قراءة نقدية تحليلية لمنجز محمد شحرور في فهم القران - الحلقة الثالثة -

حمزة بلحاج صالح
2018 / 2 / 7

محمد شحرور ملخص منهج قراءة أو إعادة تدوير

"أتابع سلسلة المقالات التي شرعت فيها منذ سنة تقريبا ( اليوم سنتين) و المتعلقة بقراءة نص محمد شحرور و منجزه المعرفي حيث أتناول اليوم ملخص النواظم الفكرية و المعرفية التي يقوم عليها "منهج" القراءة عند شحرور...

يصرح محمد شحرور في غير موضع أنه ينتظم داخل الإيمان بالوحي و الرسالة و النبوة كأنه يخشى أن يخرج من دائرة الإيمان بالأسس العقدية الإيمانية فيجعل ذلك ربما عند القراء المتمسكين بالتراث و النموذج التقليدي يرفضون تقبل أطروحته المعرفية و الفكرية و انتشارها لكنه في نفس الوقت لا يخفي تمييزه بين النبوة و الرسالة التي يؤمن بكلاهما و هنا لا بد من رفع الإلتباس و هو أن محمد شحرور يريد إيقاعنا بأغلوطة مفهومية اصطلاحية دلالية و لذلك نقرر بأن إمفهوم الإيمان عند شحرور ليس مفهوم الإيمان التقليدي الشائع و لا مشترك بنهما إلا الإسم و العنوان لا المحتوى و الأركان التأسيسية و الدلالت العقدية و التشريعية ..

مادام شحرور قد ألف و كتب بوضوح تعريفات اصطلاحية غير معهودة و من ثمة فقد منح للإيمان تعريفا اخر و لأركان الإيمان و الإسلام أيضا تعريفات أخرى و هي مخاتلة معرفية و " استراتيجية تسمية " خاتل و ناور بها محمد شحرور داخل نفس المنظومة النصية حتى يتجنب صدامات حادة مع بقية الفهوم و قد حقق كثيرا من هذا عند من لم ينفذوا إلى دقائق منهجه و منجزه و يتعرفوا بعمق على أطروحته ...

إنها مناورة داخل النص التقليدي لنسف أسسه من غير مصادمة و بأقل التكاليف و من ثمة تعتبر أغلوطة كبرى أن يفهم شحرور الناس بأنه يؤمن بما يؤمنون و هو الذي شقلب الأدوار و قلبها و منح للمصطلحات و الدلالات محمولات دلالية أخرى أي أنك إذا نطقت بلفظ الإيمان وجدت في اللفظ مشتركا مع محمد شحرور لا في الدلالة و المعنى و المحمول فالكتاب غير القران (بمقتضى رفضه للترادف و هو اتجاه لغوي قديم من بين رواده ابن جني و أبو علي الفارسي و حديثا جعفر دك الباب) و القران محموله كوني عقدي و الكتاب محموله الأحكام كأننا أمام وحيين سماويين و نصين و "كتابين " في " كتاب " واحد...

كما منح شحرور كثير من المصطلحات دلالات أخرى مع الإحتفاظ بالأسماء مثل "السبع المثاني" و "الفرقان" و "الجعل" و " الكتاب المكنون" و السنة النبوية غير السنة الرسولية و الإنزال غير التنزيل...

أي ما في علم الله غير ما في علم الناس و أركان الإيمان ليست كما عرفت و توارثناها فهما قديما و كذلك أركان الإسلام فنحن أمام منظومة إيمانية و تشريعية جديدة أبقت على الأسماء و شقلبت المفاهيم و التعريفات كيف لا و هو من يعتبر أن ايات القران متشابهات و ايات الكتاب محكمات "أم الكتاب" .

ملخص أسس منهج محمد شحرور

أولا / رفض القول بالترادف ( موقف لغوي قديم و خلاف تراثي لغوي قديم ) ليس من إبداع شحرور

ثانيا / لا ناسخ و لا منسوخ في القران ( موقف قديم في التراث أنظر كتاب المصاحف للحافظ أسعد بن علي المعروف بالسجستاني و غيره و من المحدثين مدرسة محمد عبده و المنار رشيد رضا و محمد أبو زهرة و الشيخ محمد الغزالي في كتبه خاصة كتابه "نظرات في القران الكريم" ) و ليس لمحمد شحرور إضافة بل توظيف و إستخدام فقط

و الكتابة العلمية تقتضي من موظف ومستخدم المسألة العلمية أن يذكرمصدرها القديم أو القريب و يحسن بالباحث إن كان الموقف القديم قد شكل تنويها و تحقيقا و تحديثا من طرف مدرسة حديثة فكرية لاحقة أو شخصية علمية أن يذكر المصادر الحديثة و القديمة معا ذاكرا أنه وظفها و استخدمها و أيد من سبقه إليها لأنها فقط تخلو من حق الإبتكار بالنسبة لمحمد شحرور مثلا في قضية الناسخ و المنسوخ

ثالثا / تحولات المعنى و ثبات النص أو التأويل تحت غطاء مطلقية النص أحيانا من غير ضوابط محددة سنعود إليها في نقدنا و تحليلنا لنص شحرور منحته حرية كاملة للمناورة و تحميل بعض النصوص معان قد تخرج بها عن السياق و اللغة و الدلالة

فهو يزحزح المعنى زحزحة و ينزاح به انزياحا إلى حد لا تجد للتأويل مستندا أو قرينة أو تمثلات في الخيال البياني و اللغوي و في العقل تبرر خياره التأويلي حتى تبقى مجرد مصادرات ليس إلا
كما فعل في تأويل و فهم قوله تعالى من سورة ال عمران الاية 14 (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)
حيث تعسف تعسفا صريحا لا مبرر له وهو يلوي و يزحزح دلالة لفظ النساء إلى المنسأة ثم الجديدة أي من المؤجلة إلى الجديدة

فأي تأويل يسمح بهذا إنه تأويل ليس فقط بعيد بل فاسد فساد الحجة التي قدمها وهي استحالة جمع الله بين النساء والخيل المسومة والأنعام ولا أظنه قد وفق
فكثيرا ما يتقاطع ويجمع اللفظ والحديث والخطاب بين عالم الإنسان وعالم الأشياء في الجملة الواحدة و ليس في هذا الجمع ما يناقض سلامة الخطاب و أساليب التخاطب العربي أبدا

ولا ما ينقص من قيمة الإنسان وهو يذكر إلى جانب ذكر موجودات مادية أخرى للاشتراك في المراد والاستخدام الدلالي والمعنى

فمثلا يذكر الله في نفس الآية المال و البنون (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ) -الكهف:46- فهل هما من جنس واحد ترى ما الذي سيفعل محمد شحرور بتأويل لفظ البنون وهل يبحث لها أيضا عن دلالة أخرى لا لشيء إلا لأن الله لا يجمع بين المال كمادة و كسب و البنون بإنسانيتهم و منزلتهم
أم يتوقف محمد شحرور فقط عند النساء نزوعا نسويا أو نسائيا وإنصافا للمرأة دون البنين لعبا على أوتار إشكاليات الراهن التي يتمسك بها الخطاب الحقوقي اليوم ونظرية النوع أو " الجندر" والحركات النسوية ويرفع من أجلها التنويريون العرب راية الكفاح والنضال

وغيرها من الآيات التي تجمع بين موجودات مادية ومخلوقات حيوانية وإنسانية وليس هذا غريب على أساليب كثير من اللغات عموما و العربية خصوصا

رابعا / تقاطع الآيات حيث يضيف محمد شحرور مدعما تأويله ونهجه هذا باعتماده على ما يسمى بتقاطع الآيات مع بعضها بعض وهي أيضا قديمة وسابقة له تتعلق بالتفسير الموضوعي من جهة و باعتبار القران الكريم وحدة موضوعية
غير أن محمد شحرور قام بإعادة صياغة القديم وسماه منهجا لغويا خاصا به واستعار له أسسا وأركانا