التعليم الفلسفي عند كانط

عماد الحسناوي
2018 / 2 / 8

"إن التلميذ الذي أنهى التعليم المدرسي يكون قد تعود على التعلم. أما الآن فهو يعتقد أنه سيتعلم الفلسفة، في حين أن ذلك أمر مستحيل، إذ ينبغي عليه من الآن أن يتعلم التفلسف" كانـــــط

يلاحظ كانط أنه لكي "تحفظ" الفلسفة وتنطبع في الذاكرة أو الذهن لا بد أن توجد أولا وجودا عينيا وبصورة تجعلنا نستطيع أن نقرر ما يلي: "… إن هذا علم ومعارف يقينية، تدربوا على فهمه واحفظوه ثم ابنوا عليه فيما بعد، وستصبحون فلاسفة".
بمعنى آخر إن "الفلسفة لا تعلم" لأنها ليست علما بعد، كما سيقةل هوسرل؛ فقد "كان يحلو لكانط القول إننا لا نستطيع أن نتعلم الفلسفة وإنما فقط التفلسف. وهذا إن كان يعني شيئا، فهو الإقرار بالطابع اللاعلمي للفلسفة، فبقدر ما يكون العلم علما حقيقيا، بقدر ما نستطييع تعليمه وتعلمه، وهذا ينطبق على جميع المجالات".

لقد كان كانط مدرسا يعرف ما عليه وما ينبغي أن يعمله لتلامذته. لهذا فبدل أن يقدم لهم عقلا جاهزا، كان همه الأول أن يثير لديهم فعالية الروح النقدية.
في قسم الفلسفة لا يتعلم التلاميذ الأفكار، لأن تلك الأفكار تأتي في غير أوانها فتقلص حركة الفكر بدل أن توقظه وتحرره. يقول كانط: "ينبغي أن يذهب التلاميذ إلى المدرسة، لا ليتعلموا الأفكار هناك، ولكن ليتعلموا التفكير والسلوك".
يعتقد التلميذ الذي يلج الجامعة أنه سيتعلم "الفلسفة"، وهذا أمر مستحيل، لأن ما يتوجب تعلمه آنذاك هو التفلسف. وتأكيدات كانط بهذا الشأن متعددة ومتكررة في جميع مؤلفاته النقدية: "لا يمكننا تعلم الفلسفة لأنها لم توجد بعد…"، "ما الفلسفة إلا مجرد فكرة لعلم ممكن.."، "لا يمكن للمرء لحد الآن تعلم أية فلسفة، إذ أين هي؟ ومن يمتلكها وأية علامة تدل عليها؟".

ان من يعتقد في تعليم الفلسفة هو بالتأكيد من لم يفهم ماهيتها؛ لأنه بذلك يعتبرها علما قائما بذاته، في حين أنه من "الادعاء أن يسمي المرء نفسه فيلسوفا وأن يزعم أنه وصل إللا مضاهاة النموذج الذي لا وجود له إلا وجود فكرة".

لا وجود إذن للفلسفة ولا للفيلسوف إلا وجود "فكرة: أو "نموذج". لكن ماذا يتبقى تحت اسم "الفلسفة" في هذه الحالة؟ ثم ماذا نفعل بركام المعارف المحشورة داخل ما يطلق عليه "تاريخ الفلسفة"؟

من المفيد هنا الرجوع إلى التمييز الذي أحدثه كانط داخل المعرفة، بين المعرفة التاريخية والمعرفة العقلية، من حيث إن الأولى معرفىة بالتواريخ (cognitio ex datis) والثانية معرفة بالمبادئ (cognitio ex principüs)؛ فإذا افترضنا وجود الفلسفة وجودا عيانيا وفعليا، فإنه ما من أحد من الذين يلمون بها يمكنه أن يتسمى فيلسوفا، لأن معرفته بها ستظل ذاتيا تاريخية، ما دام لا يعرف شيئا غير ما سبق أن أعطي له في مكان آخر، سواء كان تحصيله قد تم بواسطة التجربة المباشرة أو عن طريق الحكاية أو حتى بواسطة التعليم. ومعنى ذلك أن عملية التعليم هنا لا تتعدى الإلمام الخارجي بنتاج فكري معطى، لا تغير عملية الاستيعاب من خارجيته شيئا، حيث تظل تلك المعرفة "تاريخية" يتم تلقيها من الخارج بدل أن "تصدر من العقل" ذاته.

يمثل كانط لهذا التقابل بين "التاريخي" و"العقلي"، أي المعرفة كركام من الحقائق تنتشر وتدعم بـ"التقليد"، والعمل الفلسفي كمجهود شاق واكتشاف "اصيل"، بشخص حفظ نسقا فلسفيا، وليكن نسق الفيلسوف فولف Wolf. إن مثل هذا الشخص قد ملأ رأسه بكل المبادئ والتعريفات والبراهين إضافة إلى جميع أقسام المذهب، بحيث يكون بمقدوره أن يعد على أصابعه كل الأجزاء. مثل هذا الشخص لا يمتلك مع ذلك سوى معرفة تاريخية شاملة بفلسفة فولف، ولن يعرف إلا ما قدم له ولن يحكم إلا من خلاله؛ فلو عارضته بصدد تعريف من التعريفات، فإنه لن يعرف أين يجد تعريفا آخر؛ إذ أنه تكون من خلال عقل خارجي. لكن القدرة على التقليد هي غير القدرة على الاكتشاف، ومعنى ذلك أن المعرفة لم تحصل لديه عن طريق العقل، فرغم كونها معرفة عقلية موضوعية فإنه مع ذلك لا تعدو أن تكون معرفة تاريخية ذاتيا.

مثل هذا الشخص لم يتعلم الفلسفة، بل أجاد الفهم والحفظ فكان بذلك يجسد الغياب الحقيقي للإنسان الحي. إن المعرفة التاريخية قد تصبح -في ظروف معينة- أداة للجريمة في مجال التربية.

ليست الفلسفة إذن حقيقة واقعية قائمة بذاتها، مثلها مثل العلم، حاضرة في مجال معطى مباشرة؛ وإنما هي ممارسة فكرية وعمل متميز يسميه كانط: التفلسف.

ب - "إننا نتعلم التفلسف":

يؤكد كانط أن التفلسف يمكن تعلمه من خلال ترويض واستخدام عقلنا بأنفسنا. فإذا كنا نجد في الفلسفة. كل مفكر يقيم نتاجه على أنقاض نتاج الغير، بحيث يبدو تاريخ الفلسفة، تاريخ خلاف ومناقضة، فإن التفلسف الذي يسري باستمرار عبر أكثر الفلسفات تعارضا واختلافا، هو الذي يؤسس وحدة وخصوصية الفكر الفلسفي كمادة قابلة للتعلم.

إن من لا يقوى على التفلسف ليس جديرا بأن يسمى فيلسوفا. إذ من الواجب على الفيلسوف أن يقوم بستخدام عقله بصورة حرة وشخصية، بحيث يفكر بذاته فلا يكون مقلدا لغيره بصورة حرفية كما يجب عليه أن يتجنب استخدام عقله بصورة جدلية، فلا يتوخى من معرفته الحقيقة وظاهر الحكمة، وإلا كان مجرد سفسطائي، الأمر الذي لا يليق بكرامة الفيلسوف الذي يعرف الحكمة ويعملها.

إن من يعلم التفلسف لا "يلقن" تلامذته الأفكار المطلقة ولا يقوم مقام الوصي على عقلوهم. بل يرشدهم إلى طرق العمل والتفكير الشخصي، بحيث لا يكون التراث الفلسفي أمامه إلا كتظاهرة من تظاهرات "استخدام العقل، وبمثابة موضوعات لترويض الموهبة الفلسفية".

لكن كيف يمكن ترويض الموهبة الفلسفية؟ ما هو المسار الذي من خلاله يتحقق فعل التفلسف؟ إن التلميذ الذي يدرس التاريخ ينتهي في مرحلة أولى من الدراسة إلى تحصيل جملة من المعارف التاريخية، فيستطيع مثلا أن يقرر تاريخ ثورة من الثورات وأسماء الفاعلين المباشرين فيها وأسبابها الاقتصادية والاجتماعية، لكن ما الذي يتم تحصيله في مادة الفلسفة، تحت اسم التفلسف؟

غالبا ما يقال إن التفلسف هو تعلم التفكير، لكن ما هي -في الواقع- مستويات هذا التفكير؟ وبالتالي أين يتجلى فعل التفلسف؟ يطرح هذا المشكل، على المستوى البيداغوجي، إحراجات متعددة، خاصة بالنسبة للتلميذ المجتهد، الذي يصاب بالخيبة لما يجد نفسه قادر على التباهي بامتلاك معرفة وضعية يمكنه الاعتماد عليها واستثمارها في حالة وقوع مناقشة أو أثناء الاختبار.

يمكن مقاربة الأسئلة أعلاه بالتوقف عند أربع عمليات عقلية تعتبر محايثة لكل تفكير فلسفي، هي استعمال المفاهيم وصياغة الإشكالات وعمليات الحجاج والبناء النسقي.

- استعمال المفاهيم:

للتفلسف لا بد أولا من استعمال المفاهيم. يقول كانط: "ليس التفكير في موضوع ما، ومعرفة ذلك الموضوع شيئا واحدا. إن المعرفة تفترض في الواقع عنصرين: أولهما المفهوم الذي بواسطته يتم التفكير في الموضوع، ثم الحدس الذي بواسطته يقدم الموضوع..".

يميز كانط، في الاستعمال الفلسفي للمفاهيم، بين طريقتين؛ الأولى يسميها تحليلية المفاهيم Analytique des concepts والثانية تحليل المفاهيم ذاتها Analyse des concepts eux-mêmes. وإذا كانت طريقة تحليل المفاهيم منهجا متبعا في البحوث الفلسفية، يعتمد تفكيك المفاهيم حسب مضمونها، طلبا للوضوح، فإن تحليلية المفاهيم، على العكس من ذلك، هي محاولة لتفكيك قدرة الفهم ذاتها لمعرفة إمكانية وجود قبلي للمفاهيم. وهذه الطريقة نادرة، إن لم تكن منعدمة، في تاريخ الفلسفة، حسب راي كانط.

لا يكون التفكير إذن ممكنا إلا بالمفاهيم. لكن ينبغي أن ننتبه، مرة أخرى، إلى أن الاهتمام بالمفهوم هو غير الاهتمام بالفكرة أو المثال المجرد. فالأفكار تحيل دوما إلى حقائق أو نماذج ثابتة، فالمثل عند أفلاطون "نماذج للأشياء ذاتها، وليست مجرد مفاتيح لتجارب ممكنة، مثل المقولات".

إن الأفكار تتجاوز المفاهيم التي يشتغل بها العقل أثناء التفكير، لذلك سيميز كانط بين المفهوم والفكرة. فالمفهوم منتوج للفهم، فهو بذلك يمثل معرفة لحدوده، أو لنقل إنه إمكانية للمعرفة، أما الفكرة فتعتبر منتوجا للعقل وتمثل كيانا غير مشروط للمعرفة.

-الصياغة الإشكالية:

ترتبط الصياغة الإشكالية بوضع الأحكام. فالحكم الإشكالي هو الذي يكون مجاله "الإمكان: فقط. يقول كانط: "الأحكام الإشكالية هي تلك التي يكون إثباتها أو نفيها ممكنا فقط"، و"القضية الإشكالية هي إذن تلك التي لا تعبر سوى عن إمكانية منطقية"

وتمثل الصياغة الإشكالية تلك العملية التي من خلالها يتم فتح آفاق متعددة أمام التفكير، أي آفاق "الممكن"، إذ بدون تعدد إمكانيات الحكم يتوقف التفكير ويموت.

يعيش الفكر -حسب كانط- ثلاث لحظات أساسية، تتناسب مع لحظة التفلسف ولحظة العلم التجريبي ولحظة العلم الرياضي. هذه اللحظات هي بالترتيب، كما يلي: اللحظة الإشكالية ثم اللحظة الواقعية فاللحظة الضرورية.

بهذا الاعتبار تكون اللحظة الإشكالية هي لحظة التفلسف بامتياز.

-الحجاج:

تختلف الفلسفة عن الرياضيات على مستوى المبادئ، فمبادئ الرياضيات هي "كبادئ حدسية"، في حين أن المبادئ الفلسفية هي "كبادئ نظرية". وإذا كانت المبادئ الرياضية تستند إلى بديهيات "أي مبادئ تركيبية قبلية ويقينية بشكل مباشر"، الأمر الذي يجعل من الرياضيات علما برهانيا، فإن الفلسفة ليس لها بديهييات، وليس لها الحق في أن تفترض القبلية على نحو مطلق، بل عليها فقط أن تجتهد لحل إشكالاتها عن طريق استنباط عميق.

ليس في الفلسفة إذن براهين، ما دام من غير الممكن وضع تعريفات أو إيجاد بديهيات. ولهذا السبب ميز كانط بين الدليل الفلسفي والبرهان الرياضي والحجة التجريبية. فإذا سلمنا بأن "الدليل اليقيني، بما هو حدسي، هو وحده الذي يمكن أن يسمى برهانا" فإن الحجة التجريبية لا تشكل برهانا، لأن المعرفة التجريبية مهما كان نوعها لا تتصف بالضرورة. كما أنه إذا سلمنا بأن اليقين الحدسي لا يمكن أن ينتج عن مفاهيم قبلية مهما كانت ضرورية، ترتب عن ذلك أنه لا برهان إلا برهان الرياضيات، بما هي علم يستنبط معارفه من إنشاء المفاهيم عيانيا، وهو ما لا يمكن القيام به في الفلسفة بحكم أنها معرفة بتوسط تحليل المفاهيم.

وعلى ذلك يؤكد كانط: "أن الدليل اليقيني وحده، بما هو حدس، يمكن تسميته برهانا.. وسأطلق كذلك على الأدلة الفلسفية اسم الحجج السماعية لأنها لا يمكن أن توجد إلا بألفاظ بسيطة، وذلك بدل تسميتها براهين، لأن هذه -وكما تشير العبارة- تدخل في حدس الموضوع".

من هنا تمييزه كذلك بين التعريف، الذي لا يكون إلا في الرياضيات والوصف أو التفسير، الذي نجده في العلوم التجريبية، ثم العرض الفلسفي. مما يجعل بنية الحجاج الفلسفي في تقابل مع بنية البرهان الرياضي.

في الفلسفة إذن لا توجد براهين، وبالتالي لا توجد تعريفات، لكن توجد الحجة والعرض. والحجة ليست دليلا على القضية، بل هي فقط توضحها وتغذيها وتبرز شبكة تطبيقاتها وأوجهها المختلفة.

-النسقية:

للعقل المحض عند كانط معمار؛ ولفظ المعمار يعني فن إنشاء الأنساق. والوحدة النسقية هي ما يجمع ويربط ركام المعارف بحيث تتحول إلى نظرية في العلم، وبذلك تكون النسقية جزءا من الميتودولوجيا.

لكن بأي معنى يكون للفلسفة معمار أو وحدة لمعارف مختلفة؟ كيف يمكن التنسيق بين معارف مختلفة؟ أية قوة هاته التي توحد وتنظم المختلف؟

إن التشتت والتفكك في المعارف أمر لا يليق بالعقل الذي له أفكار وغايات. وحسب كانط تسعى الفلسفة، كمجهود وكفعل نظري إلى تنسيق المعارف المتداولة في إطار وحدة وحدة أو نسق متكامل يكون بمقدوره أن يدعم غايات العقل الأساسية. فوحدة الغاية تشكل القوة التي تربط الأفكار الجزئية وتخضعها لفكرة واحدة هي صورة وغاية الكل: "إن المفهوم العقلي العلمي يتضمن غاية وصورة الكل الذي ينسجم مع الفكرة. إن وحدة الغاية التي ترتبط بها كل الأجزاء، في نفس الوقت الذي ترتبط فيما بينها داخل فكرة هذه الغاية، تجعل من المستبعد أن يغيب عنصر ما دون أن يتم الشعور بغيابه..

يميز كانط بين مفهومين للفلسفة: المفهوم المدرسي (= السكولاني) والمفهوم الكوني. حسب المفهوم الأول، ليست الفلسفة سوى نسق للمعرفة. وهو نسق مطلوب لذاته، دون هدف آخر غير تلك الوحدة النسقية للعلم، وبالتالي فغايته تحقيق الكمال المنطقي للمعرفة. أما بحسب المفهوم الكوني فالفلسفة هي العلم بالعلاقات بين جميع المعارف والغايات الأساسية للعقل الإنساني؛ والفيلسوف حسب هذا المعنى، ليس فنان العقل بل المشرع له.

إن الفلسفة بالمعنى الكوني هي تنظيم نسقي للمبادئ العليا لاستخدام العقل، تلك المبادئ التي يتم بموجبها الاختيار بين غايات مختلفة. وبهذا الاعتبار تكون الفلسفة هي العلم الوحيد الذي نحصل بواسطته على ذلك الرضى الباطن، لأنها تقفل الدائرة العلمية تقريبا، ولأنها تزود العلوم بالنظام والترتيب.