. وارتعت لما وجدت ذراعه مبتورة.. وحتى اليوم لا أنسى هذه النظرة.. لم أستطع تحمل رؤية المزيد فعدت إلى المنزل لا أعرف كيف؟ لأجد الأسرة بأكملها في حالة هلع عليّ..
سارعنا في جامعة المنصورة منذ اليوم الثاني للحرب بالدعوة لتكوين "مقاومة شعبية".. ويؤسفني أن لمحنا مبكرًا مشاعر عدم الثقة فينا من جانب الأجهزة، وتأكدنا على الفور أنهم يريدون "استيعاب حماسنا فقط" فأرادوا شغلنا بالتعليم "الأوليّ" الشكلي (ومن دخل الجيش يعرفه).. واختارني زملائي لأتلقى طلبات الانضمام للمقاومة الشعبية (بدعوى صفات شخصية يظنونها في).. وفوجئت بأعداد هائلة من المواطنات والمواطنين الجادين كل الجدية في القتال أو المساعدة.. وكان لهذه التجربة أن تنتج في نفسي أعظم المشاعر تجاه الشعب، أعظم بكثير جدًا من كل ما نقرأه في الكتب عن الطاقات الشعبية الكامنة التي تحتاج من يستنهضها أو يفسح لها الطريق للتعبير والمشاركة..
ولن أنسى أبدًا أن رأيت أمام بيتنا في شارع سكة سندوب جمهرة من الناس تسير وفي الوسط عملاق مذعور أحمر الوجه وتحرسه الشرطة العسكرية من غضب الجمهور الذي يمكن أن يمزقه.. قالوا لي إنه طيار أمريكي سقط للتو بالمظلة..
وقد حدث أن شاهدت بعيني من فوق سطوح المنزل أكبر معركة جوية في التاريخ فوق مدينة المنصورة.. أعداد هائلة من الطائرات التي تناور وتدور حول بعضها.. والصواريخ تدوي والطائرات تسقط والسماء مليئة ببقع الانفجارات برتقالية اللون..
هكذا عشت الحرب بكل أبعادها.. حتى تقابلت صدفة مع "رفيق" في تنظيم سري آخر كان عائدًا من مناقشة في القاهرة.. أخذ في "تلقيني" تحليلاً سياسيًا مطولاً بدأه من قرارات التأميم عام 61 مرورًا بهزيمة يونيو 67 ثم الوفاق الدولي 72.. الخ. وانتهى في تحليله إلى استنتاجات من قبيل: إن البرجوازية مسؤولة تاريخيًا عن استرجاع الأرض، وإن هذه الحرب مُتفق عليها مع الأمريكان، ونحن معنيون أكثر بالصراع الطبقي!!
لم أصدق ما يقوله.. شعرت أنه يسبح في فضاء آخر.. تمالكت نفسي، ورغم أنه كادر مخضرم وأنا في الحادية والعشرين من عمري، قلت له فيما أذكر: "حتى لو كانت حربًا جزئية أو تحريكية أو حتى تمثيلية.. فيه ناس بتموت وفيه شعب استرجع الأمل.. ومصير الحرب سياسيًا مرتبط بموازين القوى، بحجمنا ونفوذنا.. وأنا لا يمكن أنعزل عن الناس.. وبعدين أنا أخويا في الحرب دلوقتي ومعاه كثير من أصحابي وقرايبي وجيراني وناس كثير ماعرفهاش.. ومتقارنش الحرب الوطنية بالحرب العالمية الأولى وموقف البلاشفة منها.. وكمان الحرب الوطنية في حد ذاتها صراع طبقي.."..
لم أطل المناقشة لأنها أثقلت روحي.. وقلت لنفسي: الكثيرون يُفتون في أمر الحرب وهم لو دوّت بجوار أذهانهم طلقة مسدس لارتعبوا.. الحرب أهوال ويدفع ثمنها الباهظ شباب غض ومدنيون عزل.. ولا يمكن التعامل معها بحسابات تبدو لصاحبها موضوعية رغم بعدها عن الجانب الإنساني والانتماء الحقيقي للشعب..