ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثاني 5

دلور ميقري
2018 / 2 / 7

هيَ ذي تضيفُ عاماً آخر إلى عُمرها، بلا بهرجةَ وصخبَ ما سبقه من الأعوام المُحتفلة. كانت ما تني في شرخ الشباب، بطبيعة الحال. ومما لا شك فيه، فوق كلّ شيء، تمتعها بإرادة صلبة وطبعٍ جامح في آنٍ واحد. مع ذلك لا تستطيع إلا أن تسلّم، بأنها باتت تتوجّسُ خيفةً مما قد يحيق بمركزها من خطرٍ في قادم الأيام. قد يكون من علائم الأمر، ما نراه الليلة من بساطة إحتفالها بعيد ميلادها. على أنّ هذا لا يعدو عن كونه مظهراً مخادعاً، طالما أنها هيَ من خططت ليكون الأمرُ كذلك: حادثة إنتحار " شيرين "، وبغض الطرف عما سببّته لها من ألم وحزن وغضب، كانت مسوّغاً مناسباً كي تُلغى دعواتُ الحفل.
لم يكن بلا تدبيرٍ أيضاً، أن يقتصرَ الحضورُ على سكرتيرها وشقيقته. لقد وعدته في يومٍ أسبق وبنوعٍ من المزاح، أن يحتفلا لديها بوظيفته. وها هيَ تبرّ بوعدها، ضاربةً، كما أعتدنا على القول، عصفورين بحجر واحد. ربما أدهشت سكرتيرها، لما طلبت منه يومئذٍ أن يأتي رفقة شقيقته. مثلما تحتمَ عليها، في اليوم التالي، أن تلقي نظرةً مدهوشة على " زين " هذه. لقد ظهرت الفتاة على مدخل الصالة بهيئتها البهية، الفارعة والممتلئة. لم يكن شكلها من النوع الأوروبيّ، كما هوَ حالُ أخيها " آلان "؛ اللهم إلا لو فكّرنا بلونه الأبيض، الناصع كالفضّة. في المقابل، لا يمكن القول أنه جمالٌ مغربيّ خالص: شعرٌ أسود، ولكنه مسبولٌ مسترسلٌ على كتفيها المكتنزتين.. عينان واسعتان، متدفقتان بحرارة العسل.. أنفٌ مستقيم، نافرٌ بنعومة من وهدتيّ الخدين، البارزتين والمورّدتين.. فمٌ سميكُ الشفتين ( طبعت الخانمُ عليه قبلة التعارف! )، مفترّ دوماً عن ضحكة أو بسمة.

*
كان بلا طائل، والحالة تلك، سعيُ " سوسن خانم "، حينَ راحت إلى الرواق قبل نحو أسبوع كي تدعو أصدقاءها للحفل المقترح. نقلت فكرتها إلى " آلان "، فيما كانت تناوله كأسَ فودكا. وعليه كان أن يفرغ الشرابَ الناريّ في جوفه، قبل أن يردّ: " لقد كسبتِ، في مقابل ذلك، معرفة أفضل مدير مكتبٍ تجاريّ في مراكش "، قالها مطلقاً ضحكة صاخبة، تفصح عن بساطة طبعه. إنه بالفعل، أشبه بطفلٍ مسّته على غرّة لمسةٌ مسحورة، حوّلته إلى مبلغ الشباب. ولقد أتفقَ أن أخبرَ شقيقته، ذات صباح من ربيعٍ آفل، كيفَ أفاق من حلمٍ مماثل.
أنصتت الخانم متبسّمة لكلام شقيقة الشاب، بينما كان داخلها واجماً مغموماً. آن أوانُ ذاكرتها، بدَورها، للعودة إلى الوراء.. إلى ذلك الربيع نفسه، الشاهد على لقاءاتها اليومية بسكرتير مكتبها السابق. " فرهاد "، رغم أنه من جيل ذلك الشاب الظريف، كانت ملامحه الحزينة توحي بقسوة الحياة.. بل ولعلها تتنبأ أيضاً بمصيرٍ لا يقل ظُلماً. قالت له معلمته مرةً، بين الجدّ والهزل، أنه معشوق نساء مراكش، فلم يزِد عن رسم ابتسامة ساخرة على فمه. وإنها كانت تتوق دوماً لابتسامته، مهما يكن مصدرها، كونها تضفي على سحنته سحراً لا يكاد يُدرَك. استهتاره بمظهره الخارجيّ، يُعدّ دلالة بيّنة على صدق تلك الابتسامة، الساخرة. إلا أنه لم يخلُ بحال من اللطف، بل والمرح، خصوصاً لما يتعيّن على الآخرين الإصغاء لقصصه الشيّقة. إلا حينَ يكون مختلياً بها، فإنه ينقلب عندئذٍ إلى تمثال ذي وجه شاحب ومضجر. فلئن كان يُحبّها حقاً، كما أفلت لسانه أمامها أكثر من مرة، فلِمَ كان يُزعجها بلطفٍ لا جدوى منه؟

*
الغيرة؛ ذلكم تفسير تصرفاته المتناقضة فيما يتعلق بعلاقته مع الخانم. لقد توصلت هيَ لهذا التفسير مبكراً، وكانت تعتقد من قبل أنّ الأمرَ عائدٌ لكونه مرؤوساً ومفتقراً. ممن كان يغار، إن لم يكن من أستاذها الشاعر.. كذلك أعتقدت أيضاً، ولم تكن أقل خطأً من حكمها الأول. الحقيقة، عليها كان أن تنعكسَ في مرآةٍ أخرى. لنقل أولاً، أنها كانت تتغاضى عن تفرّسه أحياناً في مكامن جسد مرافقتها بنظراته المواربة. ولقد لحظت يوماً، عندما كانت هذه المرأة تتحرك عبرَ مرايا الصالة بسروالٍ بيتيّ ضيّق، كيف استشاطت عيناه ببريق الشهوة آنَ ملاحقتهما حركة ردفيها.
كان على الأيام أن تسيل على وقع ساعة حائط المكتب، قبل أن يقع حادثٌ طارئ فيكشف المستور. ذات صباحٍ ربيعيّ، بادرت الخانم للصعود إلى التراس، أين توجد حجرة المرسم. ثمة، ضبطت سكرتيرها وهوَ يحاول إعادة لوحة من لوحاته إلى وضعها الأول، بعدما أسقطتها شدّة العاصفة ليلاً.. أجل، " ضبطته "، طالما أنه كان يُخفي داخل إطار اللوحة، بمهارة وحذق، لوحة أخرى تمثل مرافقتها، " الشريفة "، وهيَ عارية ضمن عناصر طبيعية وحيوانية. لما سألته، طائشةَ اللبّ، عن تفسيرٍ لما تراه عيناها، فإنه هزّ عطفيه باستهانة وتحدّ قائلاً: " إنها لوحة أسطورية، مثلما ترين! لقد استخدمتُ فيها مرافقتك، كنموذجٍ، حال الفنانين جميعاً ". ليسَ تبريره ما هدّأها، بل إفاقتها على نفسها وأنها يجب ألا تظهرَ بمظهر حبيبة أصابتها صدمة الغيرة. المفردة الأخيرة، كانت في الآونة تلك في مرماه هوَ كما سلفَ الحديث. " الشريفة "، تلك الحيّة الداهية، كان لديها وقتٌ كافٍ خلال غيبة الخانم على شاطئ أغادير، لكي تحشو أيضاً بأقاويلٍ شتى، رأسَ من أضحى عشيقها السريّ. المخدومة، من ناحيتها، عمدت لاحقاً إلى استجواب المرافقة بشيء من اللين، قبل أن تبادر إلى طردها نهائياً.
سحابةُ الذكرى مرّت إذاً فوق رأس الخانم، وهيَ في جلستها مع الشقيقين، هنالك في مكانها الأثير قرب الموقد. فكرة أكثر جدّة، جعلت وجها المتكدّر يؤوب إلى إشراقه المعتاد. ولكن كلّ شيءٍ يأتي في موعده؛ فصولُ الحكايات، كما فصول السنة.