الأذن

محمد الذهبي
2018 / 2 / 5

الأذن
محمد الذهبي
ليس كما كان يفعل الراهب في قصة الأنف للكاتب الياباني ناكاتاغوا ، حيث يبدو متضايقاً من انفه الذي يتدلى على صدره، يضايقه في تناول الطعام ويحمله في الطريق وكأنه قطعة ورق تهفهف مع نسائم الهواء، الأمر لا يبدو كذلك مع المرشح الذي وضع أذنه المقطوعة أول شعاراته الانتخابية، والثقل الأكبر الذي سيحصد به الأصوات، انه ليس كمفتش الكليات الذي فقد انفه في قصة غوغول (الأنف)، وراح يعلن عنه في الصحف ويبحث عنه في الطرقات، الأمر مختلف هذه المرة، فالأذن المقطوعة صارت تشير إلى حجم المعاناة والمعارضة في زمن النظام السابق، مع ان غالبية الهاربين من الخدمة العسكرية الالزامية كانوا يهربون ويسلكون طرق منحرفة ، في حين ان النزر اليسير منهم كان يمتلك رؤية إنسانية لا تبيح له قتل الآخر من اجل صناعة مجد زائف في انتصار معركي موهوم، قطع الأذن قانون اصدر في تسعينيات القرن المنصرم، ولم تكن هناك حرب كحرب الثمانينيات، كانت معارك قليلة تشتعل ولا تلبث أن تنطفىء بإرادة أميركا ذاتها، وأكثر الهاربين في تلك الفترة كانت أسبابهم اقتصادية ، فهم لا يمتلكون أجرة النقل للالتحاق إلى وحداتهم، وكم صادفنا من الجنود المرتدين للبزة العسكرية وهم يتسولون قرب كراج النهضة، وصدام كان يعرف هذا جيداً، ولذا قطع صيوان الأذن للتشويه فحسب، فراح مقطوعو الأذن إلى لف اليشماغ على رؤوسهم لمداراة التشويه الذي أحدثه صدام.
لم يكمل دراسته، ولم يكن مثقفاً، كان يمتلك أُذناً مقطوعة يقارع بها هنا وهناك وهي مساحته التي يستطيع بها القفز على المناصب، الكثير يمتلكون تاريخياً سياسياً ، بعضه مشرف والبعض الآخر غير مشرف، لكن الاثنين يندرجان تحت يافطة التاريخ السياسي، البعض الآخر لا يمتلك أذناً مقطوعة ولا تاريخاً مشرفاً أو غير مشرفٍ، ربما هذا البعض امتلك شهيداً أو شهيدين في العائلة، كما نجد في بعض وكلاء الوزارات ، هو يختلف يحمل تاريخه على جانب رأسه، ولم يعد مضطراً أن يغطيه كعادته في السابق بيشماغ، وكم طلب منه ابنه الصغير أن يذهب الى المانيا للتجميل، رفض بشدة وهو يقول: كيف لرجلٍ مثلي أن يمحو تاريخه، إنها سنين من النضال والحرمان، كان صاحب الأذن المقطوعة مشرداً، لا يستطيع ان يعمل بأي مكان، نبذه المجتمع بعد أن وسمه صدام كالعجول، وها هي فرصتي قد جاءتني مسرعة، هكذا كان يفلسف الأمور، ويعتبر أن أذنه المقطوعة هي الرصيد الأكثر والأوفر حظا في معركته الانتخابية، لو تصورنا ان جميع المرشحين للانتخابات جاؤوا مقطوعي الأذن، فأي مجلس نواب سيكون لدينا، ربما يكون شبيها بمدينة العوران التي لا يدخلها احد حتى يفقؤوا عينه، وربما اقتنع هذا المجلس بالتالي ان يضع على جدول أعماله قطع أذان الشعب العراقي كمدينة العوران، عندها سيصوت المجلس بالغالبية الكبرى او العظمى، ولن تنسحب اية كتلة ، لان الأمر لا يشبه قانون حماية المعلم الذي يرفضه نقباء كثيرون ويعتبرونه دعاية انتخابية للعبادي، وكذلك لا يشبه قانون الموازنة، انتم على موعد مع برلمان جديد، سيكون مختلفا شكلاً ونوعاً وهذا البرلمان سيكون معنياً بالأذن العراقية عناية كبيرة، أسباب قطعها، ما تسمع وما لا تسمع وأمور أخرى.