الرواية التاريخية --حمام العين- عزام توفيق أبو السعود

رائد الحواري
2018 / 2 / 8

الرواية التاريخية
""حمام العين"
عزام توفيق أبو السعود
هناك أهمية خاصة للتاريخ عند الفلسطيني، لأنه مهدد جغرافيا ومكانيا وإنسانيا ووطنيا، فهناك هجمة صهيونية تعمل على إلغاء هويته الوطنية والقومية، بحيث لا يكون هناك أي شيء يسمى فلسطيني، إن كان متعلق بالإنسان والاجتماعي أو بالمكان والجغرافيا، من هنا نجد تهويد الاماكن الفلسطينية من خلال اعطاءها أسماء صهيونية.
وهناك رواية صهيونية تقول أن الفلسطيني كان متخلف في كل شيء قبل أن قدوم (الهجرة اليهودية) التي عملت على رفع وتطوير الحياة فيها، لكن الواقع غير هذا تماما، فلسطين كانت من أهم المناطق المتطور اقتصاديا ـ زراعة صناعة تجارة ـ واجتماعيا ـ التنوع والتعدد ـ وثقافيا معرفة وأدب وفنون ـ كل هذا جعل الفلسطيني شعب متنور ويعي ما يحاك له من قبل المحتل الانجليزي والهجرة الصهيونية، من هنا نجد الفلسطيني توحد مع اخوته ليدافعوا عن الوطن بصرف النظر عن المعتقد الديني، وهذا ما كان، فقد توحد العامل والفلاح والصانع والتاجر والمهني ورجل الدين في رفع الظلم عن فلسطين وأهلها.
في هذه الرواية يقدم لنا الراوي صورة فلسطين في العقد الثالث من القرن العشرين، فيقدم لنا مشاهد مشرقة من الحياة الاجتماعية التي تؤكد على اجتماعية الفلسطيني، فنجد عائلة الدكتور "فؤاد" تعمل جاهدة على مقاومة المحتل الانجليزي ومدافعة وبشراسة عن الأرض والإنسان الفلسطيني، وفي الجهة المقابلة نجد رجال الدين "أمين الحسيني، الشيخ الشامي، الشيخ محمد" يقوم كل شخص منهم بالعمل ضمن اختصاصه في تقوية ورفع شكل المقاومة، إن كانت على الصعيد التدريب والتوجيه العسكري أو الدعم المالي.
لقد تناول الراوي حالة النزاع بين عائلة النشاشيبي والحسيني بشكل سريع، وهذا يحسب له، وكأنه بهذا المرور العابر اراد أن يؤكد بأن الفلسطيني كان يعي خطورة الوضع الذي هو فيه مما جعله يتجاوز الخلافات العائلة ليتوحد في مواجهة المحتل والهجرة الصهيونية.
الحياة الاجتماعية
يقدم لنا الراوي مشاهد تؤكد على فلسطين قبل الاحتلالين، الانجليزي والإسرائيلي كانت تنعم بالحياة الثقافية، وهذا ما أكده لنا من خلال هذا المشهد: "...بأن هناك عائلة مسيحية في الرملة تنوي الهجرة إلى أمريكيا، ولديها بيانو ترغب في بيعه.... كان وصول البيانو، وهو في حالة ممتازة حدثا كبيرا في حياة جيهان" ص 45، الأهم في هذا المقطع أن الفلسطيني في ثلاثينيات القرن الماضي كان يهتم بالآلات الموسيقية ويتعامل معها، وهذا يشير إلى حالة الترف والرقي التي وصل إليها.
لكن هل كان الفلسطيني يقتني التكنولوجيا الموسيقية فقط، أم كان متذوق للفن أيضا؟، يجيبنا الراوي على هذا السؤال من خلال "...أخبرهم بأنه يدعو الدكتور فؤاد وأم صبري وزوجته وجيهان للذهاب إلى يافا وحضور حفلة عبد الوهاب، أخبرهم أن عبد الوهاب جاء ومعه تخته الشرقي المكون من 15 عازفا ليغني في يافا" ص75، لهذا نقول أن فلسطين كانت عامرة بالحياة قبل قيام دولة الاحتلال، وكل ما يبثه المحتل من معلومات على أننا لم نكن نعرف الحياة العصرية هو تشويه للواقع وللحقيقة.
وما يحسب لهذه الرواية أنها قدمت لنا العلاقة الاجتماعية في حالتها الطبيعية، فنجد "علي" يتزوج من "جيهان" وكلاهما من بيئة مختلفة، من واقع اجتماعي مغايرة، وهذا الزواج يؤكد على الوحدة الاجتماعية التي تجمع الفلسطيني، "علي" الفلاح المطارد والمطلوب من قبل المحتل الانجليزي تقبل به "جيهان" زوجا لها كتأكيد على مساهمة المرأة الفلسطينية في النضال ضد المحتل والهجرة الصهيونية. ف"جيهان" رفضت الزواج ب "هنري" الضابط الانجليزي لأنه يمثل الاحتلال، متجاوزة المصلحة الشخصية حيث أن "هنري" سيوفر لها كل متطلبات الحياة وما فيها الرفاهية، على النقيض من "علي" المطارد والمطلوب والمشرد، ومع هذا تختار هذا الفلسطيني بكل ما فيه على ذلك المترف الذي ينتمي للطرف المعادي.
المرأة والشباب
دائما الحديث عن المرأة يعطي شيء من النعومة والهدوء للقارئ، فرغم قسوة الاحداث إلا أن تناول الراوي للمرأة خلق جوي من الفرح وخفف من حالة التوتر والعنف، فقدم لنا الراوي صورة زاهية "للمرأة الفلسطينية، من خلال "أم محمود" وجيهان، لكن "جيهان" الفتاة العاشقة كانت أبهى وأجمل، وكأن الراوي بهذا التناول أراد يؤكد بأن الدور والمستقبل لهؤلاء الشباب وليس للشيوخ، وهذا ما أكده عندما جعل "أبو محمود" يستشهد عندما أطلق الرصاص على الضابط الانجليزي، بينما جعل "علي" يطلق الرصاص فيقتل جندي انجليزي ويصيب آخر في رأسه ثم ينجح في الهرب، وكأنه بهذا الفعل يعكس فكرة حيوية الشباب ودورهم الفاعل في النضال ضد المحتل، على النقيض من الشيوخ الذي نستمد منهم الخبرة والطاقة لكنهم لا يستطيعوا أن يكونوا بحيوية وفاعلية ونشاط الشباب.
يقدم الراوي " جيهان" بهذه الصورة: "...كان الحديث يجري عن قيام الانجليز بتسليح اليهود، وقيامهم باعتقال أي عربي وربما الحكم عليه بإعدامه إذا ضبط معه سلاح أو حتى رصاصة، في تينك المناسبتين بدت نظرات جيهان مختلفة.. ليس فيها أي ود، وعندما تحدث صبري مع هنري حول موضوع أرض أبي محمود كان يبدو أن جيهان لا تطيق النظر إلى وجه هنري، لم تبتسم له أبدا، كان العبوس غالبا على وجهها، بل رفضت أن يعزفا على البيانو ذلك اليوم" ص73، بهذا الصورة يؤكد لنا الراوي أن المرأة الفلسطينية تتفاعل مع الأحداث، وأنها لا تبحث عن مصلحتها الشخصية، بل هي جزء من مجتمع يخضع لاحتلال وعليها أن تقوم بدورها في مواجهة المحتل.
معاناة الفلسطيني
هناك ظلم كبير وقع على الفلسطيني إن كان من قبل الأتراك أو الانجليز أو النظام الأردني أو دولة الاحتلال بكافة، فكل الحكومات التي حكمت فلسطين لم تكن منصفة للشعب الفلسطيني، وعملت على إحداث خلل شامل في كافة نواحي الحياة الفلسطينية، الانجليز كان لهم الدور الأكبر في خلق دولة الاحتلال واضعاف المجتمع الفلسطيني، من خلال اعمال البطش والتنكيل التي مارسوها، وتكاد أن تكون مأساة الفلسطيني واحدة في العهود الأربعة التي تواكبت عليه، فنجد هدم المنازل، والقتل، وتشريد الأسرة وتهجيرها، بحيث يكون الأبن في منطقة والأب في أخرى، والزوجة في مكان أخر، ولا يستطيعوا التلاقي معا، بسبب مطاردة المحتل/الحكومة لهم، هذا حال الفلسطيني منذ (الفسر بريك) إلى الآن، "...لكنه عاد ليسأل عن أحوال خربة مبروك... عن أبيه وكيف وأين دفن، حاول ضبط أعصابه ولكنه عاد للبكاء عندما عرف بأن بيتهم قد هدم أيضا" ص106، هذا حال "علي" الذي قتل أبوه أمامه، وبعد أن هرب إلى شرق النهر، عرف ما حل ببيته وأسرته، فالأخ الأكبر "محمود" معتقل عند الانجليز، والأم أصبحت بلا منزل، وهو مطارد ومطلوب للمحتل. هكذا هو حال الفلسطيني في العهد الانجليزي.
وهندما يطلب "علي" يد "جيهان" من الدكتور "فؤاد" نجده أمام هذا الواقع: "...أين ستعيش جيهان وأنت مطارد، وتغيب بعض الأيام لتعمل أشياء لا أعرف ماهي، ولكنها تعرض حياتك للخطر" ص130، إذن حتى الزواج بالنسبة للفلسطيني يعد مشكله، فالزوج مطارد، والزواج تحتاج إلى الاستقرار، وهذا ما يحصل مع الفلسطيني الآن، فهناك العديد من الأزواج لا يستطيعون جمل شمل أسرتهم بسبب وجود كل شخص في دولة، ولعدم سماح تلك الدول لهؤلاء الأزواج باللقاء معا لعدم وجود جواز سفر أو لعدم الاعتراف بهذا الجواز، وكأن الفلسطيني مكتوب عليه أن يعيش دون الشعوب الأخرى بهذه الطريقة.
وبعد أن يتم زواج "علي" من جيهان" نجد "أم محمود" أم العريس والتي من المفترض أن تفرح بهذا العرس نجد حالتها بهذا الشكل: "خلطت ابتسامتها وضحكتها وزغرودتها بحزن دفين وحسرة على زوج شهيد، وابن سجين وابن آخر مطارد يتزوج سرا، بعيدا عن قريته وربعه وأهله" ص137، هذا حال الفلسطيني، فهل هناك شعب يعيش مثل هذه الظروف سواه؟.
الانجليز
غالبا ما يقدم الانجليزي في الأدب العربي والفلسطيني بصورة سلبية، وفي هذه الرواية نجده يمثل المحتل الذي يمارس البطش والقمع، فها هم يعملون على ضرب الحركة القومية العربية من خلال هذا الأمر: "...يرى الانجليز في مصر، وهنا في فلسطين، بدأوا يضيقون ذراعا بنمو الحركة الوطنية القومية، ويرون خطر التيارات القومية على مخططاتهم الاستعمارية، لذلك فأنه يرى أن الانجليز ربما يدعمون تيار الاخوان المسلمين، لأنه تيار ديني، الانجليز يريدون أن يحاربوا الحركة القومية بالحركة الدينية، ليجعلونا ننقسم أكثر على أنفسنا ونلتهي بصراعاتنا" ص100، وهذا ما كان فعليا، التيار الديني معادي وبشراسة للتيار الوطني والقومي، وهذا العداء ما زال مستمرا رغم مرور كل هذه السنوات المريرة.
وإذا ما أضفنا أعمال القمع التي مارسها الانجليز على الشعوب العربية يتأكد لنا دورهم السلبي فيما آلت إليه أحولنا.
الرمز

رغم أن الرواية تتحدث عن حدث واقعي وتاريخي، إلا أن الراوي قدم لنا مشهد فيه من الرمز أكثر من الواقع والذي جاء بهذا الشكل: "أما الجندي الثالث الذي تلقى ضربة بكعب البندقية، فكان يحاول النهوض بكل قوته عن الأرض، مشى خطوتين لكنه ترنح وسقط الأرض بعد أن داست قدمه طاولة الزهر التي تهشمت وعلقت ب "بسطار" الجندي" ص79، "طاولة الزهر" كانت وسيلة التسلية عند اسرة "أبو محمود" وها وهو الجندي المترنح يدوسها ويحطمها، بمعنى أنه حطم وسيلة الترفيه عند الفلسطيني، أي أن المحتل الانجليزي وجوده يعني إزالة الفرح والسعادة من الفلسطيني.
الاخطاء
هناك اخطاء في الحبكة جاءت غالبيتها في بداية الرواية، وذلك عندما قدم لنا الراوي صورة هزيلة لليهودي "كوهين" الذي يعمل على شراء أرض "أبو محمود" فنجد "كوهين" يقدم سعر للأرض بشكل متسرعة ويرفعه باستمرار: "ـ سندفع لك خمسين جنيها لكل دنم...
ـ سنعطيك سبعين جنيهن للدونم الواحد..
ـ سندفع لك مائة جنيه..
سيدفع مائة وخمسين جنيها في الدونم" ص16و17، اعتقد بأن هذا الأمر مبالغ فيه، حتى لو كان كوهين" مصر على شراء الأرض، فقد كان من المفترض أن يظهره لنا الراوي بطريقة أكثر حنكة ليرفع من مكانة "أبو محمود" أكثر، لكن بهذه الصورة الهزيلة بين لنا أن "كوهين" شخصية ضعيفة وغير محنكة.
والراوي لم يكتفي بهذا الأمر بل نجد "كوهين" بهذه الحال عندما قام "أبو محمود" بضربه بالعصا التي بيده: "وكان الخواجا قد بلل بنطال بدلته السوداء بعد أن بال على نفسه من شدة الخوف" ص18، أيضا هذه الصورة غير واقعيه ولا تنسجم مع الواقع، فكان الأجدر بالراوي أن يقدم لنا "كوهين" بطريقة مغايرة، وليس بهذه الصورة الهزيلة.
الرواية من منشورات الملتقى الفكري العربي، مؤسسة أمرزيان، القدس، الطبعة الأولى 2009.