خاتمة كتاب (لمحة عن الخطبة الدينية فى تاريخ المسلمين )

أحمد صبحى منصور
2018 / 2 / 5

خاتمة كتاب (لمحة عن الخطبة الدينية فى تاريخ المسلمين )
أولا : إسلاميا : خطبة الجمعة يجب أن تكون خالصة لتقديس وذكر الله جل وعلا وحده
1 ـ خطبة الجمعة وصلاة الجمعة وجميع الصلوات بمواقيتها وفاتحة الكتاب فيها وهيئاتها هى من ملة ابراهيم ابراهيم التى كانت متوارثة بين العرب واهل الكتاب ضمن الفرائض الأخرى ابراهيم كالحج والصيام . وقد نزل القرآن بإتباع ملة ابراهيم ( حنيفا ) ، أى تأدية نفس العبادات مع الاتزام بالحنيفية أى الاخلاص فى تأديتها للخالق جل وعلا . ، وأنزل الله جل وعلا فى القرآن الكريم تيسيرات فى الصيام وتشريعات جديدة فى الصلاة كالطهارة قبلها وصلاة الخوف وتشريعات جديدة فى الحج ، مع الحث على تأدية تلك العبادات بالتقوى ، أى لتكون العبادات وسيلة للتقوى ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) ) أو ما يعنى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة أى التطهر القلبى وإجتناب الأوثان والأنصاب والأصنام .
كما كان آيات تنزل تعلق على أى تهاون فى الشعائر كما حدث حين تركوا النبى محمدا قائما يخطب فى صلاة الجمعة . وملاحظ أنهم كانوا يسألون النبى محمدا فى أشياء كثيرة يطلبون لها توضيحا وقد يتكرر سؤالهم فى موضوع واحد كما فصلنا فى كتاب ( القرآن وكفى .. ) ، ولكن لم يسألوه مطلقا عن كيفية الصلاة لأنه لم تكن فيها مشكلة، كما يلاحظ أن الأمر لم يأت مطلقا بأداء الصلاة ، بل بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة (أى تزكية النفس ) بما يؤكد على أهمية أن تكون العبادات وسيلة للتقوى . ومن يجب أن تكون العبادات فى الاسلام منزهة عن الرياء والاستغلال الدنيوى ، أى أن تكون خالصة لوجه الله جل وعلا ، وهذا معنى قوله جل وعلا (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (2) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (11))( قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (14) الزمر) .
2 ـ وخطبة الجمعة إنعكاس لذلك ، إذ يجب أن تكون ذكرا لرب العزة جل وعلا ، وهذا هو عموما وصف الصلاة ، نقيمها ذكرا وتعظيما لرب العزة جل وعلا وحده : (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (14) طه) ، كما هو وصف صلاة الجمعة خصوصا ، قال جل وعلا : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9) الجمعة ). ولذا كانت خطبة الجمعة فى عهد النبى محمد عليه السلام قراءة للقرآن الكريم فقط ، فالقرآن الكريم هو الذكر ، قال جل وعلا (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ (7) مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ (8) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) الحجر ) (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) ص )( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) فصلت ) (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44) الزخرف )
3 ـ وليس من الاخلاص فى الدين أن يستغل أحد خطبة الجمعة لذكره ، فذلك تأليه له ، كما أنه من الكفر بالرحمن جل وعلا أن يستغل أحد شريعة إلصلاة فى سبيل حطام دنيوى .
ثانيا : بداية الانحراف وتطوره فى تاريخ الصحابة بعد موت النبى محمد عليه السلام
1 ـ إرتفع الكفر عاليا هادرا بجريمة الفتوحات العربية التى إنتهكت شريعة الاسلام وحُرمة الأشهر الحرام ، ثم تلاها جريمة الحروب الأهلية أو الفتنة الكبرى بين الصحابة صراعا حول الثروة والسلطة ، وانتهى الأمر بتأسيس دولة بنى امية أصحاب التاريخ الطويل فى حرب النبى والمؤمنين من قبل .
2 ـ وفى تسويغ لمظالمهم أشاع الأمويون ما يعرف بالجبرية ، أى إن جرائمهم إنما هى بمشيئة الرحمن ، وهذا ما كانوا يقولونه فى مكة ، الجديد هنا أنهم فى دولتهم إعتبروا من يعترض عليهم يكون كافرا معترضا على قضاء الله جل وعلا وقدره ، أى نسبوا ظلمهم لرب العزة جل وعلا . بعد هذا الولوغ فى الكفر والظلم لرب العزة جل وعلا تلاعبوا بفريضة الحج ، فأقاموا ما أسموه بالمسجد الأقصى على أطلال معبد سليمان فى القدس وجعلوه حرما للحج يضاهئون به الحج الى البيت العتيق ، ثم إلتفتوا الى صلاة الجمعة فجعلوها مناسبة اسبوعية للدعاية لهم وللنيل من خصمهم (على بن أبى طالب ).
3 ـ ثم شهد القرن الثالث الهجرى تطورا خطيرا فى الكفر هو توطيد الأديان الأرضية الكبرى الثلاث وهى السنة والتشيع والتصوف ، والتحول الى الدولة الدينية للعباسيين والفاطميين ، فأصبح الخليفة الفاطمى والعباسى كهنوتا سياسيا ودينيا ، وينسب الخليفة العباسى أو الفاطمى نفسه بلقب رسمى الى رب العزة ( المستكفى بالله ، القائم بأمر الله ، المعز لدين الله ، العزيز بالله ..الخ ). وأدى هذا الى تطور خطير فى الخطبة أن صارت خالصة فى تقديس الخليفة ، ودليلا شرعيا فى دينهم الأرضى على الخضوع له سياسيا ودينيا .
4 ـ وبهذا أصبح لدينا نموذجان من الاستبداد :
4 / 1 : مستبد علمانى يستخدم الدين والكهنوت الدينى لصالحه ، بدأه الأمويون ثم تابعهم الأيوبيون والمماليك . ونرى هذا حاليا فى النظم المستبدة فى العالم العربى من مصر الى الشام والعراق وشمال أفريقيا ..
4 / 2 : مستبد فى دولة دينية هو الكهنوت ، بدأه العباسيون والفاطميون ثم العثمانيون ، ونرى هذا حاليا فى السعودية السنية وفى دولة داعش السنية التى سقطت، وفيما يسمى بالجمهورية الاسلامية فى ايران.
5 ـ وخطبة الجمعة ينعكس عليها هذا الوضع . فهى تمجّد المستبد ، وتشرع الخضوع له ، ومن أدوات تقديسه .
ثالثا : الحل :
1 ـ النظام الفرعونى عداء لله جل وعلا ، وهو تأليه لحاكم ، ويتجلى هذا التأليه فى إستغلال الدين الأرضى فى تدعيم سلطان هذا المستبد . لذا فإن الحل هو التحول الديمقراطى بتأسيس دولة ديمقراطية تمنع بكل صرامة الخلط بين الدين والسياسة ، وتؤكد على الحرية الدينية والحرية السياسية والفكرية والعدل وحقوق الانسان وكرامته.
2 ـ قد يقال إن الحرية الدينية تتيح الفرصة لأئمة الإكراه فى الدين والارهاب . ونقول : إن الأمر بالعكس ، لأن دعوتهم مبنية على خرافات ومفتريات ، وهى تحتاج الى دولة تحميها من النقاش . فى وجود حرية دينية مطلقة يفقدون حصانتهم ويتعين عليهم أن يدافعوا عن خرافاتهم وأكاذيبهم ومقدساتهم المزعومة ، ولأنهم دواب جاهلة فسيتساقطون كالذباب سريعا . وفى نفس الوقت فإن المنع التام لخلط الدين والسياسة لا يجعل لهم سوقا للتكسب ، خصوصا وأن الدولة الديمقراطية ليست وظيفتها هداية الناس الى ّ الجنة لأن الهداية مسئولية شخصية ، ومن إهتدى فلنفسه ومن ضل فعلى نفسه . وظيفة الدولة الديمقراطية هى خدمة المواطنين جميعا على قدم المساواة ، على قاعدة أن الدين لله جل وعلا وان الوطن للجميع .
3 ـ فى ظل هذه الدولة التى ندعو ــ نحن أهل القرآن ـ اليها ستكون لنا مساجد نصلى فيها الجمعة ، نذكر فيها إسم الله جل وعلا وحده .
4 ـ فيما عدا ذلك فالمساجد التى تسبح بحمد السلطان وتقدس البشر والحجر ليست سوى مساجد ضرار ، ومعابد للشيطان . ويكون من الحُمق الرائع أن نتكلم عن صلاة الجمعة أو التراويح أو الجنازات فيها ، فالأصل شيطانى ولا خير فيه .