رسالة الى قيادة الحزب الشيوعي العراقي و السيد مقتدى الصدر المكاشفة 1

علي محسن
2018 / 2 / 9

رسالة الى قيادة الحزب الشيوعي العراقي و السيد مقتدى الصدر
مع زخم الإستعدادات للإنتخابات العراقية المزمع إجرائها في ايار القادم، حيث إنتهت الاحزاب و القوى العراقية من عقد تحالفاتها وتثبيت أوتاد خيام حملاتها، التهبت وسائل التواصل الإجتماعي والمواقع الألكترونية متناقلة كماً هائلاً من الإنتقادات لقيادة الحزب الشيوعي العراقي والسيد مقتدى الصدر فيما يخص تحالفما "سائرون"،حيث صورها البعض بأنها هجمة بل راح عضو المكتب السياسي جاسم الحلفي "ابو احلام" بعتبارها حملة شرسة ضد الحزب مما اثار حفيضة الكثير من الشيوعين وخصوصاً الأنصار منهم، حيث ان النقد يعتبر تقويم وليس تهديم.
ولكي نستيطع تقيم تلك الاراء بشكل موضعي، لابد من رسم خارطة طريق لأهم ما جاء في تلك الانتقادات وطبيعة دوافعها و محتواياتها ومبتغياتها، حيث إنها وأن جاءت من مساربٍ مختلفةٍ وإن تداولت نفس المادة، فهي في النهاية تنتمي الى فريقين مختلفين من حيث الهدف والإستخدام.
هناك الكثيرون لديهم مخاوف قد تجذرت، من تجربة التحالف مع البعث وتجددت كقلق من تيارٍ ميليوني ربما سيجعل الحزب تحت عبائته الإسلامية، هذه المخاوف عند الكثير من رفاقه القدامى والانصار و من قاعدة واسعة من الوطنين، وهؤلاء حريصون على الحزب وسلامته.
اما الفريق الثاني فيتكون اغلبه من افراد قد إتخذوا مواقفاً تتعارض مع سياسة الحزب الشيوعي العراقي ،ليس في المناسبات فقط، بل على الأرجح في كل خطوة يخطوها, و هؤلاء تتركز إعتراضاتهم على تحالف سائرون في جوانب محددة كالعلمانية والدولة المدينة وتعارضهما مع سياسة السيد الصدر، كما يدعون. غير ان الإدعاء الأهم لديهم، هو ان الصدر "شخصياً" غير مؤهل على بناء الدولة المدنية، وان هناك تناقضاً مستعصياً بين العلمانية و ولاية الفقيه التي يسعى إليها السيد الصدر،كما يدعون. و ببساطة فأنَّ تحالف سائرون ماهو الا إستجابة لنداء الطبقات المسحوقة والمغلوبة على امرها و التي لا تحصل على فتات قوتها اليومي. و من الطبيعي جداَ أنّ ما يهم هؤلاء الفقراء هو أنَّ يسود ايضاَ العدل والحياة الكريمة ولا يهمهم كثيراً ان كانت الدولة مدينة او بزنطينية، فدولة العدل التي اقامها الامام علي لم تكن في حالٍ من الاحوال دولة مدنية. كما أنَّه ليس من الحكمة ايضاً ان نجعل من مشروع إقامة الدولة المدنية في تعارض مستعصي مع مصلحة الكادحين وفي تعارض ،غير منطقي، مع العمل على توسيع قاعدة الكفاح من أجل تحسين حياتهم المعاشية. أنَّ هكذا منطق"منطق التعارضات" يدعونا بشكل جدي الى مراجعة مسؤلة لخطابنا و بالاخص ذالك الذي يمس بالأساس مصالح الفقراء و حياتهم المعاشية. كما ان هذا التقاطع المزعوم ماهو الا انعكاساً لعجزٍ في إستعاب طبيعة المرحلة التي يمر فيها البلد و ماهي أولوياتها الوطنية و لإجتماعية، ومدى تداخل وتشابك تقلباتها و متطلباتها، و نظراَ لذالك اصبحت الحاجة ماسة وانية للتفكير والتحليل المنطقي. و مثل هذه الحالة تعيد لذاكرتي عن بعض تلاميذي في درس الأحياء الذين يعلو صراخهم عندما يصعب عليهم إستيعاب نظرية دارون "لتطور الأحياء". هذا إضافة الى ذالك يوجد عاملاً أخر يقوم و يؤدي نفس الغرض الذي يقود اليه العجزفي فهم المرحلة التأريخية و هو التسويف في العرض، ويستند على نفس المنهجية، سوى كان ذالك فيما يخص نظرية دارون او ما يخص المرحلة التاريخية في التطور الاجتماعي، كما هو جلي على سبيل المثال هو ما طرحه احد خُطباء المساجد عندما صور نظرية دارون بقوله "ان دارون يزعم ان قردةً كانت تحمل وليداً في احشاءها، وعند الولادة فإذ به انساناً كاملاً مكملاّ". لقد اختصر هذا الخطيب 600 مليون سنة بتسعة أشهر غير كاملة. ومع إني لم أكن يوماَ مدافعاَ عن هذه النظرية، بيد أن تسويفها يعتبر عملاً شنيعاً. ولذالك يُثار في هذه الحالة تساؤلاً حساساً، وسيبقى مفتوحاً و هو: هل ان ااصحاب هذه الانتقادات يتمنون حقاً ان يروا الحزب الشيوعي العراقي قوياً، فعالاً، مؤثراً في الساحة العراقية، وقد عقد تحالفاً مع تيار مليوني، هزَّ الحركة الاسلامية قاطبةً وخصوصاً الشيعية منها.
هذا التحالف لم يولد في ساحة التحرير كما يعتقد ولا في كواليس الاحزاب، بل كان نتاجاً منطقياً لخطابٍ متعاضدٍ، عمره هو عمر الصراع في الساحة العراقية، خطابً جوهره الأساسي هو الذود عن مصالح الكادحين ومحاربة الفساد والطائفية. أي بمعنى اخر أنه إنعكاساً لبرامج الحزب الشيوعي العراقي و توجهاته وهي إنعكاساَ ايضاَ الى خطب السيد الصدر التي كانت منهجاً واضحاً و شجاعاً. ولهذا و بما إنَّ هذا التحالف، ماهو الا إنعكاساً لمصالح الفقراء و الكادحين، لذالك بات ملزماً على الطرفين أن يتمسكا به ويسعيا بثبات من اجل تطويره ، وجعله نقطة جذب لكل لقوى العراقية الاخرى، التي تسعى بجديةٍ لإنقاذ العراق وبناء البديل الديمقراطي.
وهنا يبرز السؤال الأهم : ما و ماذا يجب على السيد الصدر أن يقدمه من اجل ان يختصر المسافات ويرسخ الثقة بمستقبل العراق و يعيد روح الكفاح الى ملاين العراقين التي إنكفئت وطمرها اليأس، والتي لا تجد جدوى من الكفاح، بسب التشد الديني و التضيق على الحريات الشخصية. ونبقى نحن ننتظر الإجابة على السوئل الأهم، فهي التي تقرر حجم تحالف سائرون في المعادلة العراقية القادمة وهي التي تعطي زخماً جماهيرياً من دون ريب.
ودعونا نتأمل بعمق التيار الصدري، فسنجده تياراً عريضاً اغلبيته الساحقة تنحدر من الفقراء والمسحوقين، من كادحي مدينة الصدر والشعلة، تياراً متحسساً لمعاناته الطبقية، يسير في طريق التبلور والتدرب على فنون الكفاح الطبقية، وهو في المنظور القريب سيكون رقماً صعباً وجمهوراً متمرساً في ساحات الكفاح الطبقي .
كما ان أهم ما يميز هذا التيار عن جماهير الاحزاب الاخرى، بأنه يرى في مقتدى الصدر مدافعاً ثابةً و شجاعاً عن حقوقه و تطلعاته، كما إنه تياراً غير قابل للانقسام والتشظي، كما هو معتاد في قواعد الاحزاب عندما تحدث انشقاقاتها، بل هو تيار متوحد و ملتف على قائده السيد الصدر ولا يهمه كثيراً بمن يأتي، ومن يروح.
اما الصدر شخصياً فهو القائد الجماهيري رقم واحد في الساحة العراقية، و لا نقصد في ذالك صناديق الإنتخابات. و كما أنه و بطبيعة الحال قائداً مؤهلاً و بلا شك في تزعم مرحلة الكفاح الوطني نحو دولة المواطنة، و التي في اكنافها تتحقق مصالح الكادحين. فسياسته و توجهاته الوطنية والطبقية مشهود لها دولياً وعربياً و قد اجبرت كافة القوى العراقية، سوى كانت كبيرة اوصغيرة على ان تُعيد حسابات، و بالخصوص ذالك الذي يتعلق بعراقية القرار و المواطنة و عبور الطائفية ونبذ المحاصصة، ولا حاجة للاسهاب فيها، بل يكفي "العجب العجاب" ومرارة التأويل.
ناهيك من أن الصدر لن يدخل للسياسة من شباك الحدث، كسياسيِّ الصدفة، التي إختنقت بهم مؤسسات الدولة وتربعوا على مصدر القرار في البرلمان العراقي. و بعبارة أُخرى، فانه دخل السياسة من اوسع ابوابها الرحبة، عائلة إرتبطت بالكفاح الوطني و مقارعة للدكتاتوريه الفاشية. ولم تكن هي التأكيد الوحيد على مصداقيته، بل أن إختياره لمعاونيه جسد مدى تقديره للتأريخ الكفاحي عند إختياره للعاملين معه، وعلى سبيل المثال للحصر معاونه الأول "عون النبي" فهو ايضاً من إسرة ذات مكانة دينية رفيعة في النجف الاشرف،وهي إسرة مشهود لها في ساحات الكفاح الوطني، فجدة السيد علي ا لنبي كان قائداً مرموقاً في ثورة العشرين في لواء المنتفج.
كما أنّهَ من المهم جداَ أنَّ نعرج أيضاًعلى الطرف الاخر والأهم، وهو الحزب الشيوعي العراقي و ندقق بما له وما عليه. و في الحقيقة ليس هناك غرابة ان ينال الحزب الشيوعي العراقي النصيب الاكبر من الإنتقادات حول سياساته التحالفية، فهذا امرضروري لحيوية الحركة و ديمومتها، بيد ان قلب الحقائق و التسويف يجعل الكفاح يفقد نشوته و النضال يصدء بريقه. ولو حاولنا توصيف حالة الحزب الشيوعي و منتقديه معاً، فإننا نجد أن التوصيف الاقرب لهذه الحالة هي "مطي فدعم و مطايا العشيرة" (المطي هو الحمار) "و الأمثلة تضرب ولا تقاس" : يقال أن أهالي قرية ما جمعوا حميرهم و سسيذهبوا بها الى البساتين لجلب صناديق التمور التي حصلوا عليها مقابل عمل رجالهم و نساءهم شهراً كاملاً في جني التمور. و عند العودة واثناء المسير الطويل، هدَّهد التعب الحمير و هي محملة بالاثقال، و توقفت اغلبها عن السير ،مما إضطرَّ المرافقون بنقل الأحمال من ظهورها ووضعها على ظهر حمار فدعم، و هو حمار قوي البنية، عالي القوائم ويدعوه بالشهري، وهكذا جرى مع كل الحمير التي تعبت، واصبح الحمل كله تقريباً على ظهر مطي فدعم ، حتى انه تعب و تثاقلت خطاه وصعب شهيقه ، اما الحمير الآخرى التي خف حملها و سهل جريها أخذت "تعنفص" أي تركض "بمرح". وعلى كل حال في منتصف الليل تقريباً وصلت القافلة الى القرية وكان المختار بأستقبالهم ،متسائلاً عن سبب التأخر ،فأجابوه : مطي فدعم تعب وراح يمشي على كيفه ، فذهب المختار يستفسر من فدعم، فقص فدعم عليه كل ما حدث ، فرجع المختار للجماعة وقال لهم!"عمي لا تعنفصون ترى الحمل شاله بس مطي فدعم"
ويعتبر تراث الحزب الشيوعي العراقي ملك للشعب العراقية وكادحيه وهو بوصلة لكل الوطنين الذي يسعون الى بناء عراق ديمقراطي حر. وما هذ الا جزءاً يسيرا مما له اما ما عليه فهو، مهمة صعبة على كل حال. و لكي يتكافئ الحزب الشيوعي العراقي مع حليفاً مليونياَ، كان يجب و إلزاماً عليه أن يكون حزباً قوياً، موحداً، متماسكاَ، قادراً على حفظ اسراره ، غير مخترقاً ويملك قراره، ولذالك فأن من البدهي أن أعضاء لجنته المركزية لايحق لهم العمل لدى قوى سياسية اخرى، و لهذا صلة بموضوع جدير بالإشارة، وهو أن تحالف سائرون قد جاء بمبادرة من السيد الصدر، على ما يبدو، و إنه على الأرجح كان اقتراحاً من مستشاره السياسي، والذي كان المفروض أن يطرحهاعلى لجنته المركزية تحديداً.
كما أن على الحزب أن ينهي الشخصنة وخصوصاً في التحالفات، التي هي ظاهرة واضحة للاعيان. ويعرفوا الشيوعيون العراقيون جيداً مدى خطورة الشخصنة، وما هي مدلولاتها المستقبلية. والسؤال المطروح ماهو مصير الحزب لو ان هذا الرفيق إختار العمل كمستشار على عمله في الحزب الشيوعي؟. و تعتبر سلوكيات أعضاء الجنة المركزية ذات أهمية و قيمة في العمل الجماهيري، فانه من المعيب ان لا تقدر المناضلين، فأن تكون مؤمناً مع المؤمنين وراقصاً مع الراقصين، يعتبر في احسن الاحوال سلوكاً إنتهازياً شنيعاً.
و دمتم جميعاً