قراءة جديدة للقضية الفلسطينية (*) في ضوء تساؤلات البدائل المطروحة للحل (1)

فتحي علي رشيد
2018 / 2 / 5

مقدمة :
قد تكون الإجابة على سؤال مالعمل أو ماهو البديل عن السلطة الفلسطينيية وغيرها من السلطات العربية , من أصعب الأسئلة التي يمكن أن تطرح على أية جهة ثورية أومعارضة لهم !. ولكي ندرك حجم السؤال وأبعاده , نشير إلى أن هذه السلطات لم تأت بين يوم وليلة , بل نتيجة لظروف دولية وإقليمية ومحلية عبر معطيات تاريخية فكرية واجتماعية وسياسية معينة أدت إلى الأحتلال الغربي لبلادنا بعد الحرب العالمية الأولى (1) . فكماجاء بعضهم للعراق ـ على ظهور الدبابات الأمريكية وفي عام 2003,وتحت سمعنا وبصرنا . علينا أن نعرف أن أغلب حكامنا جاءوا تحت حراب القوات البريطانية ,بعد عام 1918في ظل هيمنة القوى الاستعمارية على العالم . وبعضها جاء بعد عام 1945في ظل الهيمنة الأمريكية , التي ماتزال مستمرة حتى يومنا هذا بأشكال مختلفة . لذلك فإن إيجاد بديل عنها ,أو تغيرها لايمكن أن يتم خلال فترة قصيرة , أو بتلك البساطة . بدليل أن ثورات الربيع العربي التي حصلت منذ سبع سنوات رغم ماقدمته شعوبنا من تضحيات جسام لم تتمكن حتى اليوم من تغيير أبسط أشكال الهيمنة والاستبداد التي فرضتها أمريكا.
ماذا نفعل نحن كشعوب ونخب ثورية ,لتغييرهذا الواقع الذي فرض علينا أو انتهينا إليه بسبب هيمنة تلك القوى على شعوبنا وبلادنا ؟ كيف نسقط على الأقل القيادات العميلة والمأجورة والتافهة ؟ وبشكل خاص تلك القيادة الفلسطينيية الخائنة لشعبها وقضيته العادلة ؟ (2)
ولكي لا اتهم بتوصيفي السابق لهذه السلطات بالتجني عليها دون غيرها , أوضح أيضا ان العمالة والتبعية ليست مقتصرة على السلطات المتحكمة بالشعب الفلسطيني والشعوب العربية والإفريقية والآسيوية فحسب , بل تنسحب أيضا على أغلب الشعوب والحكومات الأوروبية . فالكل يعرف أن قوات الاحتلال النازية عندما احتلت فرنسا , بلد الثورة والحرية فرضت حكومة "فيشي " العميلة . وبأن هذه الحكومة لم تأت من الخارج , بل حكومة من الفرنسيين .الأمر ذاته حصل في بولونيا وبلجيكا ورومانيا وبلغاريا .إلخ .وهو ماحصل في جنوب لبنان ( جيش لحد ) وفي سوريا عندما احتلتها فرنسا وشكلت مايسمى جيش الشرق المكون أغلبه من أبناء الأقليات والطوائف والزعامات الموالية للاستعمار . حتى عندما هيمنت حكومة فيشي في فرنسا تغيرت بنية الجيش والحكومة السورية فأصبحت تابعة لحكومة فيشي الخاضعة للألمان .لذا يفترضأن لانندهش إذا الاحتلال الاسرائيلي يفرض أدواته في المناطق المحتلة .
ونذكر أنه عندما جاء الأمريكان عام 1945 وطردوا الألمان فرضوا حكومات تابعة لأمريكا في كل أوروبا ,وفرضوا بالتالي حكومات تابعة لهم في بلادنا .كذلك فعل السوفييت في أوربا الشرقية .
ونذكر بأن كل حكومات أوروبا حتى اليوم ـ لاتستطيع أن تخرج عن إطار ماتريده أمريكا طالما أنها ماتزال تقع تحت حماية المظلة الأمريكية العسكرية .ومن ثم فإن الحكومات العربية التي خضعت للإحتلال الفرنسي أو البريطاني أو الطلياني بعد الحرب العالمية الأولى نقلت ولائها بعد الحرب العالمية الثانية من أوروبا إلى أمريكا . ومع تأكيدنا على المشروعية المطلقة لطرح سؤال ماهو البديل ؟ إلا أننا لابد من أن نسجل الملاحظات التالية :
أولا :التقبل وفهم بأن طرح أي بديل من قبل أية جهة معارضة لتلك السلطات لابد أن يحتوي على ثغرات معينة , ولابد أن يلقى اعتراضات كثيرة من جهات عديدة , كون شعوبنا مكونه من جماعات ذات مشارب اجتماعية مختلفة , وتحمل كل منها توجهات فكرية وسياسية متباينة بل ومتناقضة . لذلك فإن البديل المطروح من قبل أية جهة كانت حتى لو كانت تمثل مطالب الأغلبية ,ومهما كان هذا البديل صحيحا وجامعا ومُوَحداً ,لابد أن يلقى معارضة شديدة من جهة أوعدة جهات ولابد أن يواجه بحجج قوية ,مما يوقع الجهة المعارضة التي تطرح البديل في حرج , وبما قد يجعلها تبدوا منحازة فيوقع بيدها .وتصبح موضع إدانة واتهام ,(وهناك أمثلة تاريخية وحديثة تؤكد ما ألمح اليه) مما قد يجعل الجماهيرنتيجة لوجود مثالب في أي بديل مقترح قد يدفعها الى الايمان بأنه ليس أمامها إلا القبول بهذه القيادات رغم أنها عميلة وفاسدة وهنا تكمن الخطورة التي علينا أن نعي جميعا أبعادها.
فمثلا , لوقلنا للفلسطينيين أن البديل ليس بعيدا عنهم . وبأنه يتجسد أمامهم فيما حصل في غزة التي تحررت عام 2004 من الاحتلال الإسرائيلي بفعل المقاومة الشعبية .سنجد من يقول : أنت إذن من مؤيدي حماس والجهاد , ويبدأ بتعداد الفروقات بين الضفة وغزة, والمثالب والنواقص والعنات التي يعاني منها مواطني غزة تحت حكم حماس , والتي لاتقل عن مثالب سلطة الحكم الذاتي القائمة في رام الله (العاصمة الفعلية للسلطة في الضفة الغربية ) .
ولو قلنا لنسلك الطريق الذي اتبعه حزب الله في جنوب لبنان . سنجد من يقول لنا أن لبنان كان مفتوحا على سوريا وإيران .ومن يتهمنا بالترويج للتعامل مع حزب الله وإيران , ويبدأ بتعداد مثالب هذا الحزب والجرائم التي ارتكبها هووإيران ضد الفلسطينيين والسوريين ؟ وإذا قلنا لنتبع ماتطرحه الفصائل الفلسطينية الموجودة في دمشق . سنجد من يقول لنا : هؤلاء مزاودين وتابعين , للنظام السوري المجرم والقاتل .ويذكرونا بجرائم هذا النظام في تل الزعتر وصيدا والبارد ..إلخ . ومن يقول : بأنه إذا كان هذا النظام مازال يقتل شعبه اليوم متلحفا بهذه القيادات , فلن يكون لاهو ولاهم رحماء بنا فلسطينيي الارض المحتلة .
مما قد يجعل من أي جواب على السؤال الصعب وسيلة لإفشال أي بديل مقترح حتى لوكان صحيحا ويجعل من الرضوخ للواقع القائم وللقيادات العميلة أمرا منطقيا أكثر , بل ومقبولا .
لهذا فالجواب على سؤال ماهو البديل وتقديم بديل سريع , يصبح من الناحية المنهجية خطأ , كونه يقدم حلا لمشكلة مستعصية منذ سنين .وكما فشلت تلك الحلول في الماضي ولم تلقى قبولا , أولم تجد طريقا لها لترى النور, فسوف تفشل البدائل المقترحة , كما فشل غيرها سابقا .باعتبار أن سلطة رام الله لم تأت اليوم أوعام 1993 نتيجة لنقاش ديمقرطي وحر بل فرضت فرضا نتيجة لهيمنة قوى معينة على القرارالفلسطيني منذ مئة عام أو على الأقل منذ عام 1968 عندما فرضت الأنظمة العربية هيمنة المنظمات المسلحة على منظمة التحرير. ولكون المسألة ليست رد فعل على ماأحدثته صفعة "ترامب " اليوم فقط .لذلك فإن الإجابة على سؤال ما البديل , يمكن أن يعتبربمثابة مصادرة مسبقة لمواقف سابقة ,أوحلول قديمة فشلت في مواجهة قضية جديدة . فيصبح أي بديل جديد مقترح , بديل قديم وبال وفاشل , وموضع شبهة لدى السائل ( الباحث عن حل أو بديل ) مما يجعله يتوصل إلى القول : ليس أمامنا إذن إلا القبول بهذه القيادة رغم معرفتنا بأنها عميلة ,وبما أن تلك الحلول السابقة فشلت فليس أمامنا إلا الرضوخ لما هوقائم .كما أن طرح أي مخارج قديمة , لكونها فقط لم تجد طريقا لتسود يتضمن تجاهلا لوقائع جديد ة وتغيرات كبيرة حصلت على أرض الواقع, ولدى أغلب فئات الشعب , بعد أن (غيبت أو قتلت أواستبعدت أواعتقلت ) أغلب قياداته الوطنية الشريفة .وهنا تكمن المصيبة التي كثيرا ماتتكررنتيجة لطرح بدائل قديمة .أومتسرعة أو مطبوخة على عجل في واقع متغير .
ثانيا : البديل الذي طرحه محمود عباس ,والوارد في قرارالمجلس المركزي والمتمثل "بجعل كلفة الاحتلال باهظة " هو بديل صحيح دون مبالغة !!!! . لكن يفترض أن يتم تحت إشراف قيادة ثورية (أو قيادة شريفة) ومنطق بديل , مخالف لمنطق التمسك بالنضال السلمي فقط بناء على ما أكد عليه عباس
اذ نذكر السيد محمود عباس ومجلسه المركزي بأن حصر مقاومة العدوان والتوسع والاستيطان بالنضال السلمي فقط هو, بحد ذاته عدوان على البشر . حيث أكدت الدراسات العلمية والنفسية أن ردود فعل البشر على الخطر تتفاوت بين فرد وآخر فهناك من يخاف ويهرب ومن يتجمد . وهناك من يواجه ويشد أعصابه ويستعد للمواجهة ومن يستعمل كل ما يقع أمامه من أدوات لمواجهة الخطر.ونذكرهم بأنهم إذا كانوا يخشون أن يتهموا بالإرهاب , فإن المادة رقم 51 من ميثاق الأمم المتحدة تعطي للأفراد والجماعات حق استخدام القوة كأحد وسائل الدفاع عن النفس في مواجهة العدوان والاحتلال والإرهاب . وبأن القرار رقم 2787 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1971 يعطي شرعية مطلقة لنضال الشعوب في سبيل تقرير المصير والتحرر من الاستعمار والاحتلال والتسلط الأجنبي بما في ذلك وتحديدا شعب فلسطين .فإذا كانوا يخشون لوم أوروبا لهم فليطلبوا منها تغيير الميثاق والقرارات الدولية . ونذكرهم بأن الحزب الشيوعي الإسرائيلي ( وليس الفلسطيني ) في بيان له صادر في حيفا عام 2017 ( وليس في رام الله ) يدعوا الجماهير العربية ( حتى اليهود ) إلى تصعيد كل أشكال المقاومة , وبكل الوسائل وعلى جميع الجبهات لمواجهة الحكومة اليمينية المتطرفة في إسرائيل فهل اصبح عباس وجماعته مدافعين عن إسرائيل أكثر من الاسرائيليين ؟ . فلماذا يريد عباس ومجلسه حصر النضال الفلسطيني بالسلمي فقط ؟ وإذا كانوا محبين للوسائل السلمية فلماذا لايطلبوا من إسرائيل أن تتوقف عن استخدام الرصاص في مواجهة الأطفال ؟
ونعود لنؤكد على أن طرح أي بديل لابد أن يستند قبل طرحه على قراءة متأنية وشاملة للواقع الدولي والإقليمي والمحلي الراهن , بما يؤدي إلى توسيع مجال الرؤية قبل طرح البديل .. وعلى معرفة بتفاصيل وبنية المجتمعات والأحزاب والقوى السياسية القائمة , والتغيرات الحاصلة فيها .
لهذه الأسباب وغيرها , فإن السؤال بدلا من أن يكون ماهو البديل يفضل أن يكون أو أن يتحول إلى سؤال آخر : ما العمل ؟ وهذا طبعا لايمكن أن يتم في مقال أو بحث , إن لم نقل أنه يتطلب كتابا خاصا . ونحن إذ نستعرض في هذا المقال , وفي عدد من المقالات أو الأبحاث التي سنقوم بنشرها لاحقا . الخلفيات التاريخية والاجتماعية والفكرية والسياسية السابقة التي أو صلت هذه الفئة من البشر إلى السلطة , والتي تجعل منها مستمرة حتى اليوم . فإنما نهدف إلى الإحاطة الشاملة بكل الوضع الفلسطيني من خلال وضعه في مكانه الصحيح في الإطار العام للعرب والعروبة مهما كانت أوضاعها سيئة (ماكان يطلق عليه مصطلح النضال الوطني التحرري والقومي للفلسطينيين والعرب ) .ضمن إطار حركة (التحرر الوطني والقومي العالمية سابقا ) , وفي إطارالحركة المعادية للعنصرية والأمبريالية والعولمة والأمركة حليا ( سابقا الحركة الثورية العالمية المصابة حاليا بانتكاسة خطيرة ) . لذلك سيكون من الأفضل عدم تصور وجود إجابة (جاهزة )!!! في ظل الواقع المتردي لحركة التحرر القومي والإنساني للعرب .والعمل أساسا يتطلب توافق جماهيري وتوحيد الصفوف من خلال تكثيف جهود واجتماع عدد من الباحثين والسياسيين والمفكرين العرب والفلسطينيين الممثلين لهذا الشعب المقاوم الصامد ,وما أكثرهم .وبما أن مثل هذا الأمر لن يتحقق بسهولة . لكن على الاقل من الهام حاليا ومن منطلق قراءة جديدة للقضية الفلسطينية أن نوضح عددا من الأمور المنهجية والنظرية والتاريخية والفكرية والسياسية الأخرى قد تساعد في طرح البديل المناسب لاحقا .(3)
1: تعقيدات البديل أو الحل المناسب للقضية الفلسطينية ينبع من الخصوصية المطلقة لها دينيا و تاريخيا و ثقافيا وشعبيا .ومن واجبنا التأكيد على أن تاريخ الثورات يعلمنا أن أية انتفاضة أو ثورة لإي شعب وفي أي مكان في العالم إذا ما تمت في ظل قيادة عميلة أو مأجورة أو متواطئة أو متخاذلة لن تؤدي إلا إلى الفشل والخذلان وهذا ماحصل معنا في التاريخ أكثر من مرة , وكان سببا غير مباشرا فيما وصلنا إليه اليوم. فالشرط الأساسي لنجاح أي ثورة او انتفاضة يتمثل (عداعن الأيديو لوجيا ) بضرورة وجود قيادة وطنية شريفة ونظيفة وثورية ترتفع إلىى مستوى تضحيات شعبها إن لم يكن أكثر وهذا ماكان ومازال ينقصنا .
ومن الخطأ في ظل الواقع الراهن جر الشعب المقاوم الى حلول قد تزيد من معاناته وتجره الى مزيد من الاحباطات وبالتالي التنازلات ولتوضيح هذه الفكرة على سبيل المثال دعى السيد حسن نصر الله ,وتوابع النظام السوري الفلسطينيين المقيمين في دمشق ولبنان , ومن خلفهم ومن أمامهم إيران وكل من يزعمون أنهم يشكلون حلف المقاومة في المنطقة . والذين دعوا الشعب الفلسطيني إلى القيام باتنفاضة ثالثة . وهم بذلك دون أن يدروا يسقطون عن أنفسهم صفة الحلف المقاوم ,وينحون عن أنفسهم مهمة التصدي للاحتلال , ويتنصلون من المشاركة الفعلية والانخراط الفعلي (وليس بالكلام والخطابات فقط ) في عملية التصدي لقرار ترامب ولما سينتج عليه من آثار بعيدة المدى عليهم وعلى شعوبهم . عدى عن كونهم يتجاهلون حقيقة كونهم أحد أسباب المشكلة القائمة . وهم إذ يتجاهلون أن الشعب الفلسطيني الأعزل والمقاوم في الضفة الغربية (بعد أن ترك وحيدا ) لن يقدر على مواجهة الاحتلال الغاشم الذي عجزوا هم وانظمتهم عن مواجهته .أي أنهم بدعوتهم تلك يدفعونه دفعا للموت والانتحار,بما يؤدي في المحصلة إلى الركوع . فهم كغيرهم من المزاودين يتجاهلون أن سبع سنوات من الانتفاضة الأولى قد كسرت ظهر الشعب الفلطسيني , وهم يتفرجون عليه وهو يقتل ,مكتفين بالتصفيق والهتاف له من بعيد لبعيد .كما يتجاهلون أن القيادة الفسلطينية اتخذت من سبع سنوات من انتفاضة الشعب الباسلة حجة وغطاء للانخراط في مسيرة التسوية (التصفية ) التي توجت باتفاق أوسلو الخياني . ويتجاهلون أن الانتفاضة الثانية تمخضت عن تكبيل الشعب الفلسطيني باتفاقيات طابا وشرم الشيخ الأمنية واتفاق ميتشل وتقرير فينوغراد .التي كما أوضحت في مقالات سابقة في صحيفة الكفاح العربي من عام 2002 إلى 2004 , جاءت لسد الثغرات الحاصلة في اتفاق أوسلو بما يمكن قوات الاحتلال من فرض مزيد من الرقابة والقيود على السلطة القابعة في رام الله ,ومن خلالها على غالبية أبناء الشعب الفلسطيني .
2: لقد دعى البعض ( عبد الباري عطوان وبعض قادة فصائل دمشق وغزة ) القيادة الفلسطينية إلى الاستقالة أو إلى التخلي عن اتفاقيات أوسلوا والعودة إلى النضال أو في التحول من سلطة بلا سلطة ( كما أكد على ذلك رئيسها أكثر من مرة ) إلى حركة تحرر .فهذه الدعوة تتجاهل طبيعة وبنية وتركيبة وارتباطات هذه القيادة ( وغيرها من القيادات العربية ) التي لايمكن لها أن تتخذ مواقف مغايرة أو معاكسة أو مناقضة لبنيتها وتركيبتها وطبيعتها ولما تربت وشابت عليه , ولما اتخذته من قرارات مدمرة . وهي عندما اتخذت قرارات غائمة وغير حاسمة لقضايا تتطلب مواقف حاسمة (كما حصل مؤخرا في المجلس المركزي يوم 15 / 1/ 2018 ). فإنها تتيح للعدو كما فعلت سابقا , تمرير مايريد وفي الاستمرار بمخططه التوسعي . وهي في أحسن الأحوال لن تقدر على اتخاذ أية إجراءات إلا لتحسين مواقعها وتجميلها في أعين جماهيرها .( بعد أن سقطت وكشفت عن عريها الفاضح ) . لذلك فهي لن تتخلى عن مواقعها ولا عن الدور المرسوم لها إلا بالقتل أو الموت . وعلى فرض أنها قتلت أوغيبت كما حصل مع السيد ياسر عرفات فالبديل كان محمود عباس والبديل عن عباس لن يكون "مروان البرغوثي" ولا أحمد سعادات (القابعين في سجون الاحتلال ),بل أحد كبار المنسقين مع قوات الاحتلال أمثال الرجوب أو نبيل أبوردينة أو محمد دحلان .الذين سيفعلون مافعله معاوية عندما اتخذ من الكشف عن قتلة عثمان ذريعة لتسلم الخلافة بدلا من علي .
3: لابد أن نذكر بأن أي حل من الحلول الأقرب إلى الصحة اليوم سوف يعاني مما عانت منه حلول سابقة كانت في حينها أسلم من الحلول التي مررت . وستجد معارضة قوية لها من قوى مزاودة تزعم الشرف والوطنية .ونذكر بما حصل عندما طرح الشيخ عز الدين القسام عام 1933 الحل القائم على أن مواجهة قوات الاحتلال البريطاني يجب أن تعطى الأولوية على مقاتلة المهاجرين اليهود ,( كونها ملتزمة بإقامة وطن لليهود فإذا هزمناها سنهزم المشروع الصهيوني من جذوره ) لقي مشروعه (يومها ) معارضة شديدة من قبل أغلب الأحزاب الفلسطينية ,وبخاصة مايسمى الحزب العربي . ومن ثم تآمروا عليه وقتلوه غيلة .ونحن نرى اليوم أن الشعب الفلسطيني اليوم بات أكثر من غيره من الشعوب (بسبب اللجوء والشتات والتشرذم والافقار والتجويع والحصار ) ممزقا ومدمرا من الداخل حتى بات من السهل خداعه وتمرير الحلول الخاطئة عليه أكثر من الحلول الصحيحة .بحجة عدم وجود بديل أو عدم إضاعة الفرص .
وسأورد بعض الامثلة التاريخية على عجالة لبعض الحلول التي تم طرحها لمعالجة القضية الفلسطينية قبل النكبة وما بعدها والتي كانت غالبا ترفض وتجد ما يبرر رفضها ) بما في ذلك ما جاء في اتفاق كامب ديفيد حول الحكم الذاتي لفلسطينيي الضفة وغزة عام 1978 لتوضيح كيف ان بعض الحلول التي تم طرحها فيما لو تم الاخذ بها لكان وضع الفلسطينيين ربما أفضل بكثير مما نحن فيه بسبب التنازلات التي اقدمت عليها القيادة الفلسطينية عام 1993 من خلال اتفاق أوسلو . أو مما قبلت به عام2004 وأفضل مما انتهينا إليه الآن ( شبه دويلة مجزاء ومجردة من كل مقومات الدولة ,على أقل من 12% من أرضنا ) .
فعلى سبيل المثال بعد أن طرح الإنكليز الحل الذي وافق عليه حزب الدفاع الفلسطيني عام 1933 ( تشكيل مجلس تشريعي في فلسطين يحتوي على ثلاثة من اليهود ومثلهم من المسيحين , وستة من المسلمين ) وجد له معارضة قوية من الحزب العربي فأسقط الحل . الأمر ذاته حصل مع قرار التقسيم الذي طرحته بريطانيا عام 1937 (إعطاء اليهود ثلث مساحة فلسطين ضمن كونفدرالية ) وتكرر الأمر ذاته إزاء ماطرحته عصبة التحرر الوطني الفلسطينية عام 1946 لحل القضية الفلسطينيية ( قيام دولة مدنية علمانية ديمقراطية , حيث كان عدد الفلسطينيين ضعف عدد اليهود ) , حيث رفضت القيادات الفلسطينية (ممثلة بالهيئة العربية العليا) الحل جملة وتفصيلا . الأمر ذاته تكرر عام 1947 إزاء القرار 181 ,الذي يعطي للفلسطينيين حق إقامة دولة على 45 % من أرض فلسطين مع حقهم في البقاء في بيوتهم وضمن أراضيهم ضمن ال55% من الدولة اليهودية , (حيث كانت أعدادهم يومها في الدولة اليهودية المزمع قيامها حسب القرار قريبة من أعداد اليهود 400 ألف عربي مقابل 550 ألف يهودي ).فرفضته جميع الأحزاب الفلسطينيية عدى عصبة التحرر الوطني وكثير من القيادات الشعبية . وهو ماتكرر إزاء ماطرحه بورقيبة لحل القضية الفلسطينيية عام 1967 .
وهذا مااكتشفه السيد "جورج حبش " المعارض القوي للقرارات الدولية ولقرار التقسيم بالذات و لفكرة الدويلة منذ عام 1974 وهذا ما جعله قائدا قوميا ووطنيا وزعيما لجبهة الرفض ,ومنافسا قويا لعرفات وفتح . لكنه للأسف بعد مقتل أبوجهاد " خليل الوزير "عام 1977الذي كان من أشد المعارضين داخل حركة فتح لمسيرة التصفية ( التسوية ) فغير موقفه فجأة . ( أو لنقل "كوًع بدلا من أن يلقى مصير "أبوجهاد " .وهو ماكشف عنه في إحدى مقالاته وعدد من مقابلاته في ذاك العام لتبرير موافقته على القرارات الدولية التي كان يرفضها جملة وتفصيلا . فتحدث عن فكرة " عدم تضويع الفرص الجيدة " لكنه للأسف اختار الحلول السيئة ,كما فعل غيره عام 1937 و1947 , و1967 وهوماجعله يوافق على القرار 338( ضمنا فكرة الدويلة ) بعد أن رفضها عام 1974 وللأسف فلقد شكل موقفه الجديد ( بعد تصفية معارضي مسيرة التسوية داخل فتح ) أساسا لتفكيك جبهة الرفض والمعارضة لمسيرة التصفية . وهو ماجعل عرفات يستند عليه ليوافق على ما قدمه له بيريز عن طريق "دينس روس" عام 1988. دون أن يلقى معارضة فلسطينيية , وهو ماعبد له لفتح الطريق للسير في طريق أو سلو. وهو الطريق الذي أوصلنا إلى مانحن فيه وعليه اليوم من تردي على المستويات كافة . بمعنى أننا عندما أردنا أن لانضيع الفرص الجيدة كما أراد حبش أخذنا بالفرص القاتلة والسيئة بل والأسوأ . فهذه البنى الاجتماعية والفكرية المفتتة والمدمرة والممزقة من الداخل والتي تسهل تمرير الشيئ ونقيضه عليها , كما فعل عرفات سابقا , وعباس ومجلسه المركزي مؤخرا ,هي ما أوصلتنا إلى القبول بما آلت إليه الأمور المفروضة علينا من الخارج منذ عام1917 . وهذا مايقودنا إلى
4: من الناحية النظرية ,و دائما وفي نفس اللحظة توجد عدة خيارات , لكن ما يجعل خيارا أو حلا معينا يجد طريقه معبدا وممهدا أكثرمن غيره ( غالبا الحل السيئ ,أوالأسوأ ) يأتي نتيجة لتراكب مجموعة عديدة من الظروف الموضوعية الدولية والإقليمية والمحلية , وبخاصة الذاتية ( درجة الوعي السياسي الداخلي المفتت والممزق , كما بينا في الفقرة السابقة ) وبسبب غياب اللحمة القومية والإنسانية (الأممية ) أو بسبب عدم العمل على تقويتها ودعمها مما كان يترك المجال دائما للقوى الداخلية المرتبطة بالقوى الامبريالية تمرير ما تريده على شعوبها. فعندما عزل عرفات ومن بعده عباس الفلسطينيين عن محيطهم العربي بحجة ياوحدنا , وبحجة النضج والخروج من تحت الوصاية العربية يكون قد "أسر " الفلسطيننين .فإسرائيل والحركة الصهيونية ليست أكثر مما يظهر من جبل الجليد على السطح ,التي تتطلب لمواجهتها تحالفا وتنسيقا أولا مع القوى العربية الشريفة وما أكثرها ,ومن ثم مع قوى إقليمية ودولية للتصدي لما خفي في العمق . بما يفهم منه أن فكرة طرح البديل أو الحل الصح ,أو عملية اختيار أوتمرير أو مرور أونجاح أي حل صحيح ,تتوقف على وعي الشعب وتلاحمه أولا , ثم على درجة تقبله واقتناعه بفكرة , ضرورة إقامة تحالفات واسعة مع قوى عديدة عربية وإسلامية , حتى لوكانت لاتدين بديننا ولاتتحدث بلغتنا .( وهذامافعله عدونا ونجح فيه ) في حين أن غياب هذا الوعي أوالوقوف ضده لدى غالبية جماهيرنا ( التي تتغنى بفلسطينيتها ) كما هو حاصل اليوم يترك المجال للقوى الداخلية العميلة لتمرر ما تسعى القوى المهيمنة على الساحتين الدولية والإقلمية خاصة الصهيونية وإسرائيل تمريره على الشعب .
فغياب القوى المحلية الواعية والناضجة والشريفة والموَحدة . يسهل على القوى المتخاذلة أو العميلة أو المتآمرة والمتأمركة والمتصهينة.تمرير ماتريده على القيادات الشعبية المحلية الجاهلة , بما يجعل بالتالي غالبية أبناء الشعب المغيبين أو المجهلين أو المخطوفين أوالمغسولة أدمغتهم , وبخاصة الجماهيرقليلة الوعي والتي تقدس القيادت (أية قيادات تفرض عليها وتصفق لها مهما كان أصلها وفصلها كما فعلت مع الشقيري أو مع عرفات أو مع عباس أو مع أي قادم , مهما كان , حتى لو كان الرجوب ) على عماها دون تفكير أو تمحيص.كما ان فرص نجاح أي حل لاتتوقف على صحته ولا على مدى الرؤية الشاملة والصحيحة التي يستند إليها فقط , بل أولا وأخيرا على زيادة وتعميق الوعي السياسي للغالبية العظمى من الجماهير الشعبية المغيبة والمهمشة . وهنا تكمن أهم مشاكلنا .وهو للأسف ماتتهرب منه كثير من الجماهير لآسباب عديدة .
فتحي رشيد
5/ 2 / 2018
• من المفيد أن نذكر بمقولة مشهورة تقول بأن التاريخ غالبا ماتكتبه القوى المنتصرة والغاشمة . وفي كثير من الأحيان من تعينهم القوات المنتصرة في الحرب ( المزيفون ) , لذلك وجب إعادة كتابة تاريخنا السابق كله , وهذا ماعمل عليه اساتذنا الكبار الدكاترة سهيل زكارومحمدمحفل ومحمد قبيسي حيث شكلوا في دمشق عام 1985لجنة لإعادة كتابة تاريخ العرب والمسلمين .أصدرت عددا من الكتب , لكن للأسف توقفت اللجنة بعد ثلاث سنوات ولم يعد لها وجود . ونحن هنا لانعيد كتابة التاريخ ( فهذا موضوع كبير ) بل نعيد قرائته .بمعنى أننا سوف نعيد قراء بعض النقاط المفصلية التي مرت على فلسطين , بهدف استخلاص النتائج والدروس المستفادة بما يمكننا من التأثير في توجهاتنا المستقبلية .
(1) فالواقع يشير إلى أن ماتسمى الأنظمة الوطنية العربية لاتختلف في شيء عن سلطة الحكم الذاتي للفلسطينيين سوى أن الأخيرة تخضع لإحتلال عسكري مباشر ,أما من حيث طبيعتها وتركيبتها فهي من طينة واحدة , ومن حيث الأداء والوظيفة فكلها تقوم بالمهام ذاتها التي تقوم بها سلطة الحكم الذاتي . وهوماأكد عليه رئيسها محمود عباس أكثر من مرة " نحن سلطة من دون سلطة " أي سلطة للتغطية على الاحتلال ومساعدته .
(2) لاأحد يصدق ( قبل عشرين عاما ) أن شخصيات مثل المالكي أوالجعفري أو العبادي ستحكم وتتحكم ببلد وشعب عظيم مثل العراق ؛الغني بخيراته وتراثه وتاريخه ونضاله .أو مثل القذافي أو السيسي أو علي عبد الله صالح , أو البشير أو بشار الأسد ..إلخ يمكن أن تحكم وتتحكم بتلك البلدان المهمة والشعوب العظيمة !!!إنها من أكبر مهازل التاريخ .
(3) فالبشر والمجتمعات لا تعيش في الفراغ بل هي واقع مادي ملموس مكون من لحم ودم ومشاعر وفكر وأحاسيس ,توجد وتتطور ضمن إطار أو إناء مكون من التاريخ والجغرافيا (الزمكان ) تتطور فكريا ونظريا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا وروحيا كلما احسنت استخدام عقولها من خلال تطبيق المنطق والمنهج العلمي ( الابستمولوجيا ) في كل شؤون حياتها .وهي إذا لم تنتج وتتبع ماينتجه المفكرين والمنظرين تحولت إلى ما يشبه الحيوانات .