الأدلة على وجود الله ١ الدين أفيون الشعوب

سعود سالم
2018 / 2 / 6

العالم يعاني اليوم من أزمات وإشكاليات متعددة المنابع والمصادر والأسباب. الحروب والمجاعات والرأسمالية والكوارث الطبيعية والكوارث الغير طبيعية والجهل والفقر والغباء والتسلط والظلم والإستعمار والإستغلال، والقائمة طويلة ويمكن للقاريء زيادتها وتكملتها. ومن مسببات هذه المصائب المنصبة على رؤوس البشر في هذا الزمان، وبالذات في العالم المتخلف، كل ما يتعلق بالدين والحياة الروحية والإيمان بالله والرسل، بالقضاء والقدر واليوم الآخر والإيمان بالغيب، الجنة والنار، والحساب والثواب والعقاب. ولا شك في أن الأسباب الإقتصادية والسياسية والإجتماعية والجغرافية لها أثر كبير في تخلف المجتمعات وجذبها إلى الوراء وجعلها تلجأ إلى الخرافات للهروب من واقعها المزري، كما أن السلطات بكل أنواعها، إقتصادية وسياسية ودينية، تعمل جاهدة على تعمية المواطن وتلقينه ديانة الخضوع والإستسلام لتتمكن من مواصلة سحق هذا المواطن واستغلاله إلى آخر قطرة من عرقه ومن دمه.. ولكن من الواضح أن الخرافات الدينية لها دور أكبر وأكثر فعالية في تعتيم نظرتنا للعالم، ويبدو وكأنها القاعدة المبني عليها النظام الغيبي المظلم الذي يسود مناطق شاسعة من العالم، وتبدو مجتمعاتنا كلها كأنها مسطولة وتحيا داخل "غرزة" دائمة. ويبدو أن الله هو محور هذه الغرزة - العقدة التي يجب فكها ليتحرر الإنسان من هذه الكارثة. ونعتقد أن تحطيم هذا الصنم سيساهم بطريقة أو بأخرى في فك الحصار عن العقل وتحرير طاقات الحياة والحرية والإبداع على جميع المستويات، رغم المقاومة الشرسة التي تبديها الإيديولوجيات الغيبية بطرق مختلفة وعلى جميع المستويات لمواصلة التسلط على عقول البسطاء. يساند هذه المقاومة بطريقة مباشرة وغير مباشرة مساهمة العديد من المثقفين الذين يدّعون العلمانية، بصدق في كثير من الأحيان، ولكنهم في نفس الوقت يرفضون التحرر نهائيا من سلطة وبراثن الله وزبانيته، فيبشرون بضرورة العودة إلى إله محمد العطوف المسالم والرحيم، والذي هو بريء من هذا الإله الداعشي آكل لحوم البشر، والعودة إلى الإسلام الحقيقي. وكمثال نأخذ أحد هؤلاء المثقفون الإسلاميون، والذي يعترف بأن مرجعيته في هذا الإطار هو التحليل النفسي الفرومي نسبة إلى الكاتب الألماني-الأمريكي Erich Fromm ١٩٠٠١٩٨٠، والذي قدم إنجازات مهمة فيما يخص تحليل المجتمع والسلوك والإقتصاد البيئي والجنسي، ولكن هذا لايمنع خطأه الكبير في إعتباره لضرورة الأديان والحياة الروحية لتوازن المجتمع. ويبرر هذا المثقف العلماني استناده ورجوعه إلى هذا المفكر "لأن فروم كان من بين المحللين النفسيين القلائل، الذين لم يتبنوا فكرة إقصاء الدين نهائيا، بل طالبوا بعيش التجربة الدينية، فرادى وجماعات، بطريقة بيوفيلية محكومة بالنزعة الإنسانية؛ وعيا منهم بأن الدين كمُعاش باطني هو من الأسس النفسية المتجذرة في الإنسان، لا يحق ولا يمكن حرمانه منه، وإلا فإنه سيفقد توازنه في الوجود وقد يُجن لأن التحديات الوجودية والطبيعية التي يواجهها يوميا تتطلب هذه الجزيرة النفسية للإطمئنان وللراحة واستعادة التوازن". لهذه الأسباب بالذات نرفض الله والدين وهذه الواحة أو الجزيرة أو الجنة الموعودة، حيث تختفي الصراعات الطبقية ويعيش الجميع في هارمونيا مع الطبيعة ويستمتع الجميع أغنياء وفقراء، الأسياد والعبيد بزقزقة العصافير. نحن نريد واقعيا وليس متخيلا، عالما يعيش فيه الإنسان حياته الحقيقية في مواجهة العالم، وتغيير هذا العالم إذا كان عالما يقوم على الإستغلال والإستعباد والظلم وليس الهروب منه وراء الأوهام والأساطير والشعور بالارتياح والرضا عن الحياة "الطبيعة". ونحن هنا لا ندعوا إلا إلى حرية التفكير وحرية العقل، فمن يريد أن يؤمن بالبيوفيليا، بالله أو الشيطان فليؤمن، ولكن نحن سنواصل تحطيم هذه الأسطورة والقول بعدم وجود الله وأن الأديان هي إنتاج بشري مثل الأساطير والخرافات القديمة، وأن الكتب المقدسة ما هي إلا خدعة سياسية من قبل حفنة من الدجالين. ومن الملاحظ أن جميع الأديان بدون إستثناء تتحاشى التفكير العقلي ولم تحاول أن تقدم ولو دليلا عقليا واحدا نهائيا على ضرورة وجود هذا الكائن الأسطورة، بل أتفق كل الشيوخ والباباوات والحاخامات ورجال الدين عموما على إستحالة إثبات وجود الله عقليا، ولا يجوز أصلا البحث في هذا الموضوع. ولهذا السبب حاول فلاسفة الإسلام أن يفصلوا بين الفلسفة وعلم الكلام، لأنهم كانوا على وعي تام بأن الفلسفة إنتاج عقلي يقوم على المنطق والبرهنة، بينما علم الكلام جزء من التراث العام قائما على الجدل داخل النص المقدس نفسه. ومع ذلك لا بد من الإشارة إلى بعض المحاولات اليائسة التي قام بها بعض الفلاسفة على مدى التاريخ للتدليل على وجود هذا السوبرمان الخرافي، ليس فقط لمجرد التسلية والرياضة العقلية، ولكن لتمكين المواطن من مناقشة هذا الموضوع وإعطاءه بعض الأسلحة الفكرية والعقلية المنطقية لتفكيك هذه القلعة الرملية وتهديم الأسس الهشة التي تقوم عليها. علما بأن قضية وجود الله أو عدم وجوده هي قضية ثانوية ولا أهمية لها في هذا المجال، ذلك أن أي إنسان متوسط العقل لن يهمه مثل هذا الموضوع، فوجود الله أو عدم وجوده لن يغير أي شيء في حياته اليومية ولا في حياة بقية البشر وبقية الحيوانات والنباتات على الكرة الأرضية. ولذلك فنحن نقول بأن الله، حتى لو افترضنا وجوده وحتى لو وقف أمامنا الآن بلحمه ودمه - لن نقول بجلبابه ولحيته، فلن نؤمن به، وسنطلب منه أن ينزاح قليلا لكي لا يحجب عنا الشمس، يستطيع أن يوجد إذا شاء ولكن لا سلطة له علينا ولا على حياتنا. فنحن لا نحتاج إليه لنحيا ولننظم حياتنا الإجتماعية والأخلاقية..
فلاسفة الدين منذ القدم حاولوا تقديم العشرات من الأدلة على وجود الله وذلك لمحاولة التقارب بين الفلسفة والدين وتقليص وربما ردم الهوة المظلمة الفاصلة بين العقل والأسطورة، وكان الهدف على الدوام هو تسخير الفلسفة وتدجينها لخدمة ألأغراض الدينية واللاهوتية وبالتالي السياسية. الأدلة المزعومة على وجود الله تأتي في أشكال مختلفة ومتعددة. وبعضها يعتمد على التاريخ، والبعض الآخر على العلم، والبعض على الخبرة الشخصية، والبعض على الفلسفة وعلم النفس، والكثير منها على الدين نفسه، فلا نستطيع أن نناقش هذا الموضوع مع أي مسلم دون أن يخرج لك من جيبه عدة آيات قرآنية وأحاديث محمدية للتدليل على وجود الله. ومن أهم الححج الفلسفية المعروفة، الدليل الأنطولوجي، دليل السبب الأول، ودليل التصميم، والدليل الأخلاقي والعديد من التسميات الأخرى سنناقشها باختصار في المواضيع القادمة.. كل من هذه الأدلة تدعم تصور معين لله : الدليل الأنطولوجي على سبيل المثال، هو محاولة إثبات لوجود الله من ناحية الماهية؛ دليل السبب أو العلة الأولى هو حجة لوجود الله من ناحية كونه الخالق والمبدع الأول لكل الكائنات، ودليل التصميم هو حجة لوجود الخالق إستنادا على كمال المخلوقات، الكون والإنسانية؛ والحجة الأخلاقية هي محاولة إثبات وجود الله إستنادا للسلطة أو الوازع الأخلاقي عند البشر.