السياسة في بلاد النخاسة.

عباس علي العلي
2018 / 2 / 5

يقول السماوردي في كتابة السياسة في بلاد النخاسة أن أول من سخر من عقل الإنسان هو إبليس وأول من صدق الكذبة هو إبليس واأول من فرح بخروجه خاسرا من حلبة النزال إبليس، ويمضي العلامة السماوردي أن كل ذلك كان بمحض إرادته ولم يدفعه أحد ليكون غير ذاته، ويستطرد في شرح حياة هذا الكائن الغريب الأطوار أنه بالرغم من كونه كان عابدا بمعنى أنه كان عاقلا ومدركا لحجم الخطيئة بالضرورة إلا أنه لم ينتهي كما أنتهى الإنسان الضال أما مستغفرا ربه تائبا أو نادما قنوطا لفرط ما يدفعه عقله من عقاب وعتاب وعذاب، ويرى الشيخ الجليل في ذلك محض عناد أهوج لا يمكن أن يكون نتاج عقل سليم ولا إيمان حقيقي مع أن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور لكن تأملنا للقضية يثير سؤلا عميقا في طول قضية الله لا في عرضها وهي هل أن الله خدع إبليس أم أن الأخير هو الذي كان مخادعا فلا يظهر على خداعه أحد؟.
السياسة في جبلتها الطبيعية ليست أكثر من مراعاة للتوازن بين ما يمكن وما يجب وما لا يستوجب بحيث تنتهي النتيجة في كل الاحوال إلى رضا ما أو نقمة ما، فهي بيع وشراء ولغة سوق للمصالح والمطامح، فمن لا يغلب بضم الياء لا يغلب بفتحها، ومن لا يشتري لا يمكنه أن يبيع بضاعة لا يملكها، فهل كان لإبليس تجارة أو سياسة أو منهج من وراء تمرده هذا على عقله وكينونته قبل أن يكون ذلك ضد الله وخداع له، فمن يسير عكس تيار العقل والمنطق ويتجه نحو اللا معقول لن يكون سياسيا ولن يصلح للتجارة أو حتى ليكون دلال في سوق النخاسة حيث يبيع الإنسان أخيه الإنسان لأخ لهم ثالث وتنتهي الحكاية على هذا الجنون والعبث.
ويضرب السماوردي مثالا عاشه في بغداد حين كان واحدا ممن سكنها وساكن أهلها خيرهم وشرهم، أنه رأي العجب المستعجب منه حيث تدور معارك سياسية بين تجار وفجار وأحجار وكل منهم يدع أنه قريب من الله بعيد عن إبليس خادم للناس أمين على الأموال شريف عفيف نظيف اليد واللسان، حتى سأل عقالها ومجانينها هل هؤلاء الذين يتاجرون في أسواق النخاسة من القادة والساسة كلهم على حق، فقال له قاضي القضاة وراهب الأشراف نعم أنه كذلك والحق يتسع والباطل هو من يضيق بأهله ويستضيق، لذا تجد الناس كلها تصفق وتعلن فرحتها في كل دار ومنزل وفي كل جامع وحانه، فهم على دين ملوكهم وخير ما خيروهم أنهم أهل رضا الله بالرغم ما قيل ويقال عنهم وبالشواهد والمشاهد، فبغداد تحاصرها الأوبئة وتعمرها المزابل وفقرائها أكثر من ملائكة السماء وفي الملأ الأعلى، ومع ذلك لا يؤاخذهم الرب ولا يسأل ذوي الشأن عن الشأن والأمور تجري كما يطمح الطامحون.
ما يورده الشيخ العلامة بعضا من صور هزته ولم تهتز عقول البعض بالرغم من أن الرجل لم يكن بغداديا ولا عراقيا ولا حتى بذي دين ولم يك موجود أصلا، فهو يكتب من منفاه الذي أختاره بعد أن بلغت حكاياته الراهب الأعظم والحبر الأقدس وصاحب الجند والشرطة في دولة الأمراء بعد أن تقاسمها الأقوياء كل حزب له ساحة وكل أمير له مساحة والملك نائم في قصر السلام مطمئنا أمنا بعد أن شاعت العدالة في الرعية وأسترعى فيها من لا يقصر في مهمة ولا يعث في فاسد ما فسد، يأكل ويشرب وينام ويتلقى الأخبار الجميلة في كل صباح من الحاشية والبطانة بأن السماء زرقاء وما زال دجله يواصل سيره للبحر دون إنقطاع، والطيور البرية قد قاطعت أرض العراق فزادت الخيرات بما لم تأكله هذه الكائنات المهاجرة التي تستبيح أرض العراق في الشتاء أو الصيف دون أن تدفع المقسوم.
ما لا يعجبني في كتاب السماوردي أنه متشائم أكثر من الحد اللازم فالسياسة فن إبليس نعم ولكنه بعد أن قضى كل هذا العمر في حث الناس على منهجه عاد من جديد تلميذا يتلقى علومه في مدارس سياسة أهل الشأن في بلادي، ينتظر أن يمن عليه سيد من السادة أو قائد من القاعدة شهادة تأهيل أو ربما تركية له أنه على نهجهم سائر وفي مدرستهم قد حصل علومه وينتظر مع المنتظرين، فما في بغداد اليوم ليس في بلاد الكون كلها مثله من التألق والتعلق والتفنن والتخصص في تدريس علوم النخاسة أبتداء من شرط عدم الحاجة للطهارة وصولا إلى أشتراط تعمد النجاسة لمن أراد بلوغ ناصية السياسة في الحزب أو ناول الكياسة.
وما لا يعجبني فيه أيضا أنه يلمح بالإشارة الخفية على دعاة العصبية من تجار القضية على أنهم لا يحركون ساكن ولا يظهرون حق ماكن، فهم مدلسون في رسم الوجوه ختالون ومختالون في أظهار زيف الحال رؤوسهم كبيرة من دون الناس حتى وصل حجم ما يغطونها من ملبس بقدر ما تتغطى فيه مدينة بكاملها من أفخر اللباس وأرق إحساس، تكفي ستر كل عريان لا يجد ما يجب أن يوجد على سوأته والعورات، فلسفتهم تقوم على أن الكرام يكرمون لأن الله أراد لهم ولم يريد لغيرهم نعيم، فلو كان الله قد فعل فالأولى به أن لا يعطيهم ويمكنهم ويترك أخرين، وبما أنهم مؤمنين لحد المطلق فلا يفعلون ما لا يفعله الله، وعلى العريان والجوعان والمريض أن يبقى كما أراد الله له وها هو العدل المطلق كما يزعمون، فلماذا تحتجون وتصرخون وتولولون في كل أجتماع وتتهامسون بينكم تريد حرابنا ومقاتلتنا على نعيم الدنيا، ذلكم ربكم وأفعلوا ما يحلو لكم معه ولا نمنعكم ولا نصدكم بل نحن هنا جالسون ننتظر ما تقعلون وماذا يفعل ربكم الذي عليه تعولون.
على كل حال قرأت لكم قليلا من كثير وموجز ما ينبهكم على أن السياسة اليوم كما في الأمس فرعا من فروع ثقافة النخاسة، يباع فيها الإنسان ويشترى كما تباع فيها القيم والضمائر، الحر من تحرر من خوفه الدائم من أن الله أراد لنا هذا وما من خير غيره، والكريم من أعطى لعقله ما لا يعطي لنفسه فيعقلها عن هواها الذي فيه طبع النخاسة ويجعل للعقل سلطان دائم، يا سادتي لو تركت الدنيا على هواها ما شب فيه بشر ولا سكن فيها حجر ولا طار فيها ذي جناح، الحياة بالنسبة للإنسان كتمثال من طين تصنعه بيدك وتجعل له ما يعجبك وغيرك، تتحسس فيه أن لا يخرج مشوها ولا ناقصا ولا قليل التأثير، لأنك في سباق لصنع الأجمل والأكمل والأشد أثارة لتنال الفوز وتظفر بجائزة التفوق وتجعل مما صنعت قاعدة لتنجز غيره والأفضل منه فما صنعته اليوم لا يمكن أن يكون صالحا للغد لأنك أمتلكت تجربة وتفوقت على أمسك فلا بد أن تضيف لما عندك ما فزت به فتركم هذا علة ذاك وتكون من أهل الذوات وتجدد في الحياة شروطها وتترك إبليس فهو ليس أكثر من وحش زرعه البعض في عقلك لتكون من الأخسرين.
بالمناسبة لا يوجد كاتب لا قديما ولا حديثا باسم السماوردي ولا كتاب باسم السياسة في بلاد النخاسة كما لا يوجد كائن أسمه إبليس يدرس في حوزات وجامعات العراق إنما هذه من مفتريات الكاتب.