أمريكي ضميره حر

مصطفى مجدي الجمال
2018 / 2 / 4

مهما كانت قضية نضالك محلية فإنك تخطئ خطأً فاحشًا إن لم ترها في سياقيها العالمي والإقليمي. ولن تنجح نضالاتك من أجل تغيير جذري في وطنك مالم تكن على دراية معقولة بالقوة المعادية لبرنامجك التغييري على هذين المستويين لأن كل التجارب "الثورية" عانت تاريخيًا من التدخل الخارجي بالضغوط والمؤامرات والعدوان الصريح.. وتحديدًا من جانب الدول الإمبريالية الغربية..
في الماضي استمرأ البعض التحالف مع قوة إمبريالية ضد أخرى (كالتحالف مع النازية ضد بقية القوى الغربية).. وهو هزؤ بمبدأ استغلال التناقضات بين الأعداء كاحتياطي استراتيجي غير مباشر، ووقوع حتمي في فخاخ لا فكاك منها..
أما في عالمنا المعاصر فقد تعلمت الإمبرياليات الغربية الكثير من حروبها البينية العظمى ومن حروب الوكالة وصراعات الاحتكارات والاستخبارات والأيديولوجيات.. ومن ثم استطاعت- خاصة في مواجهة الصعود السوفيتي وبدرجة أكبر بعد انهيار "المنظومة الاشتراكية"- استطاعت التوصل إلى اتفاق حول كيفية حل صراعاتها الثانوية ومن ثم التوصل إلى رؤية وتركيبة تراتبية للسيطرة الرأسمالية على العالم، بتشكيل ما يشبه القيادة الجماعية (ولا مانع من بعض النزاعات الثانوية المحكومة بينها) لممارسة الهيمنة الإمبراطورية على العالم مستخدمة الاحتكارات التي عددها سمير أمين (الاحتكار النووي، الاحتكار العلمي والتكنولوجي، الاحتكارات الإعلامية العظمى، السيطرة على المؤسسات السياسية والاقتصادية الدولية، احتكار الطاقة والثروات المنجمية..).
وقد كان تصاعد الجبروت العسكري/ النووي الأمريكي، إلى جانب حرمان ألمانيا واليابان من البناء العسكري، وكذا دولرة الاقتصاد العالمي، والتفوق الاستخباري الأمريكي.. من أهم عوامل اضطلاع الولايات المتحدة الأمريكية بتوجيه دفة هذه القيادة الجماعية والتحدث باسمها..
ومن ثم فإن أية محاولة للفكاك من التبعية والتخلف لا بد وأن تتصف بمواقف حازمة من الحلف الإمبريالي بكل مؤسساته.. نعم هذه بديهية مازالت بحاجة إلى تكرار التذكير.. لأن بعض القوى الوطنية في العالم الثالث، لا تكف عن الوقوع في الخطأ..
على الجانب المقابل.. وخلال القرنين الماضيين.. أدان ثوار عالميون وغربيون كبار ما اعتبروه خيانة من جانب المواطن الغربي وكثير من طلائعه "التقدمية" لقضايا الشعوب الأخرى في الجنوب، طالما أنهم يحصلون على مزايا متزايدة جراء الاستعمار والإمبريالية والهيمنة والعولمة.. ولكن هناك شرائح قليلة من الثوريين في الغرب يخوضون نضالاً شاقًا لإيقاظ المواطن على حقيقة الخطر الداهم الذي تمثله الرأسمالية العالمية على السلم والقيم الإنسانية وعلى بقاء الكوكب نفسه..
وأقدم للمعجبين في بلداننا بهذا الجانب أو ذاك في المجتمعات أو الأيديولوجيات الرأسمالية.. أقدم ترجمتي لهذا المقال الذي كتبه Andre Vltchek أندريه فتشيك، وهو روائي، سينمائي، صحفي استقصائي أمريكي معروف.

(((كلب الحرب الأمريكي تَوّاق لأن يََعقر..
لكن متى وكيف؟)))

بقلم أندريه فيتشيك

الأمر يمكن أن يكون كوميديًا حقًا، إن لم يكن خطرًا داهمًا للملايين في كل أنحاء العالم. فالإمبراطورية التي كانت ذات يوم جبارة ومستهترة ومخيفة أصبحت تتقافز الآن هنا وهناك ككلب مسعور لعابه سائل ويعوي بأعلى نباح وذيله المتصلب بين أقدامه.
وأول القوى الموضوعة غربيًا على القائمة الغربية الاستعمارية الجديدة والمرشحة للعض هي إيران وكوريا الشمالية وسوريا وفنزويلا وروسيا والصين وباكستان.
أما المدير العام لما يسميه الغرب بـ "العالم الحر" فقد تفاقمت تصرفاته كهمجي وعنصري، حتى أهان جميع البلدان الأفريقية التي نجت من الإبادة وتحررت من تجارة الرقيق، والتي عانت لقرون من الاستعمار والنهب والاستعباد على أيدي الدول الأوربية "المستنيرة"، وفيما بعد على أيدي الحكومات الغربية عامةً والشركات متعدية الجنسيات.
كما أهان المدير العام أيضًا الملايين في أمريكا اللاتينية وشعوبها التي سقطت لعصور ضحية لـ "مبدأ مونرو" الحاكم للسياسة الخارجية الأمريكية في تلك القارة. وهو المبدأ الذي يمكن تلخيصه كالتالي: افعلوا ما نقول وما هو في مصلحة الغرب، وإلا سوف نطيح بحكوماتكم ونقتل زعماءكم أو حتى سنغزو شطآنكم مباشرة.
أصبح الحديث الآن: أولئك "المهاجرون غير الشرعيين" من تلك البلدان سيُضطرون على الأرجح إلى مغادرة الولايات المتحدة، لأنهم فقراء (وهو أمر منطقي بعد قرون من القهر والإرهاب الآتي من الشمال)، ولأنهم ليسوا بِيضًا، ولأنهم "غير متحضرين".. أو باختصار لأنهم ليسوا "نرويجيين" (فالمدير يفضل المهاجرين القادمين من بلد كالنرويج).
وإذا كان المدير يتجرأعلى تحقير البشر هكذا، فإن الاقتراب بالعالم من حرب نووية يعتبر مستوى آخر تمامًا.
يبدو على نحو متزايد أن احتمالات اندلاع صراع أو صراعات جديدة ومرعبة ليست احتمالات افتراضية. وإنما هي سيناريو واقعي تمامًا، واحتمال كبير، إذا أخذنا في الاعتبار الحالة الذهنية "للمدير"، وحتى الحالة الذهنية للجمهور الغربي الذي يبدو كما لو كان بعيدًا كل البعد عن إدراك موقعهم في العالم وحتى موقعهم من تاريخهم.
وفي الوقت نفسه يتقافز كلي الحرب المسعور في اتجاهات مختلفة متأهبًا لأن يعقر ويفترس بل وحتى ينهي الحياة نفسها على ظهر الكوكب.
فمن سيكون الضحية المقبلة؟
هل هناك أحد مستعد للتسليم للقوة المتوحشة، أن يستسلم رعبًا، أن يقبل المصير البائس والمزري للأمم المقهورة والمحطمة مثل أفغانستان وليبيا والعراق؟
هل هناك حكومة يبلغ بها نقص العقل حد أن تسمح للغرب بـ "تحرير" شعبها؟
لا أظن أن هذا بات ممكنًا. فكل الأمثلة بالغة الفظاعة. وأصبح من الأفضل أن تخوض حربًا من أجل الحرية، بدلاً من أن تصبح أرضًا مستعمَرة محطمَة ومُذَلَّة. لقد رأيتُ بنفسي ماذا فعلوا بأفغانستان والعراق وجمهورية الكونغو الديمقراطية. لقد رأيت ما يدفعني إلى التقيؤ، لكن بدلاً من هذا سوَّدت اتهامًا من 800 صفحة بشواهد من أنحاء العالم، ودونته في كتابي المعنون "فضح أكاذيب الإمبراطورية".
لقد فقد الغرب كل ثقة ممكنة فيه، وأصبح العالم بأكمله يعرف أن المطلوب هو استعماره وإخضاعه للسيطرة الأوربية والأمريكية.
يبحث كلب الحرب عن نقطة ما ضعيفة، يستطيع أن ينشب فيها أنيابه ويمزقها تمزيقًا. لكن يبدو أنه اكتشف فجأة عدم وجوده فريسة كهذه. فكل النقاط المستهدفة تبدو صلبة وصعبة.
إذ تقف روسيا والصين بثبات وقوة، بل ويقوم الدبلوماسيون مهما بالإذلال- حرفيًا- لنظرائهم من الإمبراطورية الغربية، عبر جهود منسقة وقوية وذكية. وإذا كانت جيوشهما ميالة إلى السلم فإنها في الوقت نفسه أصبحت على أهبة الاستعداد للدفاع عن شعبيهما والإنسانية كلها.
كما لم تستسلم إيران أو كوريا الشمالية. وبدأت سوريا تتعافى، بالرغم من حقيقة عدم إلحاق الهزيمة النهائية بالتخريب المسلح والمدعوم من الخارج. ومازالت فنزويلا وكوبا وبوليفيا صامدة ولم تركع بعد.
فجأة لم تعد الإمبراطورية تجد من يستسلم لها، وهي المرة الأولى في تاريخ الإمبراطورية التي تجد نفسها إزاء وضع هكذا مع العالم. فقد أصبحت بلدان عديد أكثر صلابة من أن تسمح باستعمارها، الأمر الذي يصيب الغرب بمزيد من الهستيريا.
كما أن الرغبة في عدم خسارة الامتيازات الكبيرة "للوضعية المتحكمة" في العالم (بما فيها "الحق" في تحديد ما هو "الصواب" لبقية العالم وما هو "عدم الصواب") تتجسد بوضوح أيضًا في مواقف المنشورات والحركات والأحزاب اليسارية المزيفة في أوربا وأمريكا الشمالية، والتي على أتم الاستعداد لأن تذرف الدموع على مصير الفقراء والمضطهَدين في مختلف أرجاء العالم، أو "الكفاح ضد الحرب ومن أجل السلام"، لكنها في الوقت نفسه تتملكها الحساسية إزاء الأمم غير البيضاء التي انتزعت بشجاعة حقها في المضي في طريقها الخاص، بمعنى حقها في اختيار نظمها السياسية والاقتصادية الخاصة، وطريقتها في الحياة.
هناك أشكال وظلال مختلفة لمرَكَّبات لإمبريالية والتعصب القومي والتفوق الثقافي. فتقريبًا يكاد لا يوجد أحد هناك محصَّنًا ضد هذه العلل سوى القليل الرجال والنساء الأنقياء الذين يمكن أن نعتبرهم أممين حقًا. هناك بالفعل البعض منهم في الولايات المتحدة أو بريطانيا أوفرنسا.. ولكنهم ليسوا كثيرين، ليسوا كثيرين على الإطلاق.
لم يكن بوسع البلدان التي كانت منذ زمن على قائمة القتل الإمبراطورية، إلا أن تعتمد على قواها الذاتية فقط. غير أن الأمر تغير دراميًا فيما بعد، إذ أصبح بالإمكان الاعتماد على بعضها البعض.
وفي هذا ما يجعلنا نعتبر أن الإمبراطورية في طريقها للخسران! فهناك بالفعل ائتلاف عالمي ضد الرعب. قد يكون مازال يتشكل ويتحدد، لكنه قوي بالفعل.
إن الإمبراطورية تعرف أنها ستخسر، تعرف هذا بالحدس، لكنها مازالت في حالة إنكار.
وقبل أن تنتهي ستظل ممعنة على الأرجح في إزهاق أرواح عشرات الملايين. ولكن عصر الظلام الذي اكتنف قرون الاستعمار البشعة مقضيّ عليه بالانتهاء قريبًا.
يجب على مواطني الغرب أن يفكروا في تاريخهم. يجب عليهم التعلم جيدًا منه، وأن يكتسبوا الوعي بأنفسهم. فمعظمهم يتصف بالجهل التام إزاءه، بمن فيهم الحائزون على مختلف الدرجات العلمية. فماذا يعلمون عما فعلت بلدانهم بروسيا، الصين، إيران وكوريا، وفي الحقيق بكل أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط وما تُسمى الآن أمريكا اللاتينية؟
إن تاريخ الفظائع مازال يتدفق في الحاضر، وهو المسار الذي لم يتغير أي تغيير درامي، وسيظل يتدفق مستقبلاً.
في المجمل نحن نتحدث عن مئات الملايين من الحيوات الإنسانية التي أزهقها الغرب تحت نيره الاستعماري والإمبريالي. بل إن بعض الإحصائيات تتحدث بالفعل عن ألف مليون قتيل.
لا يمكن استعادة هذه الأرواح، ولكن هذا التيار يجب أن يتوقف.
ليس لدى الغرب أية أهلية أخلاقية ليخبر أي بلد عن كيف يجب أن يتصرف. والعالم آخذ في إدراك هذه الحقيقة على الرغم من عمليات غسيل المخ الممنهجة. وإذا استمر الغرب في الضغط على ضحاياه السابقين والحاليين فلن يحصد سوى نتائج عكسية.
وعلى أوربا وأمريكا الشمالية وحلفائهما (شركاء الجريمة) أن يجلسوا ببساطة على مقاعدهم نائحين ومهيلين للتراب على رؤوسهم، كتعبير عن الخزي والحزن على الفظائع التي جلبوها لكوكبنا على مدى قرون عديدة.
ولكن بدلاً من هذا نجد الغرب يركض هنا وهناك، ينبح، ويبرز أنيابه، على أمل التغلب على الخوف من أن يفقد سيطرته على العالم وأن يُضطر في النهاية للخضوع لقواعد دولية. وإن لم يتدع عن هذا فإنه سيتم إدخاله على وجه السرعة إلى مصحة عقلية للمرضى العنيفين والساديين.
وليس المدير العام للإمبراطورية استثناءً في هذا الصدد. فقد أودعته الشعوب "هناك بالفعل"، لأن الكثير من أحلامه ونزواته مطابقة لهؤلاء المرضى. وهو ليس أول ولا أسوأ مدير للإمبراطورية من هذا النوع . فهو جزء من التقاليد الطويلة للطغاة. وقد آن لهذه التقاليد أن تتوقف، حالاً، من أجل بقاء الكوكب.
إننا نمر بأوقات مدلهمة وخطيرة. ولا يجوز السماح للوحش المريض بأن يدمر العالم بأكمله. وعلى أولئك الصامدين في مواقعهم ألا يستسلموا له أبدا. ويجب أن ينضم لهم الآخرون. فبقاء الحضارة الإنسانية أضحى على المحك!)))