شذرات من حكايتي مع الأدب والفن

مصطفى مجدي الجمال
2018 / 2 / 7

كلما وجدتني مرهقًا بدنيًا أو ذهنيًا.. ناهيك عن "نفسيًا".. ألتجئ إلى الذكريات.. وأتأمل الآن بتعمق في نظرة الكثيرين إليَّ كشخص منغمس في السياسة والفكر حتى أذنيه.. وكإنسان مهموم أيضًا بأسرتي الصغيرة وإخوتي وأصدقائي.. لكن علاقتي بالفن والأدب لا يعلم عنها الكثيرون..

في طفولتي الباكرة اندهش أبي رحمه الله لحبي وشغفي بالموسيقى والغناء السوداني.. وكان يضبطني متعجبًا وأنا أحول المؤشر كثيرًا إلى إذاعة "ركن السودان".. كان الإيقاع والنغم السوداني (الذي أظن أنه يولف بين الشرقي والهندي والأفريقي) يُخرج من داخلي شجنًا راقصًا تهتز له مشاعري وجسدي.. استمر هذا الشغف معي طويلاً.. وكنت أحب بشكل خاص أغنية "القمر بوبا".. وحفظت أسماء المطربين السودانيين، وخاصة أحمد المصطفى بصوته الحنون المتمكن والنافذ إلى أغوار النفس مباشرة..

وأذكر أن مُعلمة الموسيقى في مدرسة الشرباصي الابتدائية بدمياط طاردتني- بمعنى الكلمة) كي تعلمني البيانو (وكان بالمدرسة بيانو فخم) بعد أن استمعت إلى عزفي التلقائي خلسة حينما دخلت مسرح المدرسة وحدي واسترقتُ دقائق من العزف العشوائي.. لكن الأمر العجيب أنني تهربت منها لأنني لم تعجبني طريقة تدريس الموسيقى (تافاتيتي تاتي تاتي تا..!!).. كما أنني كنت مجنونًا بمعنى الكلمة بفنين آخرين هما السينما وكرة القدم.. نعم تعاملت منذ صغري مع كرة القدم كفن..

ورغم أنني كنت متفوقًا دراسيًا (الأول دائمًا) إلا أنني كنت أستأذن من الحصص الدراسية بحجة كاذبة هي أنني مطلوب في فريق الكشافة أو "القسم المخصوص" الذي كان يتدرب على الاستعراضات الرياضية.. وأستغل الوقت في مباريات الكرة بفناء المدرسة أو حتى خارج السور.. وقد حدث مرة أن جاء أبي للمدرسة لسبب ما ورأيته وأنا ألعب بجوار سور المدرسة فقفزت سريعًا وطِرت إلى الفصل..

أما السينما فقد كنت مدمنًا للأفلام، وكنت أستغل معرفة أصحاب السينما لوالدي (مدير أعمال المياه بالمحافظة) لأدخل مجانًا (كانت تذكرة الترسو بثلاثة قروش).. وقد عاقبني أبي عقابًا طريفًا أقلعت بعدها عن هذه المغامرة..

وقد عدت إلى ارتياد السينما في المنصورة (موطني) حيث كانت تذاكر حفلة 9 صباح الجمعة بسينما أوبرا تُوزع في المدارس بسعر 9 مليمات.. فنأخذ التذكرة ومعها "باستلياية".. وبعد ذلك عرفنا سينما "التحرير" الصيفية التي كانت تعرض أحدث الأفلام الأجنبية وأكثر تقدمية.. مثل فيم "زد"...

ولي مع التمثيل حكاية أخرى.. فقد رأى المدرسون أنني أجيد إلقاء الشعر بنطق سليم ومعبر وصوت جهوري.. وأذكر أن عمري كان عشر سنوات حينما قررت المدرسة أن تُسند إلىّ دور عمر بن الخطاب في مسرحية تتناول إسلامه (نعم كان من الممكن وقتها تجسيد الصحابة).. وأحضرت المدرسة مخرجًا دمياطيًا يعمل ببرامج الأطفال في التليفزيون (... أبو يوسف).. ورغم إعجاب المخرج بأدائي إلا أنه قرر تغيير دوري من عمر بن الخطاب إلى الصحابي خباب بن الأرتل.. وقال إن حجمي صغير لا يلائم شخصية عمر وأسند الدور إلى زميل آخر طويل جدًا..

وفي يوم العرض الافتتاحي.. حينما دلفت إلى المسرح فوجئت بعدد هائل من الجمهور.. مجرد رؤوس كثيرة جدًا في ظلام دامس، وتحت مستوى قدميّ.. وعدد هائل من العيون يبرق نحوي.. ووجدت أمامي مباشرة المحافظ (اللواء محمود طلعت) وبجواره ابن خالة والدتي زكريا الشامي سكرتير المحافظة.. وخلفهما مباشرة أبي رحمه الله.. انعقد لساني لثوانٍ في هذه المواجهة الرهيبة التي لم تسبق لي.. وأنقذني صوت المخرج من وراء الكواليس بالجملة الأولى فرفعت رأسي وانطلقت في الأداء.. وحينما عدت للبيت سمعت أبي يقول لأمي رحمها الله (وكان لا بد أن تبقى بالمنزل لرعاية أشقائي الأربعة الآخرين) أنه قد بكى حينما نطقتُ: "طه، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى".. غير أنني قررت من يومها التوقف عن التمثيل..

ربما كان السبب أنني كنت ألثغ بحرف "الراء" فأنطقه كحرف الغين.. وكان يضايقني جدًا أن يسخر أحد من عثرتي هذه.. خاصة حينما ضحك أبي من نطقي لكلمة "غرغرة"!! لكني اتخذت قرارًا بالتغلب على ذلك.. وأخذت أنتحي بنفسي تحت شجرة على النيل لأجاهد مع الحرف العصيّ بعبارات مثل "أمر أمير الأمراء بحفر بئر في الصحراء ليشرب منه الفقراء".. حتى نجحت أخيرًا في ضرب سقف فمي بلساني!!

بالطبع كنت كغيري من الصبية أحب سماع عبد الحليم وشادية.. أما الأغاني الوطنية فكانت تتملكني تمامًا.. وأغنيها بحماس مع زملائي في طابور الصباح (الله أكبر، وطني حبيبي، الجيل الصاعد، ناصر كلنا بنحبك، يا إلهي الحمد لك والشكر لك،..).. إلا أنني في العقد الثاني من عمري أخذت أدمن آخرين مثل أم كلثوم وعبد الوهاب ثم فايزة أحمد وبدرجة أقل فريد الأطرش..

وهناك أغنيات كانت تتملك وجداني تمامًا إلى حد ابتلال العينين.. مثل "دعاء الشرق" لمحمد عبد الوهاب، "وطني وصباي وأحلامي" لنجاة وعبد الرؤوف إسماعيل.. وكنت أتعرض لذات الهزة مع أغانٍ أخرى مثل "رباعيات الخيام"، "الأطلال"، "مريت على بيت الحبايب"، "أمانة عليك ياليل طول"، "ثلاث سلامات"، "ست الحبايب"..

من ناحية أخرى كنت قد بدأت "في السر" أكتب ما أظنه شعرًا.. وأذكر أن أول ما كتبت وأنا تحت العاشرة كان عن "جميلة بوحيرد" بطلة الجزائر.. كما أذكر أن أبي كان يعلمنا القراءة والكتاب قبل دخول المدرسة في سن السادسة.. لكنني حتى قبل تعليم أبي كنت معروفًا في العائلة بأنني أستطيع أتصفح مجلات الأطفال (ميكي وسمير) بالنظر وأحكي ما أتصوره من حديث مكتوب، وفي الغالب كان تخميني سليمًا..

بدأت منذ الثانية عشرة أشتري بنفسي (عدا ما يشتريه إخوتي الأكبر) معظم المجلات في السوق.. وكان اليوم الأول في الشهر هو اليوم الحافل الذي آخذ فيه مصروفي وأنفقه عن آخره في شراء روايات مجلات الهلال والمجلة والقصة والعربي والسلاسل الكويتية.. وبعد ذلك منبر الإسلام والطليعة والكاتب.. ثم مجلات أخرى فوق مستوى وعيي وقتها مثل الفكر المعاصر وتراث الإنسانية.. وبات بائعو الجرائد والمجلات يحبون رؤيتي وكسب ودي فكان لا بد أن أشترى من كل واحد شيئًا.. كما أصبحت زبونًا شهيرًا في مكتبة الهيئة القومية بميدان المحطة في المنصورة..

قد يتعجب القارئ حين أقول له إنني قررت مبكرًا ضرورة أن أصل إلى كتابة أعلى الأجناس الأدبية كما قرأت واقتنعت وقتها.. أي المسرحية الشعرية.. خاصة بعد انبهاري بالمسرح الإغريقي وشكسبير وعبد الرحمن الشرقاوي.. وقررت أن إجادة أجناس أدبية أخرى هي الطريق الحتمي للوصول إلى غايتي.. فبدأت بالقصة القصيرة والشعر..

من القصائد التي كتبتها مبكرًا في تأثر بشعر التفعيلة قصيدة أعتز بها تقول:
"كيف تنام؟
وضحايانا تُذبح في فيتنام
في لاوس في أنجولا..
في غزة في عمان..
في كل مكان
يقطنه الخونةُ
وتعيث الأوثان
جوعى
والرُضَّع قد ماتوا كمدًا..
فوق صدور الجثث الآماء
فالرعب الكافر قد حرق اللبن الأشهب..
في جمر الأثداء
جرحى
والجرحى يا ويلي..
قد غرقوا في وحل الآلام السوداء
صَرعى
أكوام اللحم العفنة..
والأوجه ممزوقة والسيقان
أشلاء تصرخ في الإنسان:
يا إنسان..
قل شيئًا واصنع أشياء
فُكَ عقال الصرخة في الحلق وفي الأحشاء..
كالشعلة كالشظية كالمنشار
كلفيح من ماء النار
كالمارد يفزعً
يستيقظ
يستلُّ الغضبة من غمد الرقدة والإحباط"....

طبعًا كانت نكسة 1967 قد سرقت أرواحنا وعقولنا ووقتنا.. وأخذت السياسة والفكر يلتهاماننا كليًا.. فالوطن أغلى ما نملك.. وكنت وقتها قد بدأت كتابة القصة القصيرة.. فكانت قصص مثل "الآباء أكثر سطوة"، "لنا عودة"، "البالونة"، "نشاز"، "خواطر نزيل في مستشف الأمراض العقلية".. وعشرات أخرى، غير أن أهمهما كانت "مأساة النشوقاتي" (التي تحمس لها أخي الأكبر الدكتور ماهر الجمال وطبعها على الآلة الكاتبة وأدخلني بها مسابقة نادي القصة لكنها لم تدخل التحكيم لأنها تجاوزت عدد الكلمات المحدد.. رغم إعجابهم بها كما قيل له.. وتضايقت للسبب لأنني كنت قد قرأت وقتها عن القصة القصيرة الطويلة وأن المهم هو مضمون القصة وهيكلها وليس عدد كلماتها)..

وحدث أن كنت أراسل برنامج "بريد المستمعين" لبهاء طاهر في برنامج الإذاعة الثاني كل يوم ثلاثاء.. فأرسلت له نقدًا لقصة للكاتب المنصوري عماد الدين عيسى (كان عنوانها "المصابيح") فأرسل الكاتب الكبير رسالة إلى المدرسة ليتأكد فعلاً أنني طالب في الصف الأول الثانوي.. وبعد ذلك قرأ في البرنامج قصتي "البالونة"..

في الجامعة غرقنا في النشاط الطلابي وأيضًا في التنظيمات السرية.. وتعمقت علاقتي مع جاري- طالب الطب وقتذاك- الكاتب الكبير محمد المخزنجي.. لكنني اتخذت قرارًا جبارًا في سن العشرين بالتوقف عن ممارسة الأدب، والتنازل عن كل مشروعي الذي خططت له منذ الصبا..

وبغض النظر عن صحته فقد استقر لديّ التفكير التالي.. إن الطفل الباكي إذا وضعته فجأة أمام المرأة يتوقف عن البكاء.. ومن ثم يصعب الجمع بين الانفعال والحقائق.. فإما هذا وإما تلك.. فلا يمكن للعمل السياسي أن ينجح بطغيان المشاعر على التحليل والفعل.. كما أن طغيان السياسة على الأدب يجعله أقرب للمواعظ والأناشيد والمباشرة..

وكان هناك سبب خفيّ آخر.. ألا وهو أن زملاءك في السياسة إذا قرأوا لك قصة مثلاً يسارعون إلى استنتاج أنك تقصد الشخص الفلاني، أو أن وصفك لعلاقة ما أو نقطة ضعف ما يكشف عن ضعفك أنت وحتى خوائك.. كان المناخ وقتها حافلاً بالمزايدات والمناكفات..

كان من الصعب عليّ مثلاً أن أصرح بإعجابي بأم كلثوم أو عبد الوهاب وغيرهم من "مطربي القصور والإقطاع".. وبلغ الأمر أنني حينما أبديت لعضو مكتب سياسي، في حزب سري آخر غير الذي أنتمي له، إعجابي بمسرحية "في حب مصر" وأغاني عدلي فخري لشعر سمير عبد الباقي.. أن قال لي "هذه مؤامرة سلطوية لضرب ظاهرة الشيخ إمام ونجم".. وحينما أبديت تحفظاتي على مدرسة ورؤية يوسف شاهين في بعض أفلامه بدوت لدى البعض كمتخلف أو رجعي..

في الختام أقول إنني لم أتوقف للحظة عن متابعة الفن والأدب وتعاطيهما في حدود الوقت الذي يسمح به العمل العام.. وقد رأى المرحوم خليل كلفت في كتابتي السياسية إنتاج "أديب ضل طريقه إلى السياسة".. ولكني لم أضل قط.. فالوطن والشعب والإنسانية، والتكريس من أجلها جميعًا، كانوا جميعًا أغلى وأحق بكل الوقت والانشغال، وأهم من أن يفوز الفن والأدب بموهبة متوسطة.