دولةُ المتملِّق: تفكيك العقل الاحتيالي (4)

سامي عبد العال
2018 / 2 / 5

هل التملُّق ممارسةٌ قابلةٌ للتبرير؟ كيف يُبرَّر في مستواه الأبعد ثقافياً؟ لماذا لا يوجد بمسماه وشعاراته؟ لعل خطاب التبرير- إنْ وجد - لا يُظهِر أهدافه عياناً. فنظراً للنبرات الاخلاقية وراء المسألة، يأتي التبرير ملتوياً في خضم معطيات ثقافية أخرى. وربما يتعلق بأكثر المسائل حيويةً كالدين والوجود والبنية الاجتماعية والعلاقة بالآخر. لكن الوضع المختلف أنَّه يشغل حيزاً من هواجس النصوص ويحدد بعض فضاءات التفكير السياسي اللاهوتي، ويتطفل على مائدة الخطاب ليسرق تأويلاً لكيفية الاعتقاد والايمان والعيش في الواقع.

من ثمَّ كان وضع " التراتب والتملق" إزاء السلطة مشكلة ثقافية تورَّط فيها ابن خلدون. وهو – من زاويته - نموذج لمثقف يؤكد نصُه( انتاجُه - خطابُه) على معانٍ أخرى خلافاً لما يقول. أي أنَّ النص سيجسد تناقضات ومفارقات لا حل لها. ليرسم محيطاً مغايراً لأفكارٍ وحيل تحكم قناعات المؤلف وقضاياه. وقد تبدو الكتابة التاريخية لدي ابن خلدون حيادية، لكنها تستحضر داخل انطوائها الثقافي منطق الطرح ورؤاه. والطرح ينتمي إلى بنية العرض وصلب الموضوعات والآراء قيد الشرح. لدرجة أنَّ عبوراً لنقاط شائكة (مثل: الأحداث- المقولات – الآيات القرآنية- الشخصيات) يبرز خريطة غير متوقعة من الأبعاد والعلاقات الخفية. ولئن كان ذلك منطبقاً على شيء، فإنَّه يجري بالمقام الأول على " نص المقدمة ".

طبعاً ليس ذلك صراحةً بالنسبة إليها رغم أنَّ الأفكار واردة، لكن الأكثر إدهاشاً أنَّ " نص المقدمة" يراوغ في تخييله وهوامشه مع احتمالات القراءة. لو اعتبرنا المقدمة ترسم صور الواقع في عبارات كلية، فإنَّ عملية التأريخ واللغة والبلاغة ومن ثم الصياغة أشياء توقعها في احراج منطقي. لأنّ تحليلاً خلدونياً للتراتب السياسي والاجتماعي تحكمه نزعات محافظة ودونية تحت أقدام السلطة الغالبة. بل هناك أطياف أخرى( معان – إشارات- علامات - رموز) مقصودة في هذا الاتجاه وتؤكد ابقاء الأوضاع السائدة على ما هي عليه.

وهو ما يعطي السلطة امتيازاً ثقافياً زائد غلبتها( فالناس على دين ملوكهم). وتصب هذه الزيادة في حمل القهر على الرحب والسعة مع تبرئة الفاعل دون تبعاتٍ. والدين يعني طرائقهم في الحياة والخضوع لممارساتها وتدجينها للوعي. إن " السلطة تأتي في غطاء الدين والدين في إهاب السلطة "... هذا التبادل بمثابة العرق الممتد داخل بنية التاريخ العربي الاسلامي بأدق تفاصيله. لم يكن هناك شيءٌ بعد تفتيته وتذريته وغربلته سوى تلك العلاقة المراوغة إلى أبعد حدٍّ.

الدولة في الذهنية العربية هي التشكيل الفوضوي الخادع والمقامر إمام من يريد – مجرد إرادة - الفهم والتحليل. سيراها إنْ أفلح كائناً لا يفتأ التقلب والتحول من لحظةٍ إلى تاليةٍ. ولن يجد شيئاً ذا بال إنما كتلة هلامية وضبابية لها ألوف الرؤوس. كلما قُطعت رأسٌ( فساد / تملق/ ديكتاتورية/ قمع/ تزوير) نبتت رؤوس غيرها بلا نهاية. هذا حال مفاهيم الدولة العربية وحفرياتها داخل كيان عصبي جسمي اسمه السلطة. فالأخيرة لا تميز نفسها في اشكال مؤقتة وفاصلة من الحكم. إنها تتوحد بكيان الدولة والمجتمع بحيث إذا اهتزت أو تخلخلت كانت الدولة ومجتمعها في مهب اريح. ولا تتوانى عن التغلغل في التربة الحية لمعطيات التراث والتشكيل البشري للمجتمع.

وإذا كانت ثمة فكرة وراء مصطلحات ابن خلدون " العصبية والتوحش والغلبة" التي تعكس أيَّ نمط من البشر هم العرب، فالسلطة كتلة عضوية بالمقام الأول. انسجة وخلايا حيوية لها عيون ووجوه كالحة وأرجل وحوافر وأظافر وجسم ضبابي وأنف بحجم العالم وأذن هي كل الثقافة الشائعة وأيد باطشة بثقل الموت ورهبته ولها عقل أنملة يحرك جميع أجزاء الكيان الغامض والمترهل... بحيث يأتيكم مرة واحدة وبكل قسوة فاصلاً بين الحياة والموت، الضوء والظلام، الخير والشر.

يستحيل التعامل ضمن الثقافة العربية مع السلطة بمفاهيم وصور مغايرة. لأن دجالي السلطة مع تواترها تاريخياً لم يتركوها مجردة ولا جمالية ولا فنية ولا رومانسية ولا مثالية، إنما كل ذلك مضغوطاً في بنية بيولوجية تراقب الواقع عن كثب وتقتحمه بعنف ليلاً ونهاراً. ليس خافياً التعبير الجاري:" الحيطان لها ودان"، أي أنَّ هناك من يراقب ويتنصت... فلا تقل شيئاً يذهب بنا بعيداً. فالسلطة هي خوف خرافي هولي له طبيعة الأذن في الالتصاق حتى بهواجس الإنسان وخواطره. بحيث إذا وردت إحداها بباله، بخياله، فهذا الكائن( الخرافي) قادر على التقاطها. والسلطة بهذا مرادفة للرعب( نصرت بالرعب مسيرة شهر كما ورد بأحد الأحاديث النبوية).. فلا معالم بارزة للسلطة في شكل بورتريه شخصي، لكنها دفقة، صدمة، ضربة حضورية قاهرة.. هل ثمة مجتمع عربي حدد ماهية السلطة بالنسبة إليه؟ هل اختار حكامه وكيفية الحكم الذي يخضع له؟!

هنا لم تساءل مقدمة ابن خلدون السلطة وأصول التراتب مكتفيةً بنتائج تشغيلها في الواقع. سلمت بتتابع تجلياتها كضرب من الظواهر المسلم بها. وليس ذلك صحيحاً أو خاطئا لكن الوصف والإخبار جرَّ القارئ إلى شفاهية مرتبطة بالحياة وكأنَّها انتهب في غير رجعة. الحياة التي تحتاج إلى تحديد جذورها لماذا كان العرب يتصرفون بتلك الطريقة على نحو سلطوي؟ ولماذا ظل التحديد لمن هم بالأعلى ولمن هم بالأسفل في سلم النظام الاجتماعي؟ وهل ذلك سيلوِّى عنق الحقائق ويغيبها تحت نير السلطة وأنماطها؟!

إنَّ نص المقدمة كجزء من عنوان " ديوان المبدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر". ينفتح على عوالم متناقضة ومتباينة اقعدت صاحبها في هذا الاطار. ولعل الديوان كمستوى ثقافي شامل لا يخلو من أفكار متنازعة ليس من السهل احتواءها. وإذا كان الديوان مرتبطاً بالشعر في التراث العربي، فالأشعار لغة خالقة لكائناتها المتنوعة والتي لا يسئل عن انطوائها الشاعر أو انبساطها( اتساعها). أما إذا انتقل الاسم إلى مجال الثقافة، فالمسألة تغدو عصية على الاتساق بسهولة. لأن اللغة - كأداة رئيسة للمثقف كما كانت للشاعر – لن تواصل معطاها الجاهز بكم الدلالات التي يحشدها ابن خلدون ككاتب وكمؤرخ هذه المرة. ولاسيما أن المقدمة ليست اخباراً فقط، هناك تيمة سردية تكاد تستغرق تفاصيل الأحداث كرواية تاريخية. وهناك صناعة للصور والمعاني حول الموضوعات. ولا يتم ذلك في فراغ إنما يصاحبها تأليف للخيال الديني ومصير العباد ومآل الدنيا والآخرة.

وهذا الشكل التأليفي الذي وضعه ابن خلدون كان أقرب الأشكال إلى المعتقدات الجارية. ومع غلبة الآراء والخطابات الدينية كانت انماط التفكير والتبريرات لابد من مرورها على هذا الصعيد لتدخل آمنة إلى ذهنية القراء. فالمبتدأ والخبر ليسا مقولتين نحويتين فقط، لكنهما إضافة إلى البئر النحوي لهما يدلان على صورة المنشأ والمآل بما فيهما من مياه لاهوتية. فالمصير، أي النزوع الاسكاتولوجي ( الأخروي) يكاد ينتشر في تفاصيل كتابة ابن خلدون. وهو ما يوازي حركة العالم وتقلب الأقدار والأحداث بناء على لاهوت الخلق وتقليب مصائر الناس والملوك والمجتمعات.

ودوماً الذهنية السردية ذات طابع دائري، ما يفهمه القارئ في بدايتها يُستعاد مرة ثانية في نهايتها. ويمكن اتيانه من أية نهاية أو من أية بداية شاء(على طريقة أينما تولوا وجوهكم فثمَّ وجه الله). فلا تدع القارئ متحرراً من قبضة التكرار والتأكيد على المسلمات. وكأنَّ ابن خلدون يدخل تصورات الواقع دورات من التأكيد بواسطة الفرضيات المسبقة والقناعات والأهواء والغرائز التي تحكم طرائق التفكير العام.

غالباً يخلط ابن خلدون بين تصورات اجتماعية ولاهوتية ودنيوية وأخروية كالثواب والعقاب والنعيم والعذاب والعبرة والنظر والخير والشر والقدر والفعل. وجميعها تمتحن في سياق التاريخ الذي يغير طبيعة المجتمعات وقوتها. غير أنها تفعل فعلها في تعطيل انفتاح النص الخلدوني على أفاق إنسانية أرحب. إن ثمة تعاضدا بين ثقافة شائعة ممزوجة بالمعتقدات الدينية وتكريس الأوضاع الآسنة في مجتمعات العرب. فالدين الشعبي المعتمد على التواكل وضياع الانتاج وتقديس الحكام هو التربة الخصبة لنشوء الديكتاتوريات ورموز الفساد والحكم الشمولي.

إنَّ العقل الاحتيالي يشمل المثقف دون وعي. لأنه عندما يطرح القضية هو يغالب التصورات الدارجة الآسنة واضعاً إياها تحت التبرير. حتى غدا الكلام والشرح هما الخطاب المبطن لتأثير المعاني على المتلقي. وابن خلدون لا يدعم ذلك فقط بل يكتب خطابين في الوقت نفسه يلتقيان عند تلك النقطة.

الخطاب الأول: خطاب الوصف التاريخي ... ويدرج فيه مسألة الكسب بالتملق والخضوع من خلال عرض المعطيات المتاحة. والوصف يبرز جوانب المسألة وتجليات السلطة مثل تحريك الكلام الديني في اتجاهها مقرراً ماذا تريد.

الخطاب الثاني: خطاب التبرير... وهو الخاص بتأكيد الوصف. وهو يعتمد الموروثات الدينية والشعرية في تعضيد المعاني والقضايا. ولا يغيب عن القارئ مدى الارتباط الوثيق بين الاثنين كما ذكرنا. فالخطاب التبريري يطفح على سواه ويفيض ملتقياً مع نمط الحُكم الغالب.

دليل ذلك أنَّ ابن خلدون يعيد ترسيب فكرة " التكسب بالجاه" في تربة النظام الاجتماعي اللاهوتي مرة أخرى: " .... إنَّ الجاه متوزع بين الناس ومترتب فيهم طبقة بعد طبقة ينتهي في العلو إلى الملوك الذين ليس فوقهم يد عالية. وفي السَّفَل إلى من لا يملك ضراً ولا نفعاً بين أبناء جنسه وبين ذلك طبقات متعددة حكمة الله في خلقه بما ينتظم معاشهم وتتيسر مصالحهم ويتم بقاؤهم..."( ابن خلدون، المقدمة، ص 489).

الفقرة تأتي لتحديد الجاه بقدرة ميتافيزيقية غامضة. بالرغم من ذكر أنَّ هناك تملقاً وخضوعاً وسلطة. وكأنه يغسل أيدي الأخير في لعب أدوارها المركزية، فالتوزيع لم يكشف أية أنامل ملموسة تحرك تلبك الخيوط. فالناس يتحركون بأثر قوى خفية، هناك من هم بالأعلى وآخرون بالأسفل دون أنَّ نعلم لماذا التمييز أصلاً؟ وكيف وجد هذا التمييز؟ وهل سيستمر التنافر بين الجانبين علماً بأنه يتحدث عن الجاه؟

والعبارة بالنسبة لمن هم بالأسفل:" لا يملكون ضراً ولا نفعاً"، أي هم مهملون، مهمشون ولا وزن لهم. وطالما كانت الحياة هي الضرر والنفع، فالمعنى وراءها هو لعبة السلطة. لأنها هي ما تضر وتنفع على غرار الاقدار الإلهية. وبالتالي فالحاكم يأخذ مرتبة الإله الذي يقدِّر مصائر العباد والمواطنين. والمواطنة مكانة دنيوية مدنية لا يملكها الإنسان القدري بهذا المدلول. لأن ترف الآلهة إلى البشر ليس إلاَّ حجباً للضرر بأحسن الأحوال. ولهذا فالوضع الأفضل أنْ يظل هنالك أناس دوماً في " السَّفَل". وليتركوا سواهم بحالة شريطة ألا يغضبوا ولا يتمردوا على أوضاعهم.

• هذا التقسيم أخلاقي بالدرجة الأولى، نتيجة اعتماده سياسياً واجتماعياً. فهناك نقول في الدرك الأسفل من الحياة. وهي المواقع المقررة من قبل طبقة عُليا تحرص على إقصاء أطرافها الأدنى بمقدار ما تزداد علواً. ويبلور برنامجاً سلوكياً في حياة الناس اليومية. فالأسفلون لهم حيواتهم وأساليبهم على حين يمتنع الأعلون عنهم ولا يتواصلون معهم إلاَّ بمقدار استعمالهم لأغراض الاجتماع.

• هناك شفافية في توزيع الجاه بين الناس من وجهة نظر ابن خلدون. لكنه ينسى أنه بذلك ينزع مفعول الرواسب السلطوية. ويغسل أيدي الحكام من المسألة. وفي الوقت ذاته يزيف الوعي، بسبب أن التوزيع واقعياً تتولاه الدولة وتحرص عليه أيما حرص. بدليل أن التراتب لا يتم في خلاء العالم، بل داخل تنظيم سياسي بعينه.

• وضع الله عند مفترق القسمة بين الوضعاء والكبراء هو وضع ميتافيزيقي تبريري. بحيث يمثل هذا نصاً غائراً يمنع التدخل في الشأن الإلهي وبالتالي في الشأن البشري. كما أن اغفال التمرد على الوضع القائم هو نزعة سلفية ماضوية لا ترى فيما هو حاصل سوى العدل الإلهي. وهو حسم لمسألة الانحياز إلى غلبة السلطة وإطلاق أيدي الملوك للبطش بالرعية ودفع ثمن كل تملق مقدماً واخلاء ساحة المنبطحين حتى الأعناق في الأوحال السياسية.....!!

• يقر ابن خلدون بطبقية المجتمع وهي صناعة لاهوتية سياسية. وهو اقرار تاريخي لا محل له من النقد ابتداء. لأنه بهذا التكوين لن ينتهي في الدنيا بأيدي الناس. فالإله يؤجل ذلك كتصريف لأحوال العباد أفعالاً وأعمالاً حتى يكون للآخرة وضع نهائي يحقق ثنائية الثواب والعقاب، الجنة والنار. وهذا جزء من سيناريو العمل السياسي أيضاً. فالحكام الطغاة يمارسون عقاباً وظلماً بمنطق الآخرة لأنهم يعتقدون كونهم مشاركين في إقامة موازين الدنيا. كان أبو جعفر المنصور يتحدث إلى رعيته: إنما إنا عقاب الله إليكم فتضرعوا إلى الله كي يرفع عقابه وعذابه. فإذا كنت نافذا فهذا عدل الله وإن كنت غير ذلك فتلك حكمته الباقية إلى يوم الدين( القيامة)". كيف سيغير البشر هذا الحال؟ إنه يبرر نفسه بنفسه مهما أتى من أفعال مزرية؟

• ابن خلدون بالمعنى السالف يكتب لا هوتاً للتاريخ العربي. وعن عمد يدس في الخميرة الإنسانية خميرة الهية حتى وإن كانت من مقتضيات الإيمان الديني. وبذلك هناك سردية منجزة سلفاً كما ستكون أخرة منتظرة من بعد. لكن الأخطر أنَّ السردية تقف في جانب الملوك والسلاطين. تقول ليكن كل شخص في مكانه، لأنه مجرد دور فارغ بكل ملابساته لجوهر أصلي هو التخطيط الميتافيزيقي.

• طالما أنَّ هناك خطة كونية، فإنَّ ظلالها الاجتماعية مستحيلة التغيير. بل البشر وأوضاعهم أشباح على حاشية الكتابة الكونية. ولا بد أن نشطب الأخيرة( اللوح المحفوظ) حتى نغير الأولى... هذا هو المضمون النهائي في فقرة ابن خلدون.

• في هذه الحكمة تقع مصالح العباد ويتيسر معاشهم.. هناك قهر، استبداد وتسلط... لكن لا ضير ففي المأساة تكمن المنجاة والمناجاة. أي ينفتح باب الخلاص والتطلع إلى مسبب الأسباب بالدعاء والعبادة. لكن هل يسري هذا التطلع الميتافيزيقي على الحاكم والمحكوم معاً؟ بالطبع كلا، لأن الحاكم ( ولو كان مستبداً.. ومتسلطا)، فهو ولي الأمر. إنه مفتاح السعادة أو التعاسة للرعية!! أيضاً واصل أبو جعفر المنصور القول: " إنما أنا ظل الله في أرضه، أنما أنا قفل أدعوا الله أن يفتحني إليكم ...".

• الأغرب أنَّ صريح العبارات الخلدونية تؤكد رغم ذلك أنه: ليس فوق يد الحاكم أية يد عالية. ذلك في نوع من الوثنية السياسية البائسة. وكأنَّ نظام التراتب يحمل سماءه وإلهه فوق أكتافه. وتباعاً يحدد ميتافيزيقاه الخاصة كما هو. وليس ابن خلدون إلا رجل مهار في صياغة الأوثان الرمزية وتغليط العنف لمن يهرب من ذلك. فاللعنة ستلاحق من يشذ عن القاعدة.

وبحركة خاطفة يكمل ابن خلدون صورة التراتب وضرورته:"... لأنَّ النوع الإنساني لا يتم وجوده وبقاؤه إلاَّ بالتعاون بين أبنائه على مصالحهم. لأنه قد تقرر أن الواحد منهم لا يتم وجوده وإنَّه وإنْ ندر ذلك في صورة مفروضة لا يصح بقاؤه..."( ابن خلدون، المقدمة، ص 389).

وخطف الوعي هنا يتم بتجريد المجتمع المقهور من لباسة في شكل النوع الإنساني. فكما أنَّ غايته تقع هنالك في ميتافيزيقاه غير المحددة، فالأصول البشرية تحمل التراتب وتؤكده على نحو عارٍ. وابن خلدون يلجأ إلى " دارونية مبكرة"، لكنها سياسية وخادمة للسلطان. فليست القضية ما إذا كان المقهور عربياً أم لا، إسلامياً أم لا، فالنوع الإنساني برمته مرهون بهذا الوضع. وتجريد البقاء من أرديته يقتضي القول بأنه تعاون وتعايش ليس أكثر.

لكن أي تعاون إذا كانت السياق يتحدث عن الكسب والخضوع؟ وأي تعاون إذا كان التراتب يقصي من هم بالأسفل ليرتفع من هم بالأعلى داخل مجتمعات مستبدة؟

خطورة تلك الصياغة أنها تعتمد بلاغة الخطاب الديماجوجي لإقناع الدهماء. هؤلاء الذين هم وقود التسلط والقمع بجميع الأحوال. فكأنَّه يقول لكي نقبل السلطة فلابد أن هناك تعاوناً، وليس التعاون احتكارا للمجال العام كما تظنون. إنه جزء من وجود الواحد من أفراد النوع. بل هو شرط لوجوده ابتداء. وحتى لو تصورنا وجوده مفروضاً، فلن يصح إلا بالتعاون والاشتراك في قضاء الأمور. إذن الوجود على هذه الشاكلة يساوي الحياة وانعدامه يساوي الفناء.

لكن خطاب ابن خلدون يحمل نوعاً من التهديد كذلك. وبخاصة إذا فهمنا المسألة بالعكس. فلئن كان هناك شيء يُعتبر شرطاً لوجود الكائن ولاستمرار حياته، وهذا الشيء هو التراتب وأصل الشرور ، فبإمكان من هم بالأعلى فيه أن يهددوا( يؤصلوا- يواصلوا- يرسخوا – يتلاعبوا- يفرزوا....) البقاء المبدئي لمن هم بالأدنى. إذن العلاقة(التعاون) تنقلب باحتمالات أساسية إلى علاقة سلطة (قاهر ومقهور) حتى تؤكد بديهيات العيش المشترك. وبخاصة أننا نتكلم ضمن علاقات غالب ومغلوب. فالوضع لو استعاد ألبسته الاجتماعية سيكون المشهد واضحاً وستظهر الشخوص على المسرح من دم ولحم.

وابن خلدون كصانع الأزياء الثقافية والاجتماعية يجرد الناس منها ويلبسهم إياها كي يروج للسلطة ( مهنة اللبيس في المسرح والسينما) . ويترك العبارات تقود القارئ إلى هذه النتيجة المحتومة. فالمفروض أننا إذا رجعنا إلى جدار النوع الإنساني فلا تفرقة ولا تمايز أما وقد سرنا في طرق سلطوية فلابد من أقنعة دينية وتاريخية لإخفاء هذا البعد ولا مانع من اللجوء إليه للتبرير في نهاية المطاف. وتلك حلقة ضعيفة جداً في سياسات أي خطاب ثقافي أو معرفي.

ولكيلا ينكشف الاحتيال الخلدوني، ينقلنا النص إلى ضرورة التعاون، حتى لا يكون نافلة بلغة الفقهاء"... ثم إنَّ التعاون لا يحصل إلاَّ بالإكراه عليه لجهلهم في الأكثر بمصالح النوع ولما جعل لهم من الاختيار وأن أفعالهم إنما تصدر بالفكر والروية لا بالطبع. وقد يمتنع من المعاونة فيتعين حمله عليها فلابد من حامل يكره أبناء النوع على مصالحهم لتتم الحكمة الإلهية في بقاء هذا النوع. وهذا معنى قوله تعالى " ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ورحمة ربك خير مما يجمعون" ( المرجع السابق، ص 489).

لنلاحظ هذا التسلل إلى " لاوعي القارئ" الذي يحرزه ابن خلدون. هو يكسب أرضاً بعد المعركة الخطابية السابقة. فبعدما اعتبر التعاون هو الشرط الوجودي الثاني لوجود النوع الإنساني الأول، يأخذ خطوة استباقية حتى لا يفيق القارئ. حيث يأتي بمعان إيجابية مسنودة إلى وضع سلبي. كأنه ينبغي للناس أن يتحملوا السلطة( - القمع- التراتب - التملق) من أجل أن الخير الذي وراءها أكبر. على طريقة أن الشر الجزئي هو كذلك لحكمة عظمى لا يعلمها إلا أولو النهى كما يردد الفقهاء ورجال الدين.

وفي هذا يرتدي ابن خلدون زي الفقهاء صراحة ويتعامل مع التاريخ كأنه حالة صبيانية نزقة يروضها ويهذبها من أجل الاستماع لأوامر السلطة والامتثال لها. وليس التاريخ هكذا طفولياً فقط، بل المجتمع ككل مجرد صبيان حول طاولة الحياة المغلوب على أمرها بدءاً من السياسة وانتهاء بمصالح الناس والتعايش بينهم. وتبدو المقايضة صفقة تاريخية: التنازل عن الحرية والقبول بالإكراه من أجل التعاون!! والصفعات تتوالى كم يلطم طفلا على وجهه ويدس بين أصابعه قطعة من الشكولاته ليكفكف دموعه ويرضى بالأمر الواقع!!

ومن يعارض ذلك – برأي ابن خلون- لا يعلم شيئاً، فالنوع الإنساني محاط بالجهل والجاهلية إلى أبعد مدى. وهي نفس عبارة سيد قطب في كتابه معالم في الطريق. فالبشرية جاهلة وضالة، لا تدري أين مصالحها ولا كيف تدير مصيرها نحو الحقائق الإلهية. لكن ابن خلدون يزجي تجارة الفكر بتجارة الجهل جنباً إلى جنب. فالفكر والتروي أصبحا عربونا لقبول الأوضاع السائدة. وذلك جاء كنوع من التملق الأكبر: أن يبتاع الإنسان روحه وإدراكه وعقله لصالح تحصيل تعاون لا يتم إلاَّ بالإكراه. وهنا سيكتشف هذا الإنسان البائس أن السلطة تتخفى في التفاصيل كما يندس الشيطان في المساحة ذاتها.

وابن خلدون يؤكد قضية مهمة في الثقافة العربية أنَّ تبرير الخطاب وسياساته يكون عادة لصالح الأقوى والأعنف. فنحن نقول للمقهور " اسمع لأصحاب الأمر والنهي، وإذا كان لديك عقل لا تتهور بأفعال حمقاء تجر عليك المصائب.. ولتلجأ إلى التفكير في الأسوأ إن فعلت ما يغضبهم". العبارة الدارجة( اللي عقله في راسه يعرف خلاصه) تنقل تلك البصمات المطموسة لعنف السلطة. حتى أنَّ هناك جملة مكملة لمن يفعل ما يؤمر دون مسؤولية:" أنا عبد المأمور".

والمدهش أنَّ العبارة توثق القهر عن عمد دلالي خفي. فاللغة هي أقرب الكائنات الكلية التي لا تضيع البصمات من مسرح الجريمة الثقافية أيا كانت. فإذا كان العقل هو مناط التأمل وإعمال الفكر، فالقضية أنَّ هناك خلاصاً، أي اللجوء إلى الموازنات التي يتم من خلالها اختيار البديل الأقل ضرراً. ولكن من يحدد البدائل ويفرض الاختيار؟ إنها السلطة... إذن ليست المسألة اختياراً وتحرراً، إنما اكراها بطريق أوسع إلى حدٍّ ما. ومن ماذا يكون الخلاص، ولماذا جاءت مفردة الخلاص ما لم يكن ثمة اختيار أعظمه مر؟!

ولكي يسدد ابن خلدون تبعات الفكرة في لا وعي القارئ، يؤكد ضرورة السلطة بحتمية الاكراه على التعاون. وذلك كي تتم الحكمة الإلهية، ذلك دون أن يسأل ما هي الحكمة الإنسانية في هذا كله؟ وهل هناك تلاعب بتلك الحكمة إذا أرجعنا الأزياء الثقافية إلى السلطة؟ أي أنَّ بقاء النوع من عدمه مربوط بالعلة من وجوده. وهذه خطوة ميتافيزيقية ترسخ التراتب وتروج لعمليات الاحتيال السياسي. لأنها تنهض على تزييف عناصر الخلق قبل وبعد الأزياء السياسية. إن ابن خلدون يفصل الخطاب الديني على مقاس القهر الاجتماعي ويضيقه حسبما تشاء السلطة وكما تريد.

ليس هذا فقط بل يغلق ابن خلدون الباب وراءه دون أن يسمع لأنين المظلومين خاتماً المشهد بنص قرآني. فحواه كما ورد بالأعلى: أنّ الله هو السبب في رفع الناس فوق بعضهم البعض.. ولا يعنيه– ابن خلدون- أنه قال إن هناك فكراً وتعقلاً واختياراً يميز النوع الإنساني دون سواه. والآية تبرز ما لم يبرزه ابن خلدون وبخاصة أن الأخير يدرك حيل اللغة وهيمنتها في فتح قناعات خادعة مثل: إرادة السلطة من إرادة الله، طاعة ولي الأمر، الرضا بالأوضاع لأنها من أقدار السماء. الصبر مفتاح الفرج، الأجر مهما يكن لا يوفي حق الصابر. وذلك في خلط وهمي بين السياسة المتغيرة وأحوال الحياة. ومع اغلاق أبواب النصوص يحل الظلام ليغتصب الحاكم سلطة المقدس وليبطش بالرعية دون حدود. والموازاة الضمنية بين قوة السلطان وقوة الله تعطي أملاً في رحمة مشتركة بينهما، لكنها تؤدي بالنهاية إلى نفس النتيجة. وتؤكد أن سلطة الحاكم في الثقافة العربية مطلقة إلى درجة التألُّه. ويغدو التملق لونا من ألوان الدعاء السياسي له من أجل الصفح والغفران.