ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثاني 3

دلور ميقري
2018 / 2 / 3

خارج مبنى الرواق، بدت لهما الظلمة هُوْلةٌ مُلغزة، مستعبدةٌ كل الأشياء المتاحة لنظرتها القاتمة. إلا الدرب الخفيّ، بأضوائه الخفيفة، المعرّشة على أقواسه وقناطره.. درباً مُكتَنَفاً، مع ذلك، بأفياءَ تمتّ للعتمة. من هنا شقّ كلاهما طريقه، جنباً لجنب، وصولاً حتى العقدة المُفضية لمدخل الأسواق. سارا بخطواتٍ متعجلة في مستهل الدرب، المُنحدِرِ والمُنار قليلاً، ثمّ أكثر تأنياً فيما يليه من دروب متداخلة والأسواق؛ ثمة أين المضاءات السماوية، المُحتفية بقمرٍ وليد. لم يكن لهما شأنٌ بالأسواق، في هذه الليلة على الأقل، سوى أنها طريقٌ يمران خلله باتجاه سور المدينة القديمة، المفتوح عند باب دكالة. فما لبثا، بانعطافهما نحوَ الجهة تلك، أن خلّفا خلفهما الروائحَ الحرّيفة لأعشاب وبهارات العطّارين، ولجلود وعرعر الصانعين.
كانت " سوسن خانم " تضيق ذرعاً بكل ما يتصل بالمدينة القديمة من أوابد وأماكن، سواء كانت أسواراً وأبواباً وأبراجاً أو أسواقاً وقصوراً ومناراتٍ وحدائق. تعليل ذلك، ربما لكونها مولداً ومنشأً من مدينة مفتوحة على البحر الفسيح، المترامي حتى الأفق.. مدينة، يقذف مواطنوها المغلوب على أمرهم أنفاسَ الحرية، المكبوتة في دواخلهم، نحوَ الأمواج القادمة من بلاد الحرية. مع أنها تركت العاصمة الملكية، المشرفة على المحيط، كي تنتقل إلى هذه المدينة المطوقة بالجبال والصحراء. أضطرت لذلك، كونها مؤملة بالإبتعاد عن أعين جواسيس زوجها السابق ممن خدموا بإمرته في السفارة الكويتية قبل أن يغادر إلى السعودية على أثر إجتياح الجيش العراقي لبلده. غيرَ أنها، على أي حال، أختارت لنفسها الإقامة خارج أسوار المدينة الحمراء غير مكترثة بإغراء السكنى في أحد رياضاتها العريقة.

*
" كأني بك ذكرتَ شيئاً ، هنالك في الرواق، عن منزل تملكه أسرتك في القصبة؟ "، صدرَ صوتُ الخانم مغلفاً بصدى أصوات كائنات الليل. هز الشاب رأسه موافقاً، ثم ردّ قائلاً " أجل، وما زال شقيقي الكبير يسكنه مع أسرته ". لقد هدأ قلقها قبلاً فيما يخصّ مظهر مرافقها، وعليها كان أن تطمئن الآن حينَ أعلمها أنه يسكن في شقة بغيليز. استمرَ الشاب بالكلام، موضحاً أن أباه الراحل تركَ له ولشقيقته الشقة الأرضية تلك، وكان يستعملها في أواخر حياته مكتباً لأعماله التجارية. ندّت عنها ضحكة مقتضبة، صحبة مفردة كالآهة: " عجباً..! ". تطلع إليها بشيء من الاستغراب، غير أنها طفقت صامتة. وأحترم الشاب سكوتها، بعدما لحظ ما تناهى من صدرها من تنهدات تفيض عن انقباضه. بقيا على سيرهما المتمهل، المكتئب، إلى أن عبرا بوابة السور عند مدخل باب دكالة.
في واقع الحال، أنّ ذكرى طارئة غير طيبة قد جعلت " سوسن خانم " على تلك الهيئة الموصوفة. حديث الشاب عن شقة يسكنها مع شقيقته في غيليز، أوقظ في نفسها غمُّ ذكرى الشقيقين الدمشقيين، الذين أقاما معاً في ذلك الحي الراقي. أحدهما، كان في حساب الخانم حينئذٍ مع أن جفوةً حصلت مؤخراً بينها وبينه. ولكنها صورة شقيقته مَنْ تراءت لها في العتمة، مسكونة بوقار وجلال رقدة الموت.. صورة متخيَّلة، منتزَعة من شريط صوَرٍ واقعية يمتدّ على مدى أشهر إقامة صاحبتها في المدينة الحمراء. في المقابل، عليها كان أن تشعر بحزنٍ لا عزاء له حينَ رأت صورتها هيَ، مشوَّهةً بإزميل التحامل والضغينة ـ كما انطبعت على صفحات سيرة " شيرين " الراحلة.

*
على الرغم من علاقتها المُلتبَسة مع " فرهاد "، والتي انتهت إلى قطيعة مبرمة، كانت ما تني تشعر بالشفقة تجاهه. إنها تفكّر بما كان يملكه من كبرياء وكرامة، وكيف انتهى به الحال إلى درك أسفل من المهانة بسبب قضية قتل رجل الأعمال الفرنسيّ. المعارف من الطبقة الراقية ( وعلى رأسهم امرأة مشنوعة السمعة بقدَر مقامها العالي )، لم يقصّروا في رفد بعضهم البعض بالأقاويل الهادفة إلى الحط من قدْر الشاب، المبخوس الفأل. هؤلاء أنفسهم، كانوا ليبتهجوا بموت " الكَاوري " لو أنّ القاتلة أفلتت من القصاص بطريقة ما واستمرت بالحياة متنعمة بماله وأملاكه. ألا إنّ مراكش على شيمة من التناقض، بحيث أنها تسخر دونما رحمة ممن يرتقي به المقام ثم يهوي على غير أمل إلى الدرك الأسفل.
تلك المرأة، القوّالة، كانت معروفة في المدينة بوَصفها " أميرة ". ويبدو أنها تبّنت بكل سرور هذه الصفة، التي أطلقها عليها الآخرون. مع الأخذ بعين الإعتبار لحقيقة، أنّ أحداً لم يكن بوسعه إثبات، أو دحض، صلتها بالعائلة المقدّسة. وهذا ما يمكن قوله عن قصرها الكائن في ضاحية مراكشية، العائد في ملكيته لزوجها المتوفي، وكان في حياته من الحاشية الملكية. في بادئ الأمر، كانت " سوسن خانم " تعتقد أن مبعثَ الحقد على الشقيقين الدمشقيين إنما يرجع لشعور الأميرة بجُرح كبريائها؛ هيَ مَن سبقَ وأفتخرت بصداقتهما أمام الملأ بإعتبارهما من سلالة عثمانية مالكة. الحقيقة أنه لا " فرهاد "، ولا شقيقته، قد أكّدا في حينه الانتماء لهكذا نسَب مزعوم.. بل إنها كنيتهما، " بدرخان "، التي أوحت بذلك. من دواعي السخرية، أن يكون حقد الأميرة على خلفية الأنساب مع كونها بنفسها تلعب على ذات الوتر مُذ اليوم الأول لإقامتها في مراكش. فلم يكن على الخانم، والحالة تلك، إلا التيقن من السبب الحقيقي للحقد الموصوف: شعور الأميرة بجرح كبريائها، لأنها كانت يوماً مطيّة في الفراش يسوسها كيفما شاءَ، صاحبُ النسَب المزعوم.
" أتعلمين، يا عزيزتي؟ لقد أبلغتُ "مرافقتك السابقة، عن طريق والدتها، بأنّ المكان الأمثل لخدمتها هوَ ملهى ليليّ أملكه في غيليز.. "، قالت لها الأميرة في آخر إتصال جرى بينهما. منذئذٍ صممت الخانم، وداخلها يغلي بالغضب، على مساعدة " فرهاد " بأي شكل كي يتمكن من إجتياز محنته. كون أحد معارفها يقيم في الضاحية الحقيرة نفسها، سهّل عليها ولا غرو أمرَ الإتصال بسكرتيرها السابق. ذلك المعنيّ، كان رجلاً عجوزاً يُدعى " مسيو جاك "، سبقَ وعرفته الخانم من خلال الأميرة. قدمته إليها يوماً، بصفته مقيماً فرنسياً اعتنق الإسلام وأجاد المحكية المحلية. بيْدَ أنّ المرأة الماكرة، كعادتها في هكذا مناسبات، لم تعدُم وسيلة للهمس بأقاويل عن علاقة قديمة ربطت الرجل بوالدة " الشريفة "، وأنّ هذه الأخيرة هيَ ثمرة غير شرعية للعلاقة تلك. لسخرية المقدور، هنا أيضاً، أن تكون الأميرة على ذات الشبهة فيما يتعلق بمزاعم العلاقة غير الشرعية وثمرتها. بعدما أنصتت " سوسن خانم " يومذاك لأقاويل الأميرة بشأن مرافقتها السابقة، لم تمسك ضحكة أفلتت منها مع مفردة وحيدة: " عجباً! ".