مصر بين البدوى والفلآح

عبدالجواد سيد
2018 / 2 / 5

إن هذا المقال ليس موجهاً ضد أشخاص ، بل ضد ثقافات ، كما أنه من الصعب تصنيفه فى أى الأبواب ، باب السياسة أو باب الأدب ، أو باب الحزن العميق ، الحزن على ماآل إليه مصير الوطن الحبيب ، حيث أصبح البواب سيد العمارة ، وسائق التاكسى سيد الطريق، ورجل الدين هو حامى الأخلاق ، أما حامل الدكتوراة والماجستير فقد أصبحا على هامش الحياة .لقد إعتدنا أن نسب الوسط البدوى المحيط ، ونلقى عليه بكل خطايانا ، وهذا شئ مفهوم ، فلامجال للإنكار بأن ثقافة البدوى العنيف الموروثة فى الإسلام ، هى أحد أسباب إنتكاسة المنطقة كلها وليس مصر وحدها ، ولكن ماذا عن ثقافة الفلآح ، ذلك الذى زحف على المدينة ودمرها خير تدمير، ذلك الذى أنجب معظم الرؤساء وكل دعاة الدين؟
هذه إذن معادلة ناقصة ، فالواقع هو أن الحضارة الزراعية لاتقل خطورة عن الحضارة البدوية ، فإذا كانت الثانية شديدة العنف ، فإن الأولى شديدة التخلف ، تحمل معها كل سلبيات وثقافات العصور القديمة ، وتفرضها على المدينة فرضاً بإسم الدين، إن كل تاريخ مصر الحديث ، يمكن معالجته من هذا المدخل ، مدخل الصراع بين ثقافة القرية و ثقافة المدينة ، ولقد كان أنور السادات يردد دائماً ويقول ، العودة إلى أخلاق القرية ، وليس أخلاق الأفنديات ، حيث كان يعلم ، بالتأكيد ، إنه فقط من هذا الباب يمكن ممارسة الدجل والإستبداد ، كما كان ناصر يردد دائما مقولة القضاء على الإستعمار وأعوانه ، الذين هم فى الواقع أبناء المدن والخواجات، هؤلاء الذين جلبوا معهم حياة المدينة والحريات ، تلك الحريات التى لم تلائم ديكتاتورية الضباط التى مازلت تحكمنا حتى اليوم.
الحاكم ورجل الدين والفلاح ، أبناء القرية المصرية ، فى مواجهة العامل والمثقف والفنان ، أبناء المدينة ، هذه هى مصر الحديثة اليوم ، التى إنتصرت فيها ثقافة القرية على ثقافة المدينة ، هذه المعادلة المشئومة ، التى لم تنعكس فقط على واقعنا السياسى والإقتصادى المتردى ، ولكن، أيضاً، على واقعنا الإجتماعى الكئيب ، التى جعلت كل من يزور بلادنا الحبيبة ، يترحم على مصر زمان ، التى سكنتها كل أجناس العالم وعاشت جنب الى جنب فى سلام ، فى رحاب المدينة ، التى علمها الخواجة معنى الحريات ، كل الحريات ، الشخصية ، والفكرية ، والسياسية ، دعامات حياة المدينة ، على حساب دعامات ثقافتها الزراعية التى عفى عليها الزمان ، الإستبداد والدين والخضوع ، فى إمتزاجها بثقافة البدوى العنيف ، وصورتها غير الجميلة اليوم ، هذه المعادلة ، يجب أن تنعكس بكل جهد وكل وسيلة ، لكى تعود المدينة إلى الإنتصار، ونعود معها إلى العصر الحديث!!!